موقع لأجلك محمد صلى الله عليه وسلم منتدى لأجلك محمد صلى الله عليه وسلم إذاعة لأجلك محمد صلى الله عليه وسلم مقياس معرفتنا بنبينا المجلة الفلاشية تواقيع دعوية تتجدد المحاضرات والدروس الصوتية لطلاب كلية الشريعة لألئ حول الرسول صلى الله عليه وسلم رياض الصالحين

Bookmark and Share 

عودة إلى  باب المراقبة - رياض الصالحين

شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله
شرح أحاديث رياض الصالحين باب المراقَبة

5- بابُ المراقَبة

قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:218،219]، وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾[الحديد:4]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران:5]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:14]، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:19] ، والآيات في الباب كثيرة معلومة.

الشرح
لما ذكر المؤلف- رحمه الله - باب الصدق، وذكر الآيات والأحاديث الواردة في ذلك أَعْقَبَ هذا بباب المراقبة . المراقبة لها وجهان:
الوجه الأول: أن تراقب الله عز وجل.
والوجه الثاني: أن الله تعالى رقيب عليك كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾[الأحزاب:52] .
أما مراقبتك لله فأن تعلم أن الله- تعالى- يعلم كل ما تقوم به من أقوال وأفعال واعتقادات ، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ(217)الذي يراك حين تقوم (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:217ـ 219] ، يراك حين تقوم، أي: في الليل حين يقوم الإنسان في مكان خال لا يطلع عليه أحد، فالله سبحانه وتعالى يراه. حتى ولو كان في أعظم ظلمة وأحلَكِ ظلمة؛ فإن الله تعالى يراه.
وقوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ أي : وأنت تتقلَّب في الذين يسجدون في هذه الساعة ، يعني تقلُّبكَ فيهم، أي: معهم، فإن الله- سبحانه وتعالى- يرى الإنسان حين قيامه وحين سجوده.
وذَكَرَ القيام والسجود؛ لأن القيام في الصلاة أشرف من السجود بذكره، والسجود أفضل من القيام بهيئته.
أما كون القيام أفضل من السجود بذكره؟ فلأن الذكر المشروع في القيام هو قراءة القرآن، والقرآن أفضل الكلام .
أما السجود فهو أشرف من القيام بهيئته؛ لأن الإنسان الساجد أقرب ما يكون من ربه عز وجل ،كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد))(192) .
ولهذا أمرنا أن نُكثر من الدعاء في السجود، كذلك من مراقبتك لله، أن تعلم أن الله يسمعك، فأي قول تقوله؛ فإن الله تعالى يسمعك ؛ كما قال الله:﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:80] ، بلى: يعني نسمع ذلك.
ومع هذا فإن الذي تتكلم به - خيرًا كان أم شرًا، معلناً أم مسرًا- فإنه يُكتب لك أو عليك؛ كما قال الله تبارك وتعالى :﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:18]، فراقب هذا الأمر ، وإياك أن تخرج من لسانك قولاً تحاسب عليه يوم القيامة، اجعل دائما لسانك يقول الحق أو يصمت، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليقل خيرًا أو ليصمت)) (193).
الثالث: أن تراقب الله في سرِّك وفي قلبك، انظر ماذا في قلبك من الشرك بالله والرياء، والانحرافات، والحقد على المؤمنين،وبغضاء، وكراهية،ومحبَّةٍ للكافرين ، وما أشبه ذلك من الأشياء التي لا يرضاها الله عز وجل؟
راقب قلبك، تَفَقَّدهُ دائماً؛ فإن الله يقول:﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾[ق:16] ، قبل أن ينطق به.
فراقب الله في هذه المواضع الثلاثة، في فعلك ، وفي قولك، وفي سريرتك، وفي قلبك، حتى تتم لك المراقبة، ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال: (( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).
اعبد الله كانك تراه ، كأنك تشاهده رأي عين، فإن لم تكن تراه فانزل إلى المرتبة الثانية: (( فإنه يراك)).
فالأول: عبادة رغبة وطمع، أن تعبد الله كأنك تراه، والثاني: عبادة رهبةٍ وخوف، ولهذا قال: (( فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).
فلابد أن تراقب ربك، وأن تعلم أن الله رقيب عليك، أي شيء تقوله، أو تفعله، أو تضمره في سرِّك فالله تعالى عليم به، وقد ذكر المؤلف- رحمه الله- من الآيات ما يدل على هذا، فبدأ بالآية التي ذكرناها؛ وهي قوله- تعالى- لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: 217ـ 220] .
الآية الثانية التي ساقها المؤلف- رحمه الله تعالى- في باب المراقبة: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:4]، الضمير ﴿هو﴾ يعود على الله، أي: الله سبحانه وتعالى مع عباده أينما كانوا: في برٍّ أو بحرٍ، أو جوٍّ، أو في ظلمةٍ، أوفي ضياء. وفي أي حال هو معكم أينما كنتم. وهذا يدل على كمال إحاطته عز وجل بنا علما وقدرة وسلطانا وتدبيرًا وغير ذلك. ولا نعني أنه سبحانه وتعالى معنا في نفس المكان الذي نحن فيه؛ لأن الله فوق كل شيء، كما قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:5] ، وقال ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾[الأنعام: 18] وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:16] ، وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255] ، وقال ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:1] ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على أنه فوق كل شيء، لكنه عز وجل ليس كمثله شيء في جميع نعوته وصفاته، هو عليّ في دُنُوِّه، قريب في علوِّه جل وعلا، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:186] ، ولكن يجب أن نعلم أنه ليس في الأرض، لأننا لو توهمنا هذا، لكان فيه إبطال لعلو الله سبحانه وتعالى. وأيضاً فإن الله سبحانه لا يسعه شيء من مخلوقاته: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:255] .
الكرسي محيط بالسماوات والأرض كلها ، والكرسي هو موضع قدمي الرحمن عز وجل، والعرش أعظم وأعظم ، كما جاء في الحديث: ((إن السموات السبع والأرضيين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة أُلقيت في فلاة من الأرض)).
حلقة كحلقة المغفر صغيرة أُلقيت في فلاة من الأرض، أي مكان متسع، نسبة هذه الحلقة إلى الأرض ليست بشيء.
قال : (( وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة)) (194) ، فما بالك بالخالق جل وعلا! الخالق - سبحانه وتعالى- لا يمكن أن يكون في الأرض ، لأنه - سبحانه وتعالى- أعظم من أن يُحيط به شيء من مخلوقاته ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم﴾ [الحديد:4] .
واعلم أن المعيَّة التي أضافها الله إلى نفسه تنقسم بحسب السياق والقرائن.فتارة يكون مقتضاها الإحاطة بالخلق علما وقدرة وسلطانا وتدبيراً وغير ذلك، مثل هذه الآية :﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم﴾ ومثل قوله تعالى:﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة:7] .
وتارةً يكون المراد بها التهديد والإنذار، كما في قوله تعالى:﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ [النساء:108] ، فإن هذا تهديد وإنذار لهم أن يُبَيِّتُوا ما لا يرضى من القول يكتمونه عن الناس، يظنون أن الله لا يعلم، والله- سبحانه - عليم بكل شيء.
وتارةً يُراد بها النصر والتأييد والتثبيت وما أشبه ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:128]، وكما في قوله تعالى:﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:35] ، والآيات في هذا كثيرة.
وهذا القسم الثالث من أقسام المعيَّة تارةً يضاف إلى المخلوق بالوصف، وتارةً يضاف إلى المخلوق بالعين.
فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:128] ، هذا مضاف إلى المخلوق بالوصف، فأي إنسان يكون كذلك فالله معه.
وتارةً يكون مضافاً إلى المخلوق بعين الشخص، مثل قوله تعالى:﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:40]، فهذا مضاف إلى الشخص بعينه، وهي للرسول - عليه الصلاة والسلام- وأبي بكر - رضي الله عنه- وهما في الغار، لما قال أبو بكر للرسول النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا، لأن قريشاً كانت تطلب الرسول صلى الله عليه وسلم وأبا بكر- رضي الله عنه- بكل جدّ! ما من جبل إلا صعدت عليه، وما من واد إلا هبطت فيه، وما من فلاة إلا بحثت، وجعلت لمن يأتي بالرسول- عليه الصلاة والسلام- وأبي بكر مائتي بعير، مائةً للرسول، ومائةً لأبي بكر، وتعب الناس وهم يطلبونهما، ولكن الله معها. حتى وقفوا على الغار ،يقول أبو بكر: لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا، فيقول له الرسول عليه الصلاة والسلام : ((لا تحزن إن الله معنا ، فما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟))
والله ظنُّنا لا يغلبهما أحد ، ولا يقدر عليهما أحد. وفعلاً هذا الذي حصل ؛ ما رأوهما مع عدم المانع، فلم يكن هناك عشٌ كما يقولون ولا حمامة وقعت على الغار ، ولا شجرة نبتت على فمِ الغار ، ما كان إلا عناية الله عز وجل ؛ لأن الله معهما .
وكما في قوله ـ سبحانه ـ لموسى وهارون ، لما أمر الله موسى وأرسله إلى فرعون هو وهارون :﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طـه: 45،46] .
الله أكبر: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ إذا كان الله معهما هل يمكن أن يضرهما فرعون وجنوده ؟ لا يمكن ، فهذه معيَّة خاصة مقيَّدة بالعين : ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ .
المهم أنه يجب علينا أن نؤمن بأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ مع الخلق ، لكنه فوق عرشه ولا يساميه أحد في صفاته ، ولا يدانيه أحد في صفاته ، ولا يمكن أن تورد على ذهنك أو على غيرك كيف يكون الله معنا وهو في السماء ؟
نقول : الله ـ عز وجل ـ لا يقاس بخلقه ، مع أن العلو والمعية لا منافاة بينهما حتى في المخلوق . فلو سألنا سائل : أين موضع القمر ؟ لقلنا : في السماء ، كما قال الله :﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح:16] ، وإذا قال : أين موضع النجوم ؟ قلنا في السماء ، واللغة العربية يقول المتكلمون فيها : ما زلنا نسير والقمر معنا ، ما زلنا نسير القمر والنجم معنا ! مع أن القمر في السماء والنجم في السماء ، لكن هو معنا ، لأنه ما غاب عنا . فالله ـ تعالى ـ وهو على عرشه ـ سبحانه ـ فوق جميع الخلق .
وتقتضي هذه الآية بالنسبة للأمر المسلكي المنهجي بأنك إذا آمنت بأن الله معك ، فإنك تتقيه وتراقبه ؛ لأنه لا يخفى عليه ـ عز وجل ـ حالك مهما كنت ، لو كنت في بيت مظلم ليس فيه أحد ولا حولك أحد فإن الله تعالى معك ، لكن ليس في نفس المكان ، وإنما محيط بك ـ عز وجل ـ لا يخفى عليه شيء من أمرك . فتراقب الله ، وتخاف الله ، وتقوم بطاعته ، وتترك مَنَاهِيه . والله الموفق . ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ... ﴾
الآية الثالثة التي ساقها المؤلف رحمه الله تعالى ـ في باب المراقبة قوله تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران:5] ، ﴿شَيْءٌ﴾ نكرة في سياق النفي في قوله : ﴿لا يَخْفَى﴾ فتعم كل شيء ، فكل شيء لا يخفى على الله في الأرض ولا في السماء ، وقد فصل الله هذا في قوله تبارك وتعالى : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:59] .
قال العلماء : إذا كانت الأوراق الساقطة يعلمها ؛ فكيف بالأوراق النامية التي ينبتها ويخلقها ؛ فهو بها أعلم عز وجل .
أما قوله : ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ﴾ . ﴿حَبَّةٍ﴾ : نكرة في سياق النفي المؤكد بمن . إذاً يشمل كل ورقة صغيرة كانت أو كبيرة .
ولْنفرض أن حبة صغيرة منغمسة في طين البحر ، فهي في خمس ظلمات:
الظلمة الأولى: ظلمة الطين المنغمسة فيه.
الثانية: ظلمة الماء في البحر.
الثالثة: ظلمة الليل.
الرابعة: ظلمة السحاب المتراكم.
الخامسة: ظلمة المطر النازل.
خمس ظلمات فوق هذه الحبة الصغيرة؛ والله عز وجل يعلمها.
وقوله: ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ . مكتوب ، مبيَّن، بيِّن ، ظاهر ، معلوم عند رب العالمين عز وجل.
إذاً من كان هذا سعة علمه فعلى المؤمن أن يراقب الله سبحانه وتعالى، وأن يخشاه في السر كما يخشاه في العلانية، بل الموفَّق الذي يجعل خشية الله في السر أعظم وأقوى من خشيته في العلانية ، لأن خشية الله في السر أقوى في الإخلاص، لأنه ليس عندك أحد؛ لأن خشية الله في العلانية ربما يقع في قلبك الرياء ومراءاة الناس.
فاحرص- يا أخي المسلم- على مراقبة الله- عز وجل - وأن تقوم بطاعته امتثالاً لأمره واجتنابا لنهيه، ونسأل الله العون على ذلك؛ لأن الله إذا لم يُعِنَّا، فإننا مخذولون؛ كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:5] . فإذا وُفِّق العبد للهداية والاستعانة في إطار الشريعة فهذا هو الذي أنعم الله عليه.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:6،5]، لابد أن تكون العبادة في نفس هذا الصراط المستقيم، وإلا كانت ضرراً على العبد . فهذه ثلاثة أمور ، هي منهج الذين أنعم الله عليهم، ولهذا قال ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:6،7] .
الآية الرابعة التي ذكرها المؤلف- رحمه الله تعالى- في باب المراقبة: قوله تعالى:﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:14] ، وهذه الآية ختمَ الله بها ما ذكره من عقوبة عاد ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11)فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ(12)فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾[الفجر:7 ـ 14]، فبيَّن، عز وجل- أنه بالمرصاد لكل طاغية ، وأن كل طاغية فإن الله تعالى يقصم ظهره ويبيده ولا يبقي له باقية.
فعاد إرم ذات العماد، ذات البيوت العظيمة المبنية على العمد القوية، أعطاهم الله قوة شديدة فاستكبروا في الأرض وقالوا: من أشد منا قوة؟ ! فقال الله عز وجل : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة﴾ [فصلت:15]؛ فبين الله - عز وجل- أنه هو أشد منهم قوة، واستدل لذلك بدليل عقلي، وهو أن الله هو الذي خلقهم، ولهذا قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ ؛ ولم يقل: ((أو لم يروا أن الله هو أشد منهم قوة)) قال ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ ؛ لأنه من المعلوم بالعقل علما ضروريا أن الخالق أقوى من المخلوق ، فالذي خلقهم هو أشد منهم قوة : ﴿وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾، [فصلت:15] ، فأصابهم الله - سبحانه وتعالى - بالقحط الشديد، وأمسكت السماء ماءها فجعلوا يستسقون، أي: ينتظرون أن الله يُغيثهم، فأرسل الله عليهم الريح العقيم في صباح يوم من الأيام ، أقبلت ريح عظيمة تحمل من الرمال والأتربة ما صار كأنه سحاب مركوم.
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الاحقاف:24]، حكمة من الله عز وجل، لم تأتهم الريح هكذا، وإنما جاءتهم وهم يُؤَمِّلون أنها غيث ليكون وقعها أشد، شيء أقبل فظنوه ريحا تسقيهم فإذا هو ريح تدمِّرهم، فكون العذاب يأتي في حال يـتأمل فيها الإنسان كشف الضرر يكون أعظم وأعظم.
مثل ما لو منَّيتَ شخصاً بدراهم ثم سحبتها منه صار أشد وأعظم: ﴿لَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الاحقاف:24] ، لأنهم كانون يتحدَّون نبيهم: يقولون: إن كان عندك عذاب فأتِ به إن كنت صادقاً، فجاءتهم ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ والعياذ بالله !! هاجت عليهم سبع ليال وثمانية أيام، لأنها بدأت من الصباح وانتهت بالغروب، فصارت سبع ليال وثمانية أيام حسوماً متتابعة قاطعة لدابرهم تحسمهم حسماً، حتى إنها تحمل الواحد منهم إلى عنان السماء، ثم ترمي به، فصاروا كأنهم أعجاز نخل خاوية، أي: مثل أصول النخل الخاوية ملتوين على ظهورهم- والعياذ بالله - كهيئة السجود؛ لأنهم يريدون أن يتخلَّصوا من هذه الريح بعد أن تحملهم وتضرب بهم الأرض، ولكن لم ينفعهم هذا.
قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:16]، والعياذ بالله .
أما ﴿ثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر:9] ، فهم أيضاً عندهم عتوٌّ وطغيان وتحدٍّ لنبيهم ، حتى قالوا له:﴿كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا﴾ [هود:62] ، أي كنا نرجوك ونظنك عاقلاً، أما الآن فأنت سفيه؛ لأنه ما من رسول أرسل إلا قال له قومه: ساحر أو مجنون ، كما قال الله: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذريات:52] .
فأنظرهم ثلاثة أيام: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود:65]، فلما تمَّت الثلاثة- والعياذ بالله- ارتجفت بهم الأرض، وصيح بهم؛ فأصبحوا كهشيم المحتظر، أي: مثل سعف النخل إذا طالت عليه المدة صار كأنه هشيم محترق من الشمس والهواء، صاروا كهشيم المحتظر وماتوا عن آخرهم.
أما فرعون - وما أدراك ما فرعون- فهو ذلك الرجل الجبار المتكبر، الذي طغى وأنكر الله- عز وجل - وقال لموسى : ما رب العالمين؟ وقال لقومه: ما لكم من إله غيري !! نعوذ بالله، وقال لهامان وزيره ﴿ابْنِ لِي صَرْحاً﴾يعني: بناءً عاليًا ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ يقوله تهكما -والعياذ بالله- ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر: 36،37] .
وكذب في قوله: وإني لأظنه كاذبا؛ لأنه يعلم أنه صادق، كما قال الله تعالى في مناظرته مع موسى، قال له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْت﴾ يا فرعون ﴿مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾[الإسراء:102]، ما أنكر ، ماقال : ماعلمت !بل سكت ، والسكوت في مقام التحدي والمناظرة يدل على الانقطاع وعدم الجواب.
وقال الله تعالى عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾[النمل:14] .
فهم- والعياذ بالله- فرعون وجنوده- يعلمون أن موسى صادق، لكنهم مستكبرون جاحدون. ماذا حصل لهم؟
حصل لهم- والعياذ بالله- هزائم، أعظمها الهزيمة التي حصلت للسحرة
جمعَ جميع السحرة في بلاده باتفاق مع موسى- عليه الصلاة والسلام- وموسى هو الذي عيَّن الموعد أمام فرعون، مع أن موسى أمام فرعون يعتبر ضعيفاً لولا أن الله نصره وأيده.
قال لهم موسى:﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً﴾ [طـه:59]، يوم الزينة يوم العيد، لأن الناس يتزينون فيه ويلبسون الزينة. وقوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ﴾ يجمع ﴿النَّاسُ ضُحىً﴾ لا في الليل في الخفاء.فجمع فرعون جميع من عنده من عظماء السحرة وكبرائهم،واجتمعوا بموسى- عليه الصلاة والسلام- وألقوا حبالهم وعصيهم. الحبال معروفة، والعصا معروفة، ألقوها في الأرض فصارت الأرض كلها ثعابين- حيَّات - تمشي، أرهبت الناس كلهم، حتى موسى أوجف في نفسه خيفةً فأيده الله وقال له: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾[طـه: 68،69] .
فالقى ما في يمينه وهي العصا، عصا واحدة فقط؛ فإذا هي تلقف ما يأفكون ، كل الحبال والعصي أكلتها هذه العصا، سبحان الله العظيم !وأنت تعجب: أين ذهبت العصا؟ ليست كبيرة حتى تأكل كل هذا، لكن الله عز وجل على كل شيء قدير، فالتهمت الحبال والعصي، وكان السحرة أعلم الناس بالسحر بلا شك، فعرفوا أن الذي حصل لموسى وعصاه ليس بسحر، وأنه آية من آيات الله عز وجل، فأُلقي السحرة ساجدين.
وانظر إلى كلمة ﴿أُلقِيَ﴾ كأن هذا السجود جاء اندفاعاً بلا شعور، ما قال: سجدوا ! ألقوا ساجدين، كأنهم من شدة ما رأوا اندفعوا بدون شعور ولا اختيار؛ حتى سجدوا مؤمنين بالله ورسوله.
﴿قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ فتوعدهم فرعون واتهمهم وهو الذي جاء بهم، فقال: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طـه:71] ، سبحان الله ! علمهم السحر وأنت الذي أتيت بهم؟! سبحان الله! لكن المكابرة تجعل المرء يتكلم بلا عقل.
قال: ﴿فلأَقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ أقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى.﴿ وَلأَُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾ [طـه:71] ، ما الذي قالوا له؟
﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَات﴾ ما يمكن أن نقدمك على ما رأينا من البينات! أنت كذاب لست برب ، الرب رب موسى وهارون.
﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾[طـه:72]، انظر إلى الإيمان إذا دخل القلوب! رخصت عليهم الدنيا كلها ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ أي: افعل ما تريد ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ إذا قضيت علينا أن نفارق الدنيا ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ لأنه قد أكرههم لكي يأتوا ويقابلوا موسى ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾[طـه:73] ، فالإيمان إذا دخل القلب، واليقين إذا دخل القلب لا يفتته شيء، وإلا فإن السحرة جنود فرعون، كانوا في أول النهار سحرة كفرة، وفي آخر النهار مؤمنين برَرَة، يتحدَّون فرعون لما دخل في قلبهم من الإيمان، فهذه هزيمة نكراء لفرعون، لكن مع ذلك ما زال في طغيانه.
وفي النهاية جمع الناس على أنه سيقضي على موسى فحرج موسى في قومه هرباً منه متَّجهًا بأمر الله إلى البحر الأحمر ويسمى (( بحر القُلْزُم)) متجهاً إليه مشرقًا، فتكون مصر خلفه غرباً، فلما وصل إلى البحر وإذا فرعون بجنوده العظيمة وجحافلهِ القوية خلفهم والبحر أمامهم، ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾البحر أمامنا وفرعون وجنوده خلفنا، أين نفرّ؟ ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:62] ، اللهم صلِّ وسلم عليه، هكذا يقين الرسل- عليهم الصلاة والسلام- في المقامات الحرجة الصعبة، تجد عندهم من اليقين ما يجعل الأمر العسير- بل الذي يظن أنه متعذِّر- أمرًا يسيرًا سهلاً ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ فلما فوَّض الأمر إلى الله - سبحانه وتعالى- أوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر الأحمر. فضرب البحر بعصاة ضربةً واحدة فانفلقَ البحر اثني عشر طريقاً؛ لأن بني إسرائيل كانوا اثنتي عشرة قبيلة، اثني عشر سِبْطًا، والسبطُ بمعنى القبيلة عند العرب .
فضربه، وبلحظة يبس ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى﴾[طـه:77]، فعبر موسى بقومه في أمن وأمان؛ الماء بين هذه الطرق مثل الجبال كأنه جبل واقف، الماء جوهر سيَّال، لكنه بأمر الله صار واقفا كالجبال.
حتى إن بعض العلماء قال: إن الله- سبحانه وتعالى - جعل في كل طودٍ من هذه المياه، جعل فيها فرجا حتى ينظر بنو إسرائيل بعضهم إلى بعض؛ لئلا يظنوا أن أصحابهم قد غرقوا وهلكوا، من أجل أن يطمئنوا.
فلما انتهى موسى وقومه خارجين دخل فرعون وقومه، فلما تكاملوا أمر الله البحر أن يعود على حاله فانطبق عليهم، وكان بنو إسرائيل من شدة خوفهم من فرعون وقع في نفوسهم أن فرعون لم يغرق، فأظهر الله جسد فرعون على سطح الماء، قال:﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾[يونس:92]، حتى يشاهدوه بأعينهم، واطمأنوا أن الرجل قد هلك.
فتأمل هؤلاء الأمم الثلاث الذين هم في غاية الطغيان، كيف أخذهم الله- عز وجل- وكان لهم بالمرصاد، وكيف أهلكوا بمثل ما يفتخرون به.
فقوم عاد قالوا: من أشد منا قوة؛ فأُهلكوا بالريح، وهي أصلاً لطيفة وسهلة.
وقوم صالح: أهلكوا بالرجفة والصيحة.
وفرعون أهلك بالماء والغرق، وكان يفتخر بالماء، يقول لقومه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ يعني موسى ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾[الزخرف:51ـ53]،فأغرقه الله تعالى بالماء.
فهذه جملة ما تشير إليه هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:14] .
الآية الخامسة: قوله عز وجل: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:19]، يعلم يعني الله عز وجل ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾ وخائنة الأعين خيانتها. فالخائنة هنا مصدر كالعاقبة والعافية وما أشبهها.
ويجوز أن تكون اسم فاعل على أنها من خان يخون؛ فيكون من باب إضافة الصفة إلى موصوفها.
على كل حال هذه مسألة نحوية ما تهم هنا، المهم أن للأعين خيانة، وذلك أن الإنسان ينظر إلى الشيء ولا تظن أنه ينظر إليه نظراً محرماً، ولكن الله عز وجل يعلم أنه ينظر نظراً محرماً.
كذلك ينظر إلى الشخص نظرَ كراهية، والشخص المنظور لا يدري أن هذا نظر كراهية، ولكن الله تعالى يعلم أنه ينظر نظر كراهية، كذلك ينظر الشخص إلى شيء محرم ولا يدري الإنسان الذي يرى هذا الناظر أنه ينظر إلى الشيء نظر إنكار أو رضا، ولكن الله سبحانه هو يعلم ذلك- فهو- سبحانه وتعالى- يعلم خائنة الأعين.
ويعلم أيضاً ما تخفي الصدور أي: القلوب؛ لأن القلوب في الصدور، والقلوب هي التي يكون بها العقل، ويكون بها الفهم، ويكون بها التدبير، كما قال الله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾[الحج:46]، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾[الحج: 4].
سبحان الله! كأن هذه الآية تنزل على حال الناس اليوم، بل حال الناس في القديم. يعني: هل العقل في الدماغ أو العقل في القلب؟
هذه مسألة أشكلت على كثير من النظار الذين ينظرون إلى الأمور نظرة مادية لا يرجعون فيها إلى قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم .
وإلا فالحقيقة أن الأمر فيها واضح أن العقل في القلب، وأن القلب في الصدر ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ، وقال﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾[الحج:46]، ولم يقل القلوب التي في الأدمغة. قال ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ، فالأمر فيه واضح جداً أن العقل يكون في القلب، ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب))(195).
فما بالك بأمر شهد به كتاب الله، والله تعالى هو الخالق العالم بكل شيء، وشهدت به سنة الرسول صلى الله عليه وسلم !
إن الواجب علينا إزاء ذلك أن نطرح كل قول يخالف كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن نجعله تحت أقدامنا ، وأن لا نرفع به رأساً.
إذاً: القلب هو محل العقل ولاشك، ولكن الدماغ محل التصوُّر ، ثم إذا تصورها وجهَّزها بعث بها إلى القلب ، ثم القلب يأمر أو ينهى فكأن الدماغ (سكرتير) يجهز الأشياء ثم يدفعها إلى القلب، ثم القلب يوجه، يأمر أو ينهى ، وهذا ليس بغريب ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:21] ، وفي هذا الجسم أشياء غريبة تحار فيها العقول، فليس بغريب أن الله- سبحانه وتعالى- يجعل التصور في الرأس ، فيتصور الدماغ وينظم الأشياء ، حتى إذا لم يبق إلا الأوامر أرسلها إلى القلب، ثم القلب يحرك، يأمر أو ينهي.
لأن النبي- عليه الصلاة والسلام- قال: ( إذا صلحت صلح الجسد)) فلولا أن الأمر للقلب ما كان إذا صلح صلح الجسد، وإذا فسدت فسد الجسد كله.
إذاً: فالقلوب هي محل العقل والتدبير للشخص، ولكن لا شك أن لها اتصالا بالدماغ، ولهذا إذا اختل الدماغ فسد التفكير وفسد العقل! فهذا مرتبط بهذا، لكن العقل المدبر في القلب، والقلب في الصدر ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46] .

* * *
60- وأما الأحاديث: فالأول : عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: (( بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه ، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال : صدقت .فعجبنا يسأله ويُصَدِّقه! قال: فأخبرني عن الإيمان . قال: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت : قال فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. ثم انطق , فلبتث ملياً، ثم قال: يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم))(196) [رواه مسلم].
ومعنى (( تلد الأمة ربتها)) أي: سيدتها ومعناه: أن تكثر السراري حتى تلد الأمة السرية بنتا لسيدها، وبنت السيد في معنى السيد، وقيل غير ذلك. ((والعالة)) الفقراء وقوله: ((مليا)) أي: زمان طويلاً، وكان ذلك ثلاثا.

الشرح
ذكر المؤلف - رحمه الله- حديث عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - هذا الحديث العظيم، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم لعمر في آخره: ((أتدري من السائل)) قال: الله ورسوله أعلم. قال: ((فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) إذاً ديننا في هذا الحديث؛ لأنه مشتمل على كل الدين، على الإسلام، والإيمان، والإحسان.
قوله: ((بينما)) هذه ظرف تدل عل المفاجأة ، ولهذا تأتي بعدها ((إذ)) المفيدة للمفأجاة، وكان الصحابة- رضي الله عنهم- يجلسون عند النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً، لأن الرسول - عليه الصلاة والسلام- لا يغيب عن أصحابه أو أهله:
ـ إما في البيت: في شؤون بيته- صلوات الله وسلامه عليه- يحلب الشاة ويُرَقِّع الثوب ويخصف النعل.

وإما مع أصحابه في المسجد، وإما ذاهبا إلى عيادة مريض، أو زيارة قريب، أو غير ذلك من الأمور
التي لا يمضي منها لحظة إلا وهو في طاعة الله عليه الصلاة والسلام، قد حفظ الوقت، وليس مثلنا نضيِّع الأوقات. والغريب أن أغلى شيء عند الإنسان هو الوقت، وهو أرخص شيء عند الإنسان ، قال الله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾[المؤمنون:99، 100] ، حتى لا يضيع علي الوقت. ما يقول: لعلي أتمتع في المال، أو أتمتع بالزوجة، أو أتمتع في المركوب، أو أتمتع في القصور، بل يقول: لعلي أعمل صالحا فيما تركت.
مضى عليَّ الوقت وما استفدت منه، فالوقت هو أغلى شيء ، لكن هو أرخص شيء عندنا الآن، نمضي أوقاتا كثيرة بغير فائدة، بل نُمضي أوقاتنا كثيرة فيما يضر، ولست أتحدث عن رجل واحد، بل عن عموم المسلمين. اليوم- مع الأسف الشديد- أنهم في سهو ولهو وغفلة، ليسوا جادين في أمور دينهم، أكثرهم في غفلة وفي ترف، ينظرون ما يترف به أبدانهم وإن أتلفوا أديانهم. فالرسول - عليه الصلاة والسلام- كان دائما في المصالح الخاصة أو العامة ، عليه الصلاة والسلام.
فبينما الصحابة عنده جلوس، إذا طلع عليهم رجل ((شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد)) وهذا غريب! ليس مسافرا حتى نقول إنه غريب عن البلد ، ولا يعرف فنقول إنه من أهل البلد .
فتعجبوا منه، ثم هذا الرجل الذي جاء نظيفاً: شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، أي: شابٌّ لا يُرى عليه أثر السفر، لأن المسافر- لا سيما في ذلك الوقت- يكون أشعث أغبر؛ لأنهم يمشون على الإبل، أو على الأقدام ،والأرض غير مسفلتة، كلها غبار، لكن هذا لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فهو غريب ليس بغريب!
حتى جاء وجلس إلى النبي- عليه الصلاة والسلام- وهذا الرجل هو جبريل- عليه الصلاة والسلام- أحد الملائكة العظام، بل هو أفضل الملائكة فيما نعلم؛ لشرف عمله؛ لأنه يقوم بحمل الوحي من الله إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهو مَلَكٌ عظيم، رآه النبي صلى الله عليه وسلم على صورته التي خُلق عليها مرتين: مرة في الأرض ، ومرة في السماء.
- مرة في الأرض وهو في غار حراء، رآه وله ستمائة جناح، قد سد الأفق - كل الأفق - أمام الرسول - عليه الصلاة والسلام- لا يرى السماء من فوق، لأن هذا الملَكَ قد سد الأفق؛ لأنه له ستمائة جناح.
سبحان الله!! لأن الله يقول في الملائكة :﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾[فاطر:1] ، لهم أجنحة يطيرون بها طيراناً سريعاً.
والمرة الثانية عند سدرة المنتهى. قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:4ـ 9] .
هذا في الأرض، دنا جبريل من فوق فتدلَّى، أي: قرب إلى محمد صلى الله عليه وسلم فأوحى إلى عبده- الرسول عليه الصلاة والسلام- ما أوحاه من وحي الله الذي حمَّله إياه.
أما الثانية: فقال: ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾[النجم:13،14] ،
فهذا جبريل . ولكن الله جعل للملائكة قدرة على أن يتشكلوا بغير أشكالهم الأصلية، فها هو قد جاء في صورة هذا الرجل.
قوله: ((حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه)) أي
أسند ركبتي جبريل إلى ركبتي النبي صلى الله عليه : ((ووضع كفيه على فخذيه)) قال العلماء: وضع كفَّيه على فَخِذَي نفسه، لا على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك من كمال الأدب في جلسة المتعلِّم أمام المعلِّم، بأن يجلس بأدب واستعداد لما يسمع ، واستماع لما يقال من الحديث .
جلس هذه الجلسة ثم قال: ((يا محمد أخبرني عن الإسلام)) - ولم يقل: يا رسول الله أخبرني- كصنيع أهل البادية الأعراب ؛ لأن الأعراب إذا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: يا محمد.
أما الذين سمعوا أدب الله عز وجل لهم فإنهم لا يقولون : يا محمد، وإنما يقولون: يا رسول الله، لأن الله تعالى قال في كتابه: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾[النور:63] ، وهذا يشمل دعاءه عند النداء باسمه، ويشمل دعاءه إذا أمر أو نهى، فلا نجعل أمره كأمر الناس: إن شئنا امتثلنا وإن شئنا تركنا، ولا نجعل نهيه كنهي الناس: إن شئنا تركنا وإن شئنا فعلنا.
كذلك عندما ندعوه، لا ندعوه كدعاء بعضنا بعضاً فنقول: يا فلان يا فلان، مثلما تنادي صاحبك، وإنما تقول: يا رسول الله، لكن الأعراب- لبعدهم عن العلم وجهل أكثرهم- إذا جاؤوا ينادونه باسمه فيقولون : يا محمد .
قال: ((أخبرني عن الإسلام)) أي: ما هو الإسلام ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)).
هذا الركن الأول: تشهد بلسانك نطقاً، وبقلبك إقراراً: أن لا إله إلا الله، يعني: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى .
وألوهية الله فرع عن ربوبيته؛ لأن من تأله لله فقد أقرَّ بالربوبية ، إذ إن المعبود لابد أن يكون رباً، ولابد أن يكون أيضاً كامل الصفات، ولهذا تجد الذين ينكرون صفات الله- عز وجل- عندهم نقص عظيم في العبودية، لأنهم يعبدون من لا شيء.
فالرب لابد أن يكون كامل الصفات، حتى يُعبَدَ بمقتضي هذه الصفات ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾[الأعراف:180]، ((ادعوه)) أي: تعبَّدوا له وتوسَّلوا بأسمائه إلى مطلوبكم.فالدعاء هنا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.
المهم أنه قال: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله))، فلا إله من الخلق، لا مَلَك مقرب ولا نبي مرسل، ولا شمس، ولا قمر ولا شجر ولا حجر، ولا بر ولا بحر، ولا ولي ولا صديق ولا شهيد، ، لا إله إلا الله وحده.
وهذه الكلمة أرسل الله بها جميع الرسل، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:25] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:36] ، أي: ابتعدوا عن الشرك.
فهذه الكلمة إذا حققها الإنسان وقالها من قلبه ملتزماً بما تقتضيه من الإيمان والعمل الصالح، فإنه يدخل الجنة بها، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة))(197) ، جعلنا الله وإياكم منهم.
وقوله: ((وأن محمداً رسول الله)) أي: تشهد بأن محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي العربي رسول الله، ولم يذكر من سواه من الرسل؛ لأنه نسخ جميع الأديان كل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه ناسخ لما قبله من الأديان.
فكل الأديان باطلة ببعثه الرسول عليه الصلاة والسلام، فدين اليهود باطل، ودين النصارى باطل غير مقبول عند الله ؛ لقول الله تعالى:﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:85] .
يتعبون في عبادتهم التي ابتدعوها تعبا عظيماً، وينصبون نصبا عظيماً، وكل هذا هباء لا ينفعهم بشيء، لن تقبل منهم .
وقوله:﴿وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فلو ربحوا في الدنيا ما ربحوا في الآخرة؛ لأن أديانهم باطلة، فالذين يدَّعون الآن من النصارى أنهم ينتسبون إلى عيسى بن مريم - عليه الصلاة والسلام- هم كذابون ، والمسيح بريء منهم، ولو جاء المسيح لقاتلهم، وسينزل في آخر الزمان ولا يقبل إلا الإسلام. فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية فلا يقبلها من أحد ، لا يقبل إلا الإسلام.
وقوله: ((وأن محمداً رسول الله)) أي: إلى الخلق كافة ، كما قال الله:﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:1]،للعالمين كلهم .
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:158] ، فهو رسول إلى جميع الخلق.
وقد أقسم صلى الله عليه وسلم : (( أنه لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلا كان من أصحاب النار))(198).
ولذلك نحن نؤمن ونعتقد بأن جميع النصارى واليهود وغيرهم من الكفرة كلهم من أصحاب النار، لأن هذه شهادة النبي عليه الصلاة والسلام، والجنة حرام عليهم، لأنهم كفرة أعداء لله تعالى ولرسله عليهم الصلاة والسلام، أعداء لإبراهيم ، ولنوح، ولمحمد، ولموسى، ولعيسى، ولجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام .
وقوله: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله)) مع قوله: ((وأن محمداً رسول الله)) هذان جمعا شرطي العبادة، وهما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن من قال : لا إله إلا الله أخلص لله، ومن شهد أن محمداً رسول الله اتبع رسول الله ولم يتبع سواه.
ولهذا عُدَّ هذان ركنا واحدا من أركان الإسلام، لأنهما يعودان إلى شئ واحد، وهو تصحيح العبادات، لأن العبادات لا تصح إلا بمقتضى هاتين الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله التي يكون بها الإخلاص، وأن محمد رسول الله التي يكون بها الاتباع .
وقوله: ((وأن محمدا رسول الله)) يجب أن تشهد بلسانك، مقرا بقلبك، أن محمدا رسول الله، أرسله إلى العالمين جميعا رحمة بالعالمين، كما قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:107] ، و أن تؤمن بأنه خاتم النبيين، كما قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:40]، فلا نبي بعده، ومن ادَّعى النبوة بعده فهو كافر كاذب، ومن صدقه فهو كافر. و يلزم من هذه الشهادة أن تتبعه في شريعته و سنته، و أن لا تبتدع في دينه ما ليس منه و لهذا نقول: أن أصحاب البدع الذين يبتدعون في شريعة الرسول صلى الله عليه و سلم ما ليس منها أنهم لم يحققوا شهادة: أن محمدا رسول الله ! حتى و أن قالوا أننا نحبه و نعظمه، فإنهم لو أحبوه تمام المحبة و عظموه تمام التعظيم ما تقدموا بين يديه، و لا أدخلوا في شريعته ما ليس منها. فالبدعة مضمونها حقيقة القدح برسول الله صلى الله عليه و سلم كأنما يقول هذا المبتدع: أن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يكملِ الدين و لا الشريعة، لأن هناك ديناً و شريعةً ما جاء بها ! ثم في البدعة محذور آخر، وهو عظيم جدا، وهو أنه يتضمن تكذيب قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:3]، لأن الله تعالى إذا كان أكمل الدين، فمعناه أنه لا دين بعدما جاء به الرسول عليه الصلاة و السلام، و هؤلاء المبتدعون شرعوا في دين الله ما ليس منه، من تسبيحات و تهليلات و حركات و غير ذلك، فهم في الحقيقة مكذبون لمضمون قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. وكذلك قادحون برسول الله صلى الله عليه و سلم متهمون إياه بأنه لم يكمل الشريعة للبشر، و حاشاه من ذلك .
ومن تمام شهادة أن محمدا رسول الله أن تُصَدِّقه فيما أخبره به، فكل ما صح عنه وجب عليك أن تصدق به، و أن لا تعارض هذا بعقلك و تقديراتك و تصوراتك، لأنك لو لم تؤمن إلا بما صدق به عقلك لم تكن مؤمنا حقيقة، بل متبعا لهواك لا آخذا بهداك، والذي يؤمن بالرسول عليه الصلاة و السلام- حقا يقول فيما صح عنه من الأخبار: سمعنا و آمنا و صدقنا .
أما أن يقول: كيف كذا؟ كيف يكون كذا؟ فهذا غير مؤمن حقيقة، و لذلك يُخشى على أولئك القوم الذين يحكمون عقولهم فيما أخبر به الرسول عليه الصلاة و السلام، لأنهم إن كانوا لا يقبلون إلا بما شهدت به عقُولهم- و عقولهم لا شك إنها قاصرة- فإنهم لم يؤمنوا حقا برسول الله صلى الله عليه و سلم و لم يشهدوا أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم على وجه الحقيقة ، عندهم من ضعف هذه الشهادة بمقدار ما عندهم من التشكك فيما أخبر به . كذلك من تحقيق شهادة: ((أن محمدًا رسول الله)) إلا تغلو فيه فتنزله بمنزلة أكبر من المنزلة التي أنزله الله إياها ، مثل أولئك الذين يعتقدون أن الرسول صلى الله عليه و سلم يكشف الضر، حتى إنهم عند قبره يسألون النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة أن يكشف الضر عنهم، وأن يجلب النفع لهم. هذا غلو في الرسول - عليه الصلاة والسلام - وشرك بالله عز وجل !! لا يقدر أحد على ذلك إلا الله سبحانه وتعالى. والنبي صلى الله عليه وسلم بعده موته لا يملك لنفسه شيئا أبدا.
حتى الصحابة لما أصابهم القحط في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه-واستسقوا في مسجد الرسول- عليه الصلاة والسلام- ما جاؤوا إلى القبر يسألون الرسول أو يقولون ادعُ الله لنا أو اشفع لنا عند الله حتى ينزل الغيث. قال عمر يدعو الله : (( اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسْقِنا))(199) ، ثم أمر العباس أن يقوم ويدعوا الله تعالى بإنزال الغيث .
لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ميِّت لا عمل له بعد موته، هو الذي قال: (( إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ))(200). فالنبي صلى الله عليه وسلم بنفسه لا يملك شيئا، لا يملك أن يدعو لك وهو في قبره أبدا. فمن أنزله فوق منزلته التي أنزله الله فإنه لم يحقق شهادة ((أن محمدًا رسول الله)) بل شهد أن محمدًا رب مع الله نعوذ بالله، لأن معنى كونه رسولا أنه عبد لا يُعبد ورسول لا يكذب، نحن في صلاتنا كل يوم نقول: (( أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله)).فهو عبدٌ كغيره من العباد مربوب، والله هو المعبود عز وجل وهو الرب .
إذاً نقول لهؤلاء الذين نجدهم يغلون برسول الله صلى الله عليه وسلم وينزلونه فوق منزلته التي أنزله الله، نقول لهم: إنكم لم تحققوا لا شهادة أن لا اله إلا الله، ولا شهادة أن محمدًا رسول الله. فالمهم أن هاتين الشهادتين عليهما مدار عظيم، كل الإسلام فهو عليهما .
لذلك لو أراد الإنسان أن يتكلم على ما يتعلق بهما منطوقا ومفهوما ومضمونا و إشارة لاستغرق أياما! ولكن نحن أشرنا إشارة إلى ما يتعلق بهما، و نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يحققهما عقيدة، وقولا، وفعلا!
الركن الثاني: إقام الصَّلاة :
الصلاة سميت صلاة لأنها صلة بين العبد وبين الله، فإن الإنسان إذا قام يصلي فإنه يناجي ربه ويحاوره، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه وتعالى قال: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال مجَّدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)) (201) .فتأمل محاورةً ومناجاة بين الإنسان وبين ربه، ومع ذلك فالكثير منا في هذه المناجاة معرض بقلبه، تجده يتجوَّل يمينا وشمالا، مع أنه يناجي من يعلم ما في الصدور عز وجل. وهذا من جهلنا وغفلتنا.
فالواجب علينا- و نسأل الله أن يُعيننا عليه- أن تكون قلوبنا حاضرة في حال الصلاة حتى تبرأ ذمتنا وحتى ننتفع بها،لأن الفوائد المترتبة على الصلاة إنما تكون على صلاة كاملة، ولهذا كلنا يقرأ قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:45] ، ومع ذلك يأتي الإنسان ويصلي فلا يجد في قلبه إنكارا لمنكر، أو عرفا لمعروف زائدا عما سبق حين دخوله في الصلاة.يعني لا يتحرك القلب ولا يستفيد، لأن الصلاة ناقصة، هذه الصلاة هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين .
وقد فرضها الله- عز وجل- على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بدون واسطة من الله إلى الرسول، وفرضها عليه في أعلى مكان وَصَلُه بَشَر، وفرضها عليه في أشرف ليلة كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ليلة المعراج، وفَرَضَها عليه خمسين صلاة في اليوم، فهذه أربعة أمور:
أولا: لم يكن فرضها كفرض الزكاة والصيام والحج، بل هو من الله تعالى مباشرة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام .
ثانيا: من ناحية المكان فهو في أعلى مكان وصل إليه البشر، تُفرض على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الأرض.
ثالثا: من ناحية الزمان في أشرف ليلة كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ليلة المعراج .
رابعا: في الكمية: لم تفرض صلاة واحدة، بل خمسون صلاة، مما يدل على محبة الله لها، وأنه يحب مِن عبده أن يكون مشغولا بها. ولكن الله جعل لكل شئ سببا، لما نزل الرسول- عليه الصلاة والسلام- مسلما لأمر الله قانعًا بفريضة الله، ومر بموسى- عليه الصلاة والسلام- وسأله موسى: ماذا فرض الله على أمتك؟ قال: ((خمسين صلاة في اليوم والليلة))، قال: أن أمتك لا تطيق ذلك، إنني جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة اذهب إلى ربك و اساله أن يخفف على أمتك! (202)، فذهب إلى الله، وجعل يتردد بين موسى- عليه الصلاة والسلام- وبين الله- عز وجل- حتى جعلها الله خمسا، لكن الله بمنه وكرمه - له الحمد والفضل - قال: هي خمس بالفعل، وخمسون في الميزان، وليس هذا من باب قبيل الحسنة بعشر أمثالها، بل من باب قبيل الفعل الواحد يجزئ عن خمسين فعلا، فهذه خمس صلوات عن خمسين صلاة، فكأنما صلينا خمسين صلاة، كل صلاة الحسنة بعشر أمثالها لأنه لو كان هذا من باب مضاعفة الحسنات لم يكن هناك فرق بين الصلوات وغيرها، لكن هذه خاصة، صلِّ خمس كأنما صليت خمسين صلاة، قال: هي خمس في الفعل وخمسون في الميزان، وهذا يدل على عظم هذه الصلوات، ولهذا فرضها الله- سبحانه وتعالى- على عباده في اليوم والليلة.خمس مرات لابد منها. لابد أن تكون مع الله خمس مرات تناجيه في اليوم والليلة. ولو أن أحدا من الناس حصل له مقابلة بينه وبين الملك خمس مرات باليوم لعُدَّ ذلك من مناقبه ولفرحَ بذلك وقال: كل يوم أجالس الملك خمس مرات! فأنت تناجي ملك الملوك- عز وجل- في اليوم خمس مرات على الأقل، فلماذا لاتفرح بهذا؟ احمد الله على هذه النعمة وأقم الصلاة. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((وتقيمَ الصَّلاة)) يعني: تأتي بها قويمة تامة بشروطها وأركانها وواجباتها.

فمن أهم شروطها: الوقت: لقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾[النساء:103]. وإذا كانت الصلوات خمسا فأوقاتها خمسة لغير أهل الأعذار، وثلاثة لأهل الأعذار الذين يجوز لهم الجمع، فالظهر والعصر يكون وقتاهما وقتا واحدا إذا جاز الجمع. والمغرب والعشاء يكون وقتاهما وقتا واحد إذا جاز الجمع. هذان وقتان. والفجر وقت واحد، ولهذا فصلها الله عز وجل: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْر﴾[الإسراء:78] ، ولم يقل: لدلوك الشمس إلى طلوع الفجر! بل قال: ﴿إلى غسق الليل﴾ وغسق الليل يكون عند منتصفه، لأن أشد ما يكون ظلمة في الليل منتصف الليل، لأن منتصف الليل هو أبعد ما تكون الشمس عن النقطة التي فيها هذا المنتصف، ولهذا كان القول الراجح أن الأوقات خمسة كما يلي:
1- الفجر من طلوع الفجر الثاني- وهو البياض المعترض في الأفق- إلى أن تطلع الشمس.
وهنا أنبه فأقول: إن تقويم أم القرى فيه تقديم خمس دقائق في آذان الفجر على مدار السنة، فالذي يصلي أول ما يؤذن يعتبر أنه صلى قبل الوقت، وهذا شئ اختبرناه في الحساب الفلكي، واختبرناه أيضا في الرؤية.فلذلك لا يعتمد هذا بالنسبة لأذان الفجر، لأنه مقدم، وهذه مسألة خطيرة جدا، لو تكبر للإحرام فقط قبل أن يدخل الوقت ما صحت صلاتك وما صارت فريضة. وقد حدثني أناس كثيرون ممن يعيشون في البر وليس حولهم أنوار، أنهم لا يشاهدون الفجر إلا بعد هذا التقويم بثلث ساعة، أي: عشرين دقيقة أو ربع ساعة أحيانا، لكن التقاويم الأخرى الفلكية التي بالحساب بينها وبين هذا التقويم خمس دقائق. على كل حال: وقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الثاني- وهو البياض المعترض- إلى طلوع الشمس.
2- الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شئ مثله، لكن بعد أن تخصم ظل الزوال، لأن الشمس خصوصا في أيام الشتاء يكون لها ظل نحو الشمال، هذا ليس بعبرة، بل العبرة أنك تنظر إلى الظل مادام ينقص فالشمس لم تزل، فإذا بدأ يزيد أدنى زيادة فإن الشمس قد زالت، فاجعل علامةً على ابتداء زيادة الظل: فإذا صار ظل الشيء كطوله خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر.
3- ووقت العصر إلى أن تصفر الشمس والضرورة إلى غروبها.
4- ووقت المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر، وهو يختلف، أحيانا يكون بين الغروب وبين مغيب الشفق ساعة وربع، و أحيانا يكون ساعة واثنتين وثلاثين دقيقة، و لذلك وقت العشاء عند الناس الآن لا بأس به، واحدة ونصف ( 30 1 ) غروبي.
5- وقت العشاء من خروج وقت المغرب إلى منتصف الليل. بمعنى أنك تقدر ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر ثم تنصفه. فالنصف هو منتهى صلاة العشاء. ويترتب على هذا فائدة عظيمة:لو طهرت المرأة من الحيض في الثلث الأخير من الليل فليس عليها صلاة العشاء ولا المغرب، لأنها طهرت بعد الوقت. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي- عليه الصلاة والسلام- قال: ((وقت العشاء إلى نصف الليل)) (203) .
وليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث على أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر أبدا. ولهذا فإن القول الراجح إلى نصف الليل، والآية الكريمة تدل على هذا، لأنه فصل الفجر عن الأوقات الأربعة ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ أي: زوالها ﴿إلى غسق الليل﴾ جمع الله بينها لأنها ليس بينها فاصل، فمن ساعة خروج الظهر يدخل العصر، ومن ساعة خروج العصر يدخل المغرب، ومن ساعة خروج المغرب يدخل العشاء، أما الفجر فقال:﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾[الإسراء:78] ، فالفجر لا تتصل بصلاة لا قبلها ولا بعدها، لأن بينها وبين الظهر نصف النهار الأول، وبينها وبين صلاة العشاء نصف الليل الآخر.واعلم أن الصلاة قبل دخول الوقت لا تقبل حتى ولو كبَّر المصلي تكبيرة الإحرام ثم دخل الوقت بعد التكبيرة مباشرة، فإنها لا تقبل على إنها فريضة، لأن الشيء الموقت بوقت لا يصح قبل وقته، كما لو أراد الإنسان أن يصوم قبل رمضان ولو بيوم واحد فإنه لا يجزئه عن رمضان، كذلك لو كبر تكبيرة الإحرام قبل دخول الوقت فإن الصلاة لا تقبل منه على إنها فريضة، لكن إن كان جاهلا لا يدري صارت نافلة ووجب عليه إعادتها فريضة. أما إذا صلاها بعد الوقت فلا يخلو من حالين:
أ- إما أن يكون معذورا بجهل، أو نسيان، أو نوم، فهذا تقبل منه.
- الجهل: مثل أن لا يعرف أن الوقت قد دخل وقد خرج، فهذا لا شئ عليه، فإنه يصلي الصلاة متى علم وتقبل منه، لأنه معذور.
- النسيان: مثل أن يكون الإنسان اشتغل بشغل عظيم أشغله وألهاه حتى خرج الوقت، فإن هذا يصليها ولو بعد خروج الوقت، والنوم كذلك، فلو أن شخصا نام على أنه سيقوم عند الآذان، ولكن صار نومه ثقيلا فلم يسمع الآذان، ولم يسمع المنبه الذي وضعه عند رأسه حتى خرج الوقت، فإنه يصلي إذا استيقظ، لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك)) (204).
ب- فأما الحالة الثانية: فأن يؤخر الصلاة عن وقتها عمدا بدون عذر، فاتفق العلماء على أنه آثم وعاصٍ لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وقال بعض العلماء: إنه يكفر بذلك كفرا مخرجا عن الملة، نسأل الله العافية!، فالعلماء متفقون على أنه إذا أخَّرَ الصلاة عن وقتها بلا عذر فإنه آثم عاص، ولكن منهم من قال إنه يكفر، ولكن الجمهور- وهو الصحيح- أنه لا يكفر، ولكن اختلفوا فيما لو صلاها في هذه الحال، يعني: بعد أن أخرجها عن وقتها عمدا بلا عذر ثم صلى، فمنهم من قال: إنها تقبل- أي صلاته- لأنه عاد إلى رشده وصوابه و لأنه إذا كان الناسي تقبل منه الصلاة بعد الوقت فالمتعمد كذلك. ولكن القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة أنها لا تقبل منه إذا أخرها عن وقتها عمدا ولو صلى ألف مرة، وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) (205)، يعني مردود غير مقبول عند الله، وإذا كان مردودا فلن يقبل، وهذا الذي أخرج الصلاة عمدا عن وقتها إذا صلاها فقد صلاها على غير أمر الله ورسوله، فلا تُقبل منه. و أما المعذور فهو معذور، ولهذا أمره الشارع أن يصليها إذا زال عذره، إما من ليس بمعذور فإنه لو بقي يصلي كل دهره فإنها لاتقبل منه هذه الصلاة التي أخرجها عن وقتها بلا عذر، ولكن عليه أن يتوب إلى الله ويستقيم، ويكثر من العمل الصالح والاستغفار((ومن تاب تاب الله عليه)).
الشرط الثاني من إقام الصلاة: الطهارة، فإنه لا تقبل صلاة بغير طهور. قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) (206). فلابد أن يقوم الإنسان بالطهارة على الوجه الذي أُمر به، فإن أحدث حدثا أصغر مثل: البول والغائط والريح والنوم وأكل لحم الإبل فإنه يتوضأ.
وفروض الوضوء كما يلي:
غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، كما أمر الله بذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾[المائدة:6]. ومن الرأس: الأذنان، ومن الوجه: المضمضة والاستنشاق في الفم والأنف، فلابد في الوضوء من تطهير هذه الأعضاء الأربعة، غسلٌ في ثلاثةٍ ومسح في واحد.
وأما الاستنجاء، أو الاستجمار: فهو إزالة النجاسة، ولا علاقة له بالوضوء، فلو أن الإنسان بال أو تغوَّط واستنجى ثم ذهب لشغله، ثم دخل الوقت، فإنه يتوضأ بتطهيره الأعضاء الأربعة، ولا حاجةإلى أن يستنجي، لأن الاستنجاء إزالة نجاسة، متى أُزيلت فإنه لا يعاد الغسل مرة ثانية، إلا إذا رجعت مرة ثانية.
والصحيح: أنه لو نسي أن يستجمر استجمارا شرعيا ثم توضأ، فإن وضوءه صحيح، لأنه ليس هناك ليس علاقة بين الاستنجاء وبين الوضوء. أما إذا كان محدثا حدثا أكبر مثل الجنابة فعليه أن يغتسل،فيعمم جميع بدنه بالماء لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] ، ومن ذلك: المضمضة والاستنشاق، لأنهما داخلان في الوجه، فيجب تطهيرهما كما يجب تطهير الجبهة والخد واللحية.والغسل الواجب الذي يكفي أن تعم جميع بدنك بالماء، سواء بدأت بالرأس أو بالصدر أو بالظهر أو بأسفل البدن، أو انغمست في بركة وخرجت منها بنية الغسل.والوضوء في الغسل سنة وليس بواجب، ويسن أن يتوضأ قبل أن يغتسل، وإذا اغتسل فلا حاجة إلى الوضوء مرة ثانية، لأنه لم يثبت عن النبي- عليه الصلاة والسلام- أنه توضأ بعد اغتساله. فإذا لم يجد الماء، أو كان مريضا يخشي من استعمال الماء، أو كان برد شديد وليس عنده ما يسخن به الماء، فإنه يتيمم، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:6] . فبيَّن الله حال السفر والمرض أنه يتيمم فيهما إذا لم يجد الماء في السفر. أما خوف البرد فدليله قصة عمرو بن العاص رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في سرية فأجنبَ، فتيمم وصلى بأصحابه إماما. فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جُنُب؟ قال: نعم يا رسول الله! ذكرت قول الله تعالى:﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:29] ، وخفت البرد فتيممت صعيدا طيبا فصليت)) (207).
فأقرَّه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم يأمره بالإعادة، لأن من خاف الضرر كمن فيه الضرر، لكن بشرط أن يكون الخوف غالبا أو قاطعا، أما مجرد الوهم فهذا ليس بشيء. واعلم أن طهارة التيمم تقوم مقام طهارة الماء، ولا تنتقض إلا بما تنتقض به طهارة الماء، أو بزوال العذر المبيح للتيمم، فمن تيمم لعدم وجود الماء ثم وجده فإنه لابد أن يتطهر بالماء، لأن الله تعالى إنما جعل التراب طهارة إذا عُدم الماء. وفي الحديث الذي أخرجه أهل السنن عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم- أو قال طهور المسلم- وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرَتُه فإن ذلك خير)) (208).
وفي صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، في قصة الرجل الذي اعتزل فلم يصلِّ مع النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: ((ما منعك أن تصلي معنا؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك. ثم حضر الماء فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل ماءً وقال: أفرغه على نفسك)) أي: اغتسل به. فدل هذا على أنه إذا وُجد الماء بطل التيمم، وهذه- لله الحمد- قاعدة حتى عند العامة، يقولون: (( إذا حضر الماء بطل التيمم)). أما إذا لم يحضر الماء ولم يزل العذر، فإنه يقوم مقام طهارة الماء ولا يبطل بخروج الوقت، فلو تيمم الإنسان وهو مسافر وليس عنده ماء وتيمم لصلاة الظهر مثلا، وبقي لم يحدث إلى العشاء فإنه لا يلزمه إعادة التيمم، لأن التيمم لايبطل بخروج الوقت، لأنه طهارة شرعية، كما قال الله في القران الكريم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ْ﴾ [المائدة:6] ، فبيَّن الله أن طهارة التيمم طهارة. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((جُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)) (209) بفتح الطاء، أي أنها تطهِّر: ((فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ)). وفي حديث آخر: ((فعنده مسجده و طهوره)) (210). يعني: فليتطهر وليصلِّ. هذا من الأشياء المهمة في إقامة الصلاة: المحافظة على الطهارة. واعلم أن من المحافظة على الطهارة: إزالة النجاسة من ثوبك وبدنك، ومصلاك الذي تصلي عليه. فلابد من الطهارة في هذه المواضع الثلاث: البدن، والثوب، والمصلى.
1 - أما الثوب فدليله: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء اللاتي يصلِّين في ثيابهن وهن يحضن بهذه الثياب أن تُزيل المرأة الدم الذي أصابها من الحيض من ثوبها، تحكُّه بظفرها ثم تقرصه بأصبعيها الإبهام والسبابة ثم تغسله، (211) ، ولما صلى ذات يوم بأصحابه وعليه نعاله خلع نعليه فخلع الناس نعالهم، فلما سلَّم سألهم لماذا خلعوا نعالهم! قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: (( إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا)) (212) ، فدل هذا على أنه لابد من اجتناب النجاسة في الملبوس.
2- أما المكان: فدليله أن أعرابيا جاء فبال في طائفة من المسجد، أي: في طرف من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لكنه أعرابي- والأعراب الغالب عليهم الجهل- فصاح به الناس وزجروه، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بحكمته نهاهم وقال: اتركوه. فلما قضى بوله دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: (( إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة، وقراءة القران)) (213) فقال الأعرابي: ((اللهم ارحمني ومحمَّدا ولا ترحم معنا أحد))، لأن الصحابة زجروه، وأما النبي- عليه الصلاة والسلام- فكلَّمه بلطف، فظن أن الرحمة ضيقة لا تتسع للجميع، وقال: (( اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحد)). ويُذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: (( لقد حجَّرت واسعا يا أخا العرب)) (214) و أمر النبي - عليه الصلاة والسلام- أن يُصَبَّ على البول ذَنُوبٌ من ماء، مثل الدلو، لتطهر الأرض.
3- وأما طهارة البدن: فقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- أن الرسول صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: (( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وفي رواية: لا يستبريء من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)) (215) والعياذ بالله. فدل هذا: على أنه لابد من التنزه من البول. وهكذا بقية النجاسات، ولكن لو فُرض أن الإنسان في البر وتنجس ثوبه وليس معه ما يغسله به، فهل يتيمم من أجل صلاته في هذا الثوب؟ لا يتيمم، وكذلك لو أصاب بدنه نجاسةُ رجلهِ أو يده أو ساقه أو ذراعه وهو في البر وليس عنده ما يغسله، فإنه لا يتيمم، لأن التيمم إنما هو في طهارة الحدث فقط، أما النجاسة فلا يتيمم لها، لأن النجاسة عين قذرة تطهيرها بإزالتها إن أمكن فذاك، وإن لم يمكن تبقى حتى يمكن إزالتها. والله اعلم.
أحكام المسح على الخفين والجبيرة:
سبق أن الطهارة تتعلق بأربعة أعضاء من البدن، وهي: الوجه، واليدان، والرأس، والرجلان، فأما الوجه فيُغسل، وأما اليدان فتغسلان، وأما الرأس فيمسح، وأما الرجلان فتغسلان أو تمسحان. اثنان يغسلان ،وواحد يمسح، وواحد يغسل أو يمسح!
أما الوجه فلا يمكن أن يمسح إلا إذا كان هناك جبيرة، أي: لزقة على جرح أو ما أشبه ذلك.فلو أن إنسانا غطَّى وجهه بشيء من سموم الشمس أو غيره فإنه لا يمسح عليه، بل يزيل الغطاء ويغسل الوجه. إلا إذا كان هناك ضرورة فإنه يمسح ما غطَّى به وجهه على سبيل البدل من الغسل. وأما اليدان فكذلك لا تمسحان، بل لا بد من غسلهما إلا إذا كان هناك ضرورة، مثل أن يكون فيهما حساسية يضرها الماء وجعل عليها لفافة، أو لبس قفازين من أجل أن لا يأتيهما الماء، فلا بأس أن يمسح مسح جبيرة للضرورة.وأما الرأس فيُمسح، وطهارته أخف من غيره ولهذا لو كان على رأس المرأة حنَّاء ملبَّد عليه، أو لبدَ المحرمُ رأسه في حال إحرامه كما فعل النبي- عليه الصلاة والسلام- فإنه يمسح هذا الملبَّدَ ولا حاجة إلى أن يزيله. أما الرِّجلان فتُغسلان وتُمسحان، ولهذا جاء القرآن الكريم على وجهين في قراءة قوله تعالى: ((وأرجلَكم)) بالفتح والكسر. ففي قراءة ﴿وأرجلَكم﴾ وفي قراءة ﴿وأرجلِكم﴾.
أما قراءة الكسر ﴿أرجُلِكم﴾ فهي عطفا على قوله: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾، أي: وامسحوا بأرجلكم.
وأما النصب ﴿وأرجلَكم﴾ فهي عطفا على قوله تعالى: ﴿اغسلوا وجوهَكم﴾ يعني: واغسلوا أرجلكم.
ولكن متى تُمسح الرجل؟ تُمسح الرجل إذا لبس عليها الإنسان جوارب أو خفين.
الجوارب: ما كان من القطن أو الصوف أو نحوه.
والخفان: ما كان من الجلد أو شبهه، فإنه يمسح عليهما، لكن بشروط أربعة.
الشرط الأول: الطهارة: أي طهارة الخفين أو الجوربين، فلو كانا من جلد نجس فإنه لا يصح المسح عليهما، لأن النجس خبيث لا يتطهر مهما مسحته وغسلته. أما إذا كانتا متنجستين، فمن المعلوم أن الإنسان لا يصلي فيهما، فلا يمسح عليهما.
الشرط الثاني: أن يلبسهما على طهارة بالماء: فإن لبسهما على تيمم فإنه لا يمسح عليهما. فلو أن شخصا مسافرا لبس الجوارب على طهارة تيمم ثم قدم البلد فإنه لا يمسح عليهما، لأنه لبسهما على طهارة تيمم، وطهارة التيمم إنما تتعلق بالوجه والكفين، ولا علاقة لها بالرجلين. وعلى هذا يكون الشرط مأخوذاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة: ((إني أدخلتهما طاهرتين)) (216).
الشرط الثالث: أن يكونا في الحدث الأصغر: أي: في الوضوء، أما الغسل فلا تُسمح فيه الخفان ولا الجوارب، بل لابد من خلعهما وغسل الرجلين، فلو كان على الإنسان جنابة فإنه لا يمكن أن يمسح على خفيه.
الشرط الرابع: أن يكون في المدة المحددة شرعا: وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر، تبتدئ من أول مرةِ مسحٍ بعد الحدث، أما ما قبل المسح الأول فلا يُحسب من المدة. فلو فرض أن شخصا لبسها على طهارة في صباح اليوم الثلاثاء، وبقي إلى صلى العشاء في طهارته، ثم نام في ليلة الأربعاء، ولما قام لصلاة الفجر مسح، فيوم الثلاثاء: لا يحسب عليه، لأنه قبل المسح، بل يحسب عليه من فجر يوم الأربعاء، لأن حديث علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- قال: ((جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم)) (217).
وقال صفوان بن عسال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم)) (218)، فالعبرة بالمسح لا باللبس، ولا بالحدث بعد اللبس.فيتم المقيم يوم وليلة، أي: أربعا وعشرين ساعة، ويتم المسافر ثلاثة أيام بلياليهن، أي: اثنتين وسبعين ساعة، فإن مسح الإنسان وهو مقيم وسافر قبل أن تتم المدة، فإنه يتممُ مسحَ مسافر ثلاثة أيام.
مثلا: لو لبس اليوم لصلاة الفجر ومسح لصلاة الظهر، ثم سافر بعد الظهر، فإنه يتمم ثلاثة أيام، يمسح ثلاثة أيام ولو كان بالعكس: مسح وهو مسافر ثم أقام، فإنه يتمم مسح مقيم، لأن العبرة بالنهاية لا بالبداية، العبرة في السفر أو الإقامة بالنهاية لا بالبداية.
وهذا هو الذي رجعَ إليه الإمام أحمد- رحمه الله- وكان بالأول يقول: أن الإنسان إذا مسح مقيما ثم سافر أتم مسح مقيم، ولكنه رجع عن هذه لرواية وقال: إنه يتمم مسح مسافر. ولا تستغرب أن العالم يرجع عن قوله، لأن الحق يجب أن يتَّبع، فمتى تبيَّن للإنسان الحق وجب عليه اتباعه، فالإمام أحمد- رحمه الله- أحيانا يروى عنه في المسألة الواحدة أكثر من أربعة أقوال أو خمسة إلى سبعة أقوال في مسألة واحدة. وهو رجل واحد، أحيانا يصرِّح بأنه رجع وأحيانا لا يصرِّح، إن صرَّح بأنه رجع عن قوله الأول فإنه لا يجوز أن يُنسب إليه القول الذي رجع عنه، ولا يجوز أن ينسب له إلا مقيَّدا، فيقال: قال به أوَّلاً ثم رجع، أما إذا لم يصرح بالرجوع فإنه يجب أن تُحسب الأقوال كلها عنه، فيقال: له قولان، أو له ثلاث أقوال، أو أربعة أقوال.والإمام أحمد تكثر الرواية عنه، لأنه أثريٌّ يأخذ بالآثار، والذي يأخذ بالآثار ليس تأتيه الآثار دفعة واحدة حتى يحيط بها مرة واحدة ويستقر على قول منها، لكن الآثار تتجدد، يُنقل له حديث اليوم، ويُنقل له حديث في اليوم الثاني، وهكذا. واعلم أن الإنسان إذا تمت المدة وهو على طهارة فإنه لا تنتقض طهارته، لكن لو انتقضت فلا بدَّ من خلع الخفين وغسل القدمين، لكن مجرد تمام المدة لا ينقص الوضوء. كذلك أيضا إذا خلعها بعد المسح وهو على طهارة، فإنها لا تنتقض طهارته، بل يبقى على طهارته، فإذا أراد أن يتوضأ فلابد من أن يغسل قدميه بعد أن نزع. والقاعدة في هذا حتى لا تشتبه: أنه متى نُزع الممسوح فإنه لا يعاد ليمسح، بل لابد من غسل الرجل ثم إعادته إذا أراد الوضوء.
الشرط الثالث: استقبال القبلة: فاستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة لا تصح الصلاة إلا به، لأن الله تعالى أمر به وكرر الأمر به. قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:150] ، أي : جهته. وكان النبي- عليه الصلاة والسلام- أول ما قدم المدينة كان يصلي إلى بيت المقدس، فيجعل الكعبة خلف ظهره والشام قِبَلَ وجهه، ولكن بعد ذلك ترقَّب أن الله سبحانه وتعالى - يشرع له خلاف ذلك، فجعل يقلِّب وجهه في السماء ينتظر متى ينزل عليه جبريل بالوحي في استقبال بيت الله الحرام، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلينَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:144]، فأمره الله- عز وجل- أن يستقبل المسجد الحرام، أي: جهته. إلا أنه يُستثنى من ذلك ثلاث مسائل:
المسالة الأولى: إذا كان عاجزا كمريض وجهه إلى غير القبلة، ولا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة، فإن استقبال القبلة يسقط عنه في هذه الحال، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:16]، وقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)) (219).
المسألة الثانية: إذا كان في شدة الخوف، كإنسان هارب من عدو، أو هارب من سبع، أو هارب من نار، أو هارب من واد يغرقه! المهم أنه في شدة خوف، فهنا يصلي حيث كان وجهه. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:239]، فإن قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ عام يشمل أي خوف. وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ على أنَّ أي ذكر تركه الإنسان من أجل الخوف فلا حرج عليه فيه،ومن ذلك استقبال القبلة.
ويدل عليه أيضا: ماسبق من الآيتين الكريمتين و الحديث النبوي في أن الوجوب معلَّق بالاستطاعة
المسألة الثالثة: في النافلة في السفر، سواء كان على طائرة، أو على سيارة، أو على بعير، فإنه يصلي حيث كان وجهه في صلاة النفل، مثل الوتر وصلاة الليل والضحى وماأشبه ذلك.والمسافر ينبغي له أن يتنفَّل بجميع النوافل كالمقيم سواءً إلا في الرواتب، كراتبه الظهر والمغرب والعشاء، فالسنة تركها، وماعدا ذلك من النوافل فإنه باقٍ على مشروعيته للمسافر، كما هو مشروع للمقيم. فإذا أراد أن يتنفل وهو مسافر على طائرته، أو على بعيره، أو على حماره، فليتنفَّلْ حيث كان وجهه، لأن ذلك هو الثابت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (220).
فهذه ثلاث مسائل لا يجب فيها استقبال القبلة! أما الجاهل فيجب عليه أن يستقبل القبلة، لكن إذا اجتهد وتحرَّى ثم تبيَّن له الخطأ بعد الاجتهاد، فإنه لا إعاده عليه، ولا نقول إنه يسقط عنه الاستقبال، بل يجب عليه الاستقبال و يتحرَّى بقدر استطاعته، فإذا تحرى بقدر استطاعته ثم تبيَّن له الخطأ، فإنه لا يعيد صلاته، ودليل ذلك أن الصحابة الذين لم يعلموا بتحويل القبلة إلى الكعبة، كانوا يصلون ذات يوم صلاة الفجر في مسجد قباء، فجاءهم رجل فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أُنزل عليه قرآن و أُمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، فاستداروا، بعد أن كانت الكعبة وراءهم جعلوها أمامهم، فاستداروا وبقوا في صلاتهم وهذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن إنكار له،فيكون ذلك مشروعا، فإذا أخطأ الإنسان في القبلة جاهلا فإنه ليس عليه إعادة، ولكن إذا تبيَّن ولو في أثناء الصلاة وجب عليه أن يستقيم إلى القبلة، فلو فرض أن إنسانا شرع يصلي إلى غير القبلة يظن أنها القبلة, فجاءه إنسان وقال له: القبلة عن يمينك أو يسارك، وجب عليه أن يستدير على اليمين أو على اليسار دون أن يستأنف الصلاة، لأنه في الأول كان عن اجتهاد وعن وجه شرعي فلا يبطل. فاستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة لا تصح الصلاة إلا به، إلا في المواضع الثلاثة التي ذكرناها، وإلا إذا أخطأ الإنسان بعد الاجتهاد والتحري.
وهنا مسألة: يجب على من نزل على شخص ضيفا و أراد أن يتنفَّل أن يسأل صاحب البيت عن القبلة، فإذا أخبره اتجه إليها، لأن بعض الناس تأخذه العزة بالإثم، ويمنعه الحياء- وهو حياء في غير محله- عن السؤال عن القبلة. فبعض الناس يستحي من السؤال حتى لا يقول الناس لا يعرف! لا يضر، فليقولوا ما يقولونه، بل اسأل عن القبلة حتى يخبرك صاحب البيت. وأحيانا بعض الناس تأخذه العزة بالإثم أو الحياء، ويتجه بناءً على ظنه إلى جهة ما يتبيَّن له أنها ليست القبلة، وفي هذه الحال وجب عليه أن يعيد الصلاة، لأنه استند إلى غير مستند شرعي. والمستند إلى غير مستند شرعي لا تُقبل عبادته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) (221).
الشرط الرابع: النيَّة: فإن الصلاة لا تصح إلا بنيَّة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) (222) الحديث.وقد دلَّت الآيات الكريمة على اعتبار النية في العبادات، مثل قوله تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه:﴿تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ [الفتح:29], وقال تعالى :﴿وَمَا تُنفِقُونَ إلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّه﴾ [البقرة :272], والآيات في هذا كثيرة، وقال: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:100] ، فالنية شرط من شروط صحة الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها، وهي- في الحقيقة - ليست بالأمر الصعب، كل إنسان عاقل مختار يفعل فعلا فإنه قد نواه. فلا تحتاج إلى تعب ولا على نُطقٍ محلُّها القلب: ((إنما الأعمال بالنيات ))؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينطق بالنية ، ولا أمر أمته بالنطق بها، ولا فعلها أحد من أصحابه فأقرَّه على ذلك، فالنطق بالنية بدعة، هذا هو القول الراجح، لأنك كأنما تشاهد الرسول- عليه الصلاة والسلام- وأصحابه يصلون ليس فيهم أحد نطق قال: اللهم إني نويت أن أصلي. وما أظرف قصة ذكرها لي بعض الناس- عليه رحمة الله- قال لي: إن شخصا في المسجد الحرام- قديما- أراد أن يصلي، فأقيمت الصلاة فقال: اللهم إني نويت أن أصلي الظهر أربع ركعات لله تعالى خلف إمام المسجد الحرام. لما أراد أن يكبر قال له الرجل إلى جواره: اصبر بقي عليك! قال: ما الباقي؟ قال له: قل في اليوم الفلاني وفي التاريخ الفلاني من الشهر والسنة حتى لا تضيع، هذه وثيقة. فتعجب الرجل! والحقيقة أنه محل التعجب، هل أنت تُعْلِمُ الله- عز وجل- بما تريد؟ الله يعلم ما توسوس به نفسك. هل نعلم الله بعدد الركعات والأوقات؟ لا داعي له، الله يعلم هذا. فالنية محلها القلب.ولكن كما نعلم أن الصلوات تنقسم إلى أقسام: نفل مطلق، ونفل معين، وفريضة.
الفرائض خمس: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء.إذا جئت إلى المسجد في وقت الفجر، فماذا تريد أن تصلي؟ أتريد أن تصلي المغرب؟! لا، بل الفجر. جئت وكبرت وأنت ناوٍ الصلاة، لكن غاب عن ذهنك أنها الفجر.
وهناك مسألة: إذا جئت وكبرت، وغاب عن ذهنك أي صلاة هي، وهذا يقع كثيرا، لا سيما إذا جاء بسرعة يخشى أن تفوته الركعة، فمثلا جئت وحضرت وكبرت ولكنك لم تستحضر أنك تريد الفجر. فهنا لا حاجة، ووقوع هذه الصلاة في وقتها دليل على أنه إنما أردت هذه الصلاة. ولهذا لو سألك أي واحد: هل أردت الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء؟ لقت: أبدا، ما أردت إلا الفجر. إذاً لا حاجة إلى أن أنوي أنها الفجر، صحيح أنني إن نويتها الفجر أكمل، لكن أحيانا يغيب عن الذهن التعيين، فنقول: يعينها الوقت. إذاً الفرائض يكون تعيينها على وجهين:
الوجه الأول: أن يعينها بعينها بقلبه أنه نوى الظهر مثلا، وهذا واضح.
الوجه الثاني: الوقت، فما دمت تصلي الصلاة في هذا الوقت فهي هي الصلاة.
هذا الوجه الثاني إنما يكون في الصلاة المؤداة في وقتها، أما لو فُرض أن على إنسان صلوات مقضية، كما لو نام يوما كاملا عن الظهر والعصر والمغرب، فهنا إذا أراد أن يقضي لابد أن يعينها بعينها، لأنه لا وقت لها.
 النوافل المعينة، مثل الوتر وركعتي الضحى والرواتب للصلوات الخمس، فهذه لابد أن تعينها بالاسم، لكن بالقلب لا باللسان، فإذا أردت أن تصلي الوتر مثلا وكبرت ولكن ما نويت الوتر، وفي أثناء الصلاة نويتها الوتر، فهذا لا يصح، لأن الوتر نفل معين، والنوافل المعينة لابد أن تعين بعينها.
أما النوافل المطلقة فلا تحتاج إلى نية إلا نية الصلاة ؛ فإنه لا بد منها , مثل إنسان في الضحى توضأ وأراد أن يصلي ما شاء الله ، نقول : تكفي نية الصلاة . وذلك لأنها صلاة غير معينة .
 إذا أراد الإنسان أن ينتقل في أثناء الصلاة من نية إلى نية، هل هذا ممكن؟ ننظر، الانتقال من معين إلى معين، أو من مطلق إلى معين لا يصح.
مثال المطلق: إنسان قام يصلي صلاة نافلة مطلقة، وفي أثناء الصلاة ذكر أنه لم يصلِّ راتبة الفجر، فنواها لراتبة الفجر. نقول: لا تصح لراتبة الفجر، لأنه انتقال من مطلق إلى معين، والمعين لابد أن تنويه من أوله، فراتبة الفجر من التكبير إلى التسليم.
ومثال معين إلى معين: رجل قام يصلي العصر، وفي أثناء صلاته ذكر أنه لم يصل الظهر، أو أنه صلاها بغير وضوء، فقال: الآن نويتها للظهر، فهل تصح للظهر أم لا؟ هنا لا تصح للظهر، لأنه من معين إلى معين، ولا تصح أيضا صلاة العصر التي ابتدأ،لأنه قطعها بانتقاله إلى الظهر. إذاً لا تصح ظهرا ولا عصرا، فهي لا تصح عصرا لأنه قطعها، ولا ظهرا لأنه لم يبتدئها ظهرا، وصلاة الظهر من تكبيرة الإحرام إلى السلام. أما الانتقال من معين إلى مطلق فانه يصح ولا بأس، مثل إنسان شرع في صلاة الفريضة، ثم لما شرع ذكر أنه على ميعاد لا يمكنه أن يتأخر فيه، فنواها نفلا، فإنها تصح إذا كان الوقت متسعا ولم يفوِّت الجماعة.هذان شرطان: الشرط الأول: إذا كان الوقت متسعا، والثاني: إذا لم يفوِّت الجماعة. فمثلا إذا كان في صلاة جماعة فلا يمكن أن يحولها إلى نفل مطلق، لأن هذا يستلزم أن يدع صلاة الجماعة.
إذا كان الوقت ضيقا فلا يصح أن يحولها إلى نفل مطلق، لأن صلاة الفريضة إذا ضاق وقتها لا يتحمل الوقت سواها، لكن الوقت في سعة والجماعة قد فاتته، نقول: لا بأس أن تحولها إلى نفل مطلق وتسلم من ركعتين وتذهب إلى وعدك، ثم بعد ذلك تعود إلى فريضتك، فصار الانتقال ثلاثا:
1- من مُطلقٍ إلى معيَّن: لا يصح المعين ويبقى المطلق صحيحا.
2- من مُعيَّن إلى معيَّن: يبطل الأول ولا ينعقد الثاني.
3- من مُعيَّن إلى مُطلق: يصح ويبقى المعين عليه.
نيّضةُ الإمامةِ والائتمام: الجماعة تحتاج إلى إمام ومأموم، وأقلها اثنان: إمام ومأموم. وكلما كان أكثر فهو أحب إلى الله، ولابد من نية المأموم والإتمام، وهذا شئ متفق عليه، يعني إذا دخلت في جماعة فلابد أن تنوي الائتمام بإمامك الذي دخلت معه. ولكن- كما قلنا- النية لا تحتاج إلى كبير عمل، لأن من أتى إلى المسجد فإنه قد نوى أن يأتم. أما الإمام فقد اختلف العلماء- رحمهم الله- هل يجب أن ينوي أن يكون أو لا يجب؟!فقال بعض أهل العلم: لابد أن ينوي أنه الإمام، وعلى هذا لو جاء رجلان ووجدا رجلاً يصلي ونويا أن يكون الرجل إماما لهما، فصفّا خلفه وهو لا يدري بهما، لكن هم نويا انه إمام لهما وصارا يتابعانه، فمن قال أنه لابد للإمام أن ينوي الإمامة قال: إن صلاة الرجلين لا تصح، وذلك لأن الإمام لم ينوِ الإمامة. ومن قال إنه لا يشترط أن ينوي الإمام الإمامة قال: إن صلاة هذين الرجلين صحيحة، لأنهما ائتما به.
فالأول: هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.
والثاني: هو مذهب الإمام مالك رحمه الله، واستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في رمضان وحده، فدخل أناس المسجد فصلوا خلفه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما دخل الصلاة لم ينوِ أن يكون إماما. واستدلوا كذلك بأن ابن عباس- رضي الله عنهما- بات عند النبي صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل قام يصلي وحده، فقام ابن عباس فتوضأ و دخل معه في الصلاة (223) . ولكن لا شك أن هذا الثاني ليس فيه دلالة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نوى الإمامة، لكن نواها في أثناء الصلاة، ولا بأس بأن ينويها في أثناء الصلاة. وعلى كل حال الاحتياط في هذه المسألة أن نقول: إنه إذا جاء رجلان إلى شخص يصلي فلينبهاه على أنه إمام لهما، فإن سكت فقد أقرَّهما، وإن رفض وأشار بيده أن لا تصليا خلفي فلا يصليا خلفه. هذا هو الاحوط والأولى.
ثانيا: هل يشترط أن تتساوى صلاة الإمام مع صلاة المأموم في جنس المشروعية؟ بمعنى: هل يصح أن يصلي الفريضة خلف من يصلي النافلة، أو أن يصلي النافلة خلف من يصلي الفريضة؟ ننظر في هذا: أما الإنسان الذي يصلي نافلة خلف من يصلي فريضة فلا بأس بهذا، لأن السنة قد دلت على ذلك، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم انفتل من صلاة الفجر ذات يوم في مسجد الخيف بمنى، فوجد رجلين لم يصليا، فقال: ما منعكما أن تصليا في القوم؟ قالا: يا رسول الله صلينا في رحالنا- يحتمل أنهما صليا في رحالهما لظنهما أنهما لا يدركان صلاة الجماعة، أو لغير ذلك من الأسباب- فقال: (( إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة)) (224). ((فإنها)) أي: الثانية، لأن الأولى حصلت بها الفريضة وانتهت وبرئت الذمة. إذاً إذا كان المأموم هو الذي يصلي النافلة والأمام هو الذي يصلي الفريضة فلا باس بذلك، كما دلت عليه هذه السنة.
أما العكس: إذا كان الإمام يصلي النافلة والمأموم يصلي الفريضة، وأقرب مثال لذلك في أيام رمضان، إذا دخل الإنسان وقد فاتته صلاة العشاء ووجد الناس يصلون صلاة التراويح، فهل يدخل معهم بنية العشاء أو يصلي الفريضة وحده ثم يصلي التراويح؟ هذا محل خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: لا يصح أن يصلي الفريضة خلف النافلة، لأن الفريضة أعلى , ولا يمكن أن تكون صلاة المأموم أعلى من صلاة الإمام. ومنهم من قال: بل يصح أن يصلي الفريضة خلف النافلة، لأن السنة وردت بذلك، وهي أن معاذ بن جبل- رضي الله عنه- كان يصلي مع النبي- صلى الله عليه وسلم- صلاة العشاء،ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة. فهي له نافلة ولهم فريضة، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم. فإن قال قائل: لعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم؟ فالجواب عن ذلك أن نقول: أن كان قد علم فقد تم الاستدلال، لأن معاذ بن جبل- رضي الله عنه- قد شُكِيَ إلى الرسول- عليه الصلة والسلام- في كونه يطوِّل صلاة العشاء، فالظاهر- والله أعلم- أن النبي صلى الله عليه وسلم- أُخبر بكل القضية وبكل القصة. وإذا قُدر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لم يعلم أن معاذا معه، ثم يذهب إلى قومه ويصلي بهم، فإن رب الرسول صلى الله عليه وسلم قد علم، وهو الله جلا وعلا، لا يخفى عليه شي في الأرض ولا في السماء، وإذا كان الله قد علم ولم يُنزل على نبيه إنكارا لهذا العمل دل هذا على جوازه، لأن الله تعالى لا يقرُّ عباده على شيء غير مشروع لهم إطلاقا. فتم الاستدلال حئينذ على كل تقدير.
إذاً فالصحيح أنه يجوز أن يصلي الإنسان صلاة الفريضة خلف من يصلي صلاة النافلة، والقياس الذي ذُكر استدلالا على المنع قياس في مقابلة النص فيكون مطروحا فاسدا لا يعتبر. إذن إذا أتيت في أيام رمضان والناس يصلون صلاة التراويح ولم تصلِّ العشاء فادخل معهم بنية صلاة العشاء، ثم إن كنت قد دخلت في أول ركعة، فإذا سلم الإمام فصلِّ ركعتين لتتم الأربع، وإن كنت قد دخلت في الثانية فصلِّ إذا سلَّم الإمام ثلاث ركعات. لأنك صليت مع الإمام ركعة , وبقي عليك ثلاث ركعات .
وهذا منصوص الإمام أحمد- رحمه الله تعالى- مع أن مذهبه خلاف ذلك، لكن منصوصه الذي نص عليه هو شخصيا أن هذا جائز.
إذن تلخَّصَ الآن:
من صلى فريضة خلف من يصلي فريضة جائز.
من صلى فريضة خلف من يصلي نافلة فيها خلاف.
من صلى نافلة خلف من يصلي فريضة جائز قولا واحدا.
المسألة الثالثة: في جنس الصلاة، هل يشترط أن تتفق صلاة الإمام والمأموم في نوع الصلاة؟ أي : ظهر مع ظهر، وعصر مع عصر، وهكذا، أم لا؟
ج- في هذا أيضا خلاف، فمن العلماء من قال: يجب أن تتفق الصلاتان، فيصلِّي الظهر خلف من يصلي الظهر، ويصلي العصر خلف من يصلي العصر، ويصلي المغرب خلف من يصلي المغرب، ويصلي العشاء خلف من يصلي العشاء، ويصلي الفجر خلف من يصلي الفجر، وهكذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه)) (225) . ومن العلماء من قال: لا يشترط، فيجوز أن تصلي العصر خلف من يصلي الظهر، أو الظهر خلف من يصلي العصر، أو العصر خلف من يصلي العشاء، لأن الإتمام في هذه الحال لا يتأثر، وإذا جاز أن يصلي الفريضة خلف النافلة مع اختلاف الحكم، فكذلك اختلاف الاسم لا يضر، وهذا القول أصح. فإذا قال قائل: حضرت لصلاة العشاء بعد أن أُذِّن، ولما أقيمت الصلاة تذكرت أنني صليت الظهر بغير وضوء، فكيف اصلي الظهر خلف من يصلي العشاء؟ نقول له: ادخل مع الإمام وصلِّ الظهر، أنت نيتك الظهر والإمام نيته العشاء ولا يضر، (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) و أما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه))، فليس معناه فلا تختلفوا عليه في النية، لأنه فصَّل وبيَّن فقال: (( فإذا كبر فكبروا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا)) (226) أي: تابعوه ولا تسبقوه، وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم يفسر بعضه بعضا.وهذا البحث يفرع عليه بحث آخر: إذا اتفقت الصلاتان في العدد والهيئة فلا إشكال في هذا، مثل ظهر خلف عصر. العدد واحد والهيئة واحدة، هذا لا إشكال فيه.لكن إذا اختلفت الصلاتان، بأن كانت صلاة المأموم ركعتين والإمام أربعا، أو بالعكس، أو المأموم ثلاثا والإمام أربعا، أو بالعكس. فنقول: إن كانت صلاة المأموم أكثر فلا إشكال، مثل رجل دخل المسجد يصلي المغرب، ولما أقيمت الصلاة ذكر أنه صلى العصر بلا وضوء، فهنا صار عليه صلاة العصر. نقول: ادخل مع الإمام بنية صلاة العصر، وإذا سلم الإمام فإنك تأتى بواحدة لتتم لك الأربع. وهذا لا إشكال فيه. أما إذا كانت صلاة الإمام أكثر من صلاة المأموم فهذا نقول: إن دخل المأموم في الركعة الثانية فما بعدها فلا إشكال، وإن دخل في الركعة الأولى فحينئذ يأتي الإشكال، ولنمثل: إذا جئت والإمام يصلي العشاء، وهذا يقع كثيرا في أيام الجمع. يأتي الإنسان من البيت والمسجد جامع للمطر و ما أشبه ذلك، فإذا جاء وجدهم يصلون العشاء، لكن وجدهم يصلون في الركعتين الأخيرتين، نقول: ادخل معهم بنيَّة المغرب، صل الركعتين، وإذا سلَّم الإمام تأتي بركعة ولا إشكال. وإذا جئت ووجدهم يصلون العشاء الآخرة لكنهم في الركعة الثانية، نقول: ادخل معهم بنية المغرب وسلم مع الإمام ولا يضر، لأنك ما زدت ولا نقصت، هذا أيضا لا إشكال فيه، وعند بعض الناس فيه إشكال: يقول: إذا دخلت معه في الركعة الثانية ثم جلست في الركعة التي هي للإمام الثانية، وهي لك الأولى، فتكون جلست في الأولى للتشهد. نقول: هذا لا يضر، الست إذا دخلت مع الإمام في صلاة الظهر في الركعة الثانية فالإمام سوف يجلس للتشهد وهي لك الأولى؟ هذا نفسه ولا إشكال، وإنما الإشكال إذا جئت إلى المسجد ووجدهم يصلون العشاء وهم في الركعة الأولى ودخلت معهم في الركعة الأولى، حيئنذ ستصلي ثلاثا مع الإمام والإمام سيقوم للرابعة، فماذا تصنع؟ إن قمت معه زدت ركعة، صليت أربعا والمغرب ثلاث لا أربع، وإن جلست تخلفت عن الإمام، فماذا تصنع؟ نقول: اجلس، وإذا كنت تريد أن تجمع فانوِ مفارقة الإمام و اقرأ التحيات وسلم، ثم ادخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء، لأنك يمكن أن تدركه. أما إذا كنت لا تنوي الجمع، أو ممن لا يحق له الجمع، فإنك في هذه الحال مخيَّر، إن شئت فاجلس للتشهد وانتظر الإمام حتى يكمل الركعة ويتشهد وتسلم معه، وإن شئت فانوِ الانفراد وتشهَّد وسلِّم. هذا الذي ذكرناه هو القول الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-. ونية الانفراد هنا للضرورة، لأن الإنسان لا يمكن أن يزيد في المغرب على ثلاث، فالجلوس لضرورة شرعية، ولا بأس بهذا. ومما يدخل في قوله: ((وتقيم الصلاة)) أركان الصلاة، والأركان هي الأعمال القولية والفعلية التي لا تصح الصلاة إلا بها، ولا تقوم إلا بها.
فمن ذلك: تكبيرة الإحرام: أن يقول الإنسان عند الدخول في الصلاة: ((الله أكبر)) لا يمكن أن تنعقد الصلاة إلا بذلك فلو نسيَ الإنسان تكبيرة الإحرام، جاء ووقف في الصف ثم نسي وشرع في القراءة وصلى فصلاته غير صحيحة وغير منعقدة إطلاقا، لأن تكبيرة الإحرام لا تنعقد الصلاة إلا بها، قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل علمه كيف يصلي، قال: ((إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبِّر)) (227) فلابد من التكبير، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مداوما على ذلك.
ومن ذلك أيضا: قراءة الفاتحة: فإن قراءة الفاتحة ركن لا تصح الصلاة إلا به، لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾[المزمل:20]، وهذا أمر. وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المبهم في قوله : ﴿مَا تَيَسَّرَ﴾ وأن هذا هو الفاتحة، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) (228) وقال: ((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج)) (229) أي: فاسدة غير صحيحة. فقراءة الفاتحة ركن على كل مصلٍّ: الإمام، والمأموم، والمنفرد، لأن النصوص الواردة في ذلك عامة لم تستثنِ شيئا، وإذا لم يستثنِ الله تعالى ورسوله شيئا فإن الواجب الحكم بالعموم، لأنه لو كان هناك مستثنى لبيَّنه الله ورسوله، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:89] . ولم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح صريح في سقوط الفاتحة عن المأموم، لا في السريَّة والجهريَّة، لكن الفرق بين السرية والجهرية، أن الجهرية لا تقرأ فيها إلا الفاتحة، وتسكت وتسمع لقراءة إمامك.أما السرية فتقرأ الفاتحة وغيرها حتى يركع الإمام، لكن دلَّت السنة على أنه يستثنى من ذلك ما إذا جاء الإنسان والإمام راكع، فإنه إذا جاء والإمام راكع تسقط عنه قراءة الفاتحة، ودليل ذلك ما أخرجه البخاري عن أبي بكرة- رضي الله عنه- أنه دخل والنبي صلى الله عليه وسلم راكع في المسجد، فأسرع وركع قبل أن يدخل في الصف، ثم دخل في الصف، فلما سلَّم النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أيُّكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟!)) قال أبو بكرة: أنا يا رسول الله! قال: (( زادك الله حرصا ولا تعد)) (230) ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن الذي دفع أبا بكرة لسرعته والركوع قبل أن يصل إلى الصف هو الحرص على إدراك الركعة، فقال له: ((زادك الله حرصا ولا تعد)) أي: لا تعد لمثل هذا العمل فتركع قبل الدخول في الصف وتسرع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) (231).
ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الركعة التي أسرع لإدراكها، ولو كان لم يدركها لأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضائها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يؤخِّر البيان عن وقت الحاجة، لأنه مبلغ، والمبلغ يبلغ متى أحتيج إلى التبليغ، فإذا كان الرسول- عليه الصلاة والسلام- لم يقل له إنك لم تدرك الركعة عُلِمَ أنه قد أدركها، وفي هذه الحال تسقط عنه الفاتحة. وهناك تعليل أيضا مع الدليل، وهو أن الفاتحة إنما تجب مع القيام،والقيام في هذه الحال قد سقط من أجل متابعة الإمام، فإذا سقط القيام سقط الذكر الواجب فيه. فصار الدليل والتعليل يدلان على أن من جاء والإمام راكع فإنه يكبر تكبيرة الإحرام وهو قائم ولا يقرأ، بل يركع، لكن أن كبر للركوع مرة ثانية فهو أفضل، وإن لم يكبر فلا حرج، وتكفيه التكبيرة الأولى. ويجب أن يقرأ الإنسان الفاتحة وهو قائم، وأما ما يفعله بعض الناس إذا قام الإمام للركعة الثانية مثلا، تجده يجلس ولا يقوم مع الإمام وهو يقرأ الفاتحة، فتجده يجلس إلى أن يصل نصف الفاتحة، ثم يقوم وهو قادر على القيام:
نقول لهذا الرجل: أن قراءتك للفاتحة غير صحيحة، لأن الفاتحة يجب أن تُقرأ في حال القيام، وأنت قادر على القيام وقد قرأت بعضها وأنت قاعد، فلا تصح هذه القراءة. أما ما زاد عن الفاتحة فهو سنة في الركعة الأولى والثانية، وأما في الركعة الثالثة في المغرب، أو في الثالثة والرابعة في الظهر والعصر والعشاء فليس بسنة، فالسنة الاقتصار فيما بعد الركعتين على الفاتحة،وإن قرأ أحيانًا في العصر والظهر شيئا زائدًا عن الفاتحة فلا بأس به، لكن الأصل الاقتصار على الفاتحة في الركعتين اللتين بعد التشهد الأول إن كانت رباعية، أو الركعة الثالثة إن كانت ثلاثية.
ومن أركان الصلاة: الركوع، وهو الانحناء تعظيما لله عز وجل، لأنك تستحضر أنك واقف بين يدي الله، فتنحني تعظيما له عز وجل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((أما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل)) (232) أي: قولوا سبحان ربي العظيم، لأن الركوع تعظيم بالفعل، وقول: (( سبحان ربي العظيم)) تعظيم بالقول، فيجتمع التعظيمان بالإضافة إلى التعظيم الأصلي وهو تعظيم القلب لله، لأنك لا تنحني هكذا إلا لله تعظيمًا له، فيجتمع في الركوع ثلاثة تعظيمات:
1- تعظيم القلب.
2- تعظيم الجوارح.
3- تعظيم اللسان.
فالقلب: تستشعر انك ركعت لله، واللسان: تقول سبحان ربي العظيم، والجوارح: تُحني ظهرك. والواجب في الركوع الانحناء بحيث يتمكن الإنسان من مسِّ ركبتيه بيديه. فالانحناء اليسير لا ينفع، فلابد من أن تِهْصِرَ ظهرك حتى تتمكن من مسِّ ركبتيك بيديك. وقال بعض العلماء: إن الواجب أن يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى القيام التام والمؤدى متقارب. المهم أنه لابد من هصر الظهر. ومما ينبغي في الركوع أن يكون الإنسان مستوي الظهر لا مُحْدَودِبًا، وأن يكون رأسه محاذيًا لظهره، وأن يضع يديه على ركبتيه مُفَرَّجتي الأصابع، وأن يجافيَ عضديه عن جنبيه، ويقول سبحان ربي العظيم، يكِّررها ويقول: ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي )) (233) ويقول: ((سبوحٌ قدُّوسٌ ربُّ الملائكة والروح)) (234).
ومن أركان الصلاة: السجود، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ ﴾ [الحج:77]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (( أُمرت أن نسجد على سبعة أعظم: على الجبهة- و أشار بيده إلى أنفه- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين)) (235)، فالسجود لابد منه، لأنه ركن لا تتم الصلاة إلا به. ويقول في سجوده ((سبحان ربي الأعلى)). وتأمل الحكمة أنك في الركوع تقول: ((سبحان ربي العظيم)) لأن الهيئة هيئة تعظيم، وفي السجود تقول: ((سبحان ربي الأعلى)) لأن الهيئة هيئة نزول. فالإنسان نزَّل أعلى ما في جسده- وهو الوجه - إلى أسفل ما في جسده- وهو القدمين- فترى في السجود أن الجبهة والقدمين في مكان واحد، وهذا غاية ما يكون في التنزيه، ولهذا تقول: ((سبحان ربي الأعلى)) أي أُنَزِّهُ ربي الأعلى الذي هو فوق كل شئ عن كل سُفلٍ ونُزول. أما أنا فمنزل رأسي وأشرف أعضائي إلى محل القدمين ومداسها، فتقول: ((سبحان ربي الأعلى)) تكررها ما شاء الله، ثلاثا أو أكثر حسب الحال، وتقول: ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي )) (236) ، وتقول ((سبوح قدوس رب الملائكة والروح )) (237) وتُكثر من الدعاء بما شئت من أمور الدين ومن أمور الدنيا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم)) (238) ، وقال عليه الصلاة والسلام: (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) (239)، فأكثر من الدعاء بما شئت، من سؤال الجنة، والتعوذ من النار، وسؤال علم نافع، وعمل صالح، وإيمان راسخ، وهكذا. وسؤال بيت جميل،وامرأة صالحة، وولد صالح، وسيارة، وما شئت من خير الدين والدنيا، لأن الدعاء عبادة ولو في أمور الدنيا، قال الله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:60]، وقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:186] . وفي هذه الآيام العصيبة(240) ينبغي أن نُطيل السجود، وان نكثر من الدعاء بان يأخذ الله على أيدي الظالمين المعتدين، ونلح ولا نستبطئ الإجابة، لأن الله حكيم قد لا يستجيب الدعوة بأول مرة أو ثانية أو ثالثة، من أجل أن يعرف الناس شدة افتقارهم إلى الله فيزدادوا دعاء، والله- سبحانه وتعالى- أحكم الحاكمين- حكمته بالغة لا نستطيع أن نصل إلى معرفتها، ولكن علينا أن نفعل ما أُمرنا به من كثرة الدعاء.ويسجد الإنسان بعد الرفع من الركوع، ويسجد على ركبتيه أولاً ثم كفيه، ثم جبهته وأنفه، ولا يسجد على اليدين أوَّلا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك فقال: ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك بروك البعير)) (241) ، وبروك البعير يكون على اليدين أولا كما هو مشاهد، كل من شاهد البعير إذا بركت يجد أنها تقدم يديها، فلا تقدم اليدين، والرسول- عليه الصلاة والسلام- نهى عن ذلك، لأن تشبه بني آدم بالحيوان - ولا سيما في الصلاة- أمر غير مرغوب فيه.
ولم يذكر الله تعالى تشبيه بني آدم بالحيوان إلا في مقام الذم. استمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:175،176]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:5]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((العائد في هبته كالكلب يقئ ثم يعود في قَيْئِهِ)) (242)، وقال صلى الله عليه وسلم: ((الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارا)) (243). فأنت ترى أن تشبيه بني آدم بالحيوان لم يكن إلا في مقام الذم، ولهذا نهى المصلِّيَ أن يبرك كما يبرك البعير فيقدم يديه! بل قدِّم الركبتين إلا إذا كان هناك عذر، كرجل كبير يشق عليه أن يُنزل الركبتين أولا، فلا حرج أو إنسان مريض،أو إنسان في ركبتيه أذىً، وما أشبه ذلك. ولا بد أن يكون السجود على الأعضاء السبعة: الجبهة، والأنف تبعٌ لها، والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين. فهذه سبعة أمرنا أن نسجد عليها كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، والذي أمرنا ربنا- عز وجل- فنقول: سمعا وطاعة، ونسجد على الأعضاء السبعة في جميع السجود، فما دمنا ساجدين فلا يجوز أن نرفع شيئا من هذه الأعضاء، بل لابد أن تبقى هذه الأعضاء ما دمنا ساجدين. وفي حال السجود ينبغي للإنسان أن يضم قدميه بعضهما إلى بعض ولا يفرج. أما الركبتان فلم يرد فيهما شئ، فتبقى على ما هي عليه على الطبيعة. وأما اليدان فتكونان على حذو المنكبين، أي: الكتفين، أو تقدمهما قليلا حتى تسجد بينهما، فلها صفتان: الصفة الأولى أن تردها حتى تكون على حذاء الكتف، والصفة الثانية: أن تقدمها قليلا حتى تكون على حذاء الجبهة، كلتاهما وردتا عن الرسول عليه الصلاة والسلام. وينبغي أن تُجافي عَضُديك عن جنبيك، وان ترفع ظهرك . إلا إذا كنت في الصف وخفت أن يتأذى جارك من مجافاة العضدين فلا تؤذ جارك، لأنه لا ينبغي أن تفعل سنة يتأذى بها أخوك المسلم وتشوش عليه.
وقد رأيت بعض الاخوة الذين يحبون أن يطبِّقوا السنة يمتدُّون في حال السجود امتدادا طويلا، حتى تكاد تقول إنهم منبطحون، وهذا لا شك أنه خلاف السنة، وهو بدعة. بل السنة أن ترفع ظهرك وأن تعلو فيه. وهذه الصفة التي أشرت إليها من بعض الإخوة كما أنها خلاف السنة ففيها إرهاق عظيم للبدن، لأن التحمل في هذه الحال يكون على الجبهة والأنف، وتجد الإنسان يضجر من إطالة السجود.ففيها مخالفة السنة وتعذيب البدن، فلهذا ينبغي إذا رأيتم أحدًا يسجد على هذه الكيفية أن تُرشدوه إلى الحق، وتقولوا له: هذا ليس بسنة.
وينبغي في حال السجود أيضا أن يكون الإنسان خاشعا لله - عز وجل- مستحضرا علو الله سبحانه وتعالى، لأنك سوف تقول: سبحان ربي الأعلى، أي تنزيها له بعلوه- عز وجل- عن كل سُفلٍ ونزول، ونحن نعتقد بأن الله عالٍ بذاته فوق جميع مخلوقاته، كما قال الله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:1]، وإثبات علو الله في القرآن والسنة أكثر من أن يحصر. والإنسان إذا دعا يرفع يديه إلى السماء إلى الله عز وجل، وفي السماء فوق كل شئ، وقد ذكر الله أنه استوى على عرشه في سبع آيات من القرآن، والعرش أعلى المخلوقات، والله فوق العرش جلا وعلا.
ومن أركان الصلاة : الطمأنينة، أي: الاستقرار والسكون في أركان الصلاة، فيطمئن في القيام، وفي الركوع، وفي القيام بعد الركوع، وفي السجود، وفي الجلوس بين السجدتين، وفي بقية أركان الصلاة، وذلك لما أخرج الشيخان- البخاري ومسلم- من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (244) أن رجلا جاء فدخل المسجد فصلى، ثم سلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه السلام وقال: ((ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ)) يعني: لم تصلِّ صلاة تجزئك. فرجع الرجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه وقال: ((ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ)) فرجع وصلى ولكن كصلاته الأولى، ثم جاء إلى النبي صلى الله وسلم عليه، فرد عليه وقال: ((ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ)) فقال: والذي بعثك بالحق لا أحسنُ غير هذا فعلمني. وهذه هي الفائدة من كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه لأول مرة، بل ردده حتى صلى ثلاث مرات، من أجل أن يكون متشوفا للعلم، مشتاقا إليه، حتى يأتيه العلم ويكون كالمطر النازل على أرض يابسة تقبل الماء، ولهذا أقسم بأنه لا يحسن غير هذا، وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه. ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم سوف يعلمه، لكن فرق بين المطلوب والمجلوب، إذا كان هو الذي طلب أن يعلم صار أشد تمسكا وحفظا لما يُلقى إليه.وتأمل قَسَمَهُ بالذي بعث النبي صلى الله عليه وسلم بالحق. فقال: ((والذي بعثك بالحق)) وما قال((والله!)) لأجل أن يكون معترفا غاية الاعتراف بأن ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم حق. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ((إذا قمت للصلاة فأسبغ الوضوء)) أي: توضأ وضوءا كاملا، ((ثم استقبل القبلة فكبر)) أي: قل: الله أكبر، وهذه تكبيرة الإحرام. ((ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن))وقد بيَّنت السنة أنه لابد من قراءة الفاتحة. ((ثم اركع حتى تطمئن راكعا)) أي: لا تسرع، بل اطمئن واستقر. ((ثم ارفع حتى تطمئن قائما)) أي: إذا رفعت من الركوع اطمئن كما كنت في الركوع، ولهذا من السنة أن يكون الركوع، ولهذا من السنة أن يكون الركوع والقيام بعد الركوع متساويين أو متقاربين. ((ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا)) أي: تطمئن وتستقر. ((ثم ارفع حتى تطمئن جالسا))وهذه الجلسة بين السجدتين.((ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا)) هذا هو السجود الثاني. قال: ((ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)) أي: افعل هذه الأركان: القيام، والركوع، والرفع منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والسجدة الثانية، في جميع الصلاة.
الشاهد من هذا قوله: ((حتى تطمئن)) وقوله فيما قبل: ((إنك لم تصلِّ)) فدل هذا على أنه من لا يطمئن في صلاته فلا صلاة له. ولا فرق في هذا بين الركوع والقيام بعد الركوع، والسجود والجلوس بين السجدتين ، كلها لابد أن يطمئن الإنسان فيها.
قال بعض العلماء: والطمأنينة أن يستقر بقدر ما يقول الذِّكر الواجب في الركن، ففي الركوع بقدر ما تقول: ((سبحان ربي العظيم))، وفي السجود كذلك،بقدر ما تقول: ((سبحان ربي الأعلى)) ، وفي الجلوس بين السجدتين بقدر ما تقول: ((ربي اغفر لي)) ، في القيام بعد الركوع بقدر ما تقول ((ربنا ولك الحمد))،وهكذا. ولكن الذي يظهر من السنة أن الطمأنينة أمر فوق ذلك، لأن كون الطمأنينة بمقدار أن تقول ((سبحان ربي العظيم)) في الركوع لا يظهر لها أثر، لأن الإنسان إذا قال: الله أكبر، سبحان ربي العظيم، ثم يرفع، أين الطمأنينة؟ فالظاهر أنه لابد من استقرار بحيث يقال: هذا الرجل مطمئن. وعجبا لابن آدم كيف يلعب به الشيطان!! هو واقف بين يدي الله - عز وجل- يناجي الله ويتقرب إليه بكلامه وبالثناء عليه وبالدعاء، ثم كأنه ملحوق في صلاته، كان عدوا لاحقٌ له، فتراه يهرب من الصلاة، لماذا؟ أنت لو وقفت بين يدي ملك من ملوك الدنيا يناجيك ويخاطبك،لو بقيت معه ساعتين تكلمه لوجدت ذلك سهلا، تقف على قدميك، ولا تنتقل من ركوع إلى سجود، وإلى جلوس، وتفرح أن هذا الملك يكلمك ولو جلس معك مدة طويلة، فكيف وأنت تناجي ربك الذي خلقك، ورزقك، و أمدَّك، وأعدَّك، تناجيه وتهرب هذا الهروب؟! لكن الشيطان عدو للإنسان، والعاقل الحازم المؤمن هو الذي يتَّخذ الشيطان عدوا، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:6]. فالواجب على الإنسان أن يطمئن في صلاته طمأنينة تظهر عليه في جميع أفعال الصلاة، وكذلك أقوالها. مسألة: ما حكم من لم يُقِم الصلاة؟
الجواب عن ذلك أن نقول: أما من لم يقمها على وجه الكمال، يعني انه أخل ببعض الأشياء المكملة للصلاة، فإن هذا محروم من الأجر الذي يحصل له بإكمال، لكنه ليس بإثم، فمثلا: لو اقتصر على ((سبحان ربي العظيم)) في الركوع مع الطمأنينة لكان كافيا، لكنه محروم من زيادة الأجر في التسبيح. وأما من لم يُقمها أصلا، يعني أنه تركها بالكلية، فهذا كافر مرتد عن الإسلام كفرًا مخرجًا عن الملة، يخرج من عداد المسلمين في الدنيا، ويكن في عداد الكافرين في الآخرة، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحشر مع فرعون وهامان، وقارون، وأُبي بن خلف، وهؤلاء رؤوس الكفرة يُحشر معهم. والعياذ بالله.
أما في الدنيا فإنه كافر مرتد يجب على ولي الأمر أن يدعوه للصلاة، فإن صلى فذاك، وإن لم يصل قتله قتل ردة والعياذ بالله، وإذا قتل قتل ردة حمل في سيارة بعيدا عن البلد، وحفر له حفرة ورمس فيها حتى لا يتأذى الناس برائحته ولا يتأذى أهله وأصحابه بمشاهدته، فلا حرمة له لو أبقي على وجه الأرض هكذا، ولهذا لا نغسِّله، ولا نكفِّنه، ولا نصلي عليه، ولا نُدْنيه من مساجد المسلمين للصلاة عليه، لأنه كافر مرتد. فإذا قال قائل: ما هذا الكلام؟ أهذا جزاف أم تحامل أم عاطفة؟ قلنا: ليس جزافا، ولا تحاملا، ولا عاطفة، ولكننا نقوله بمقتضى دلالة كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام أصحاب رسوله رضي الله عنهم. أما كلام الله: فقد قال الله تعالى في سورة التوبة عن المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:11] ،وإن لم يكن؟ فليس إخوانا لنا في الدين، وإذا لم يكونوا إخوانا لنا في الدين فهم كفرة، لأن كل مؤمن ولو كان عاصيا أكبر معصية لكنها لا تُخرج من الإسلام فهو أخٌ لنا، إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين فمن المعلوم أن قتال المسلم كفر، لكن لا يخرج من الملة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) (245)، ومع ذلك فإن هذا المقاتل لأخيه أخٌ لنا، ولا يخرج من دائرة الإيمان ، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9،10] .
إذاً الطائفتان المقتتلتان إخوة لنا مع أنها معصية عظيمة. فإذا قال الله في المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:11]، إذاً إذا لم يقوموا بهذه الأعمال فليسوا بإخوة لنا، هذا من القرآن. أما من السنة: فاستمع إلى ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر ابن عبد الله- رضي الله عنهما- أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) (246)،والبَيْنِيَّة تقتضي التمييز والتفريق، وإن كل واحد غير الآخر، ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) فإذا تركها صار غير مسلم، صار مشركا أو كافرا. وما رواه أهل السنن عن بريدة بن الحصيب- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)) (247)، العهد الذي بيننا وبين الكفار أي: الشيء الفاصل الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر، صار منهم وليس منا.
وهذا نصٌ في الموضوع! أما ما قاله الصحابة رضي الله عنهم: فاستمع إلى ما قاله عبد الله بن شقيق- وهو من التابعين المشهورين- قال رحمه الله: ((كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة)) (248). وقد نقلَ إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة إسحاقُ بن رَاهَوَيْه الإمام المشهور رحمه الله، وبعض أهل العلم. وإذا قُدِّر أن فيهم من خالف فإن جمهورهم- أهل الفتوى منهم- يقولون إنه كافر. هذه أدلة من كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة رضي الله عنهم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وناهيك به: ((لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة)) ولا نافية للجنس، تنفي الكثير والقليل، والذي لاحظ له لا قليل ولا كثير في الإسلام ما هو إلا كفر، إذنْ فمن ترك الصلاة فهو كافر. ويترتب على ترك الصلاة أمور دنيوية وأمور أخروية:
الأمور الدنيوية:
أولاً: أنه يُدعى إلى الصلاة، فإن صلى وإلا قُتل، وهذا واجب على ولاة الأمور وجوبا، وهم إذا فرَّطوا في هذا فسوف يسألهم الله تعالى إذا وقفوا بين يديه، لأن كل مسلم ارتدَّ عن الإسلام فإنه يُدعى إليه، فإن رجع وإلا قتل. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من بدَّل دينه فاقتلوه)) (249).
ثانيًا: لا يُزوج إذا خطب، وإن زَّوج فالعقد باطل، والمرأة لا تحل له أن يطأها، وهو يطأ أجنبية والعياذ بالله، لأن العقد غير صحيح، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:10].
ثالثًا: أنه لا وِلاية له على أولاده، ولا على أخواته، ولا على أحد من الناس، لأن الكافر لا يمكن أن يكون وليا على مسلم أبدا، حتى بنته لا يزوِّجها. لو فرضنا واحدا بعدما تزوج، وكبر وصار له بنات، صار لا يصلي والعياذ بالله، فإنه لا يمكن أن يزوِّج بنته. ولكن إذا قال قائل: هذا مشكل، يوجد أناس عندهم بنات وهم لا يصلون، كيف نعمل؟ نقول: في مثل هذا الحال إذا كان لا يمكن التخلُّص من أن يعقد النكاح للبنات فإن الزوج يجعل أخاها أو عمها مثلا أو أحدا من عصباتها الأقرب فالأقرب، حسب ترتيب الولاية، يعقد له بالسر عن أبيها حتى يتزوج امرأة بعقد صحيح، أما عقد أبيها لها وهو مرتد كافر فلا يصح، ولو يعقد ألف مرة فليس بشيء.
رابعًا: لو ترك الصلاة في أثناء زواجه انفسخ نكاحه، ومثاله: رجل تزوج امرأةً وهي تصلي وهو يصلي، وبعد ذلك ترك الصلاة، فإننا نقول: يجب التفريق بينه وبين المرأة وجوبا حتى يصلي، فإذا فرَّقنا بينهما واعتدت فإنه لا يمكن أن يرجع إليها، أما قبل انتهاء العدة، فإنه إذا أسلم ورجع إلى الإسلام وصلى فهي زوجته، أما إذا انتهت العدة فقد انفصلت منه، ولا تحل له إلا بعقد جديد على قول جمهور أهل العلم، وبعضهم يقول: إنها إذا انتهت من العدة ملكت نفسها، ولكن لو أسلم وأرادت أن ترجع إليه فلا بأس بدون عقد، وهذا القول هو الراجح، دلالة السنة عليه، لكن فائدة العدَّة هو أنها قبل العدة إذا أسلم لا خيار لها، وأما بعد العدة فلها الخيار إذا أسلم، إن شاءت رجعت إليه، وإن شاءت لم ترجع.
خامسًا: ومن ذلك أيضا أنه لا ولاية له على أحد ممن يتولاه لو كان مسلما، لأن من شروط الولاية العدالة، والكافر ليس بعدل، فلا يكون تارك الصلاة ولياً على أحد من عباد الله المسلمين أبدا، حتى لو كانت ابنته فإنه لا يزوجها، لأنه ليس له ولاية عليها.
سادسًا: ومن ذلك أيضا أنه لا يُغسل، ولا يكفن، ولا يُصلى عليه، ولا يُدفن مع المسلمين، وإنما يخرج به إلى البر ويحفر له حفرة يُرمس فيها رمسا لا قبرًا، لأنه ليس له حرمة. ولا يحل لاحد يموت عنده شخص وهو يعرف أنه لا يصلِّي أن يغسله أو يكفنه أو يقدمه للمسلمين يصلون عليه، لأنه يكون بذلك غاشا للمسلمين، فإن الله تعالى قال لنبيِّه- عليه الصلاة والسلام- في حق المنافقين، وهم كفار لكنهم يظهرون الإسلام، قال: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة:84]، فدل هذا على أن الكفر مانع من الصلاة، ومن القيام على القبر بعد الدفن. وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:113]. ويسأل بعض الناس عن الرجل المتهم بترك الصلاة يقدَّمُ للصلاة عليه بعد موته وأنت شاكٌ هل هو يصلي أولا؟ فنقول: إذا كان هذا الشك مبنيا على أصل فإنك إذا أردت أن تدعوا له تقول: اللهم إن كان مؤمنا فاغفر له وارحمه)) فتقيِّده، وبهذا تسلم من شره.
وأما الأمور الأخروية المترتبة على ترك الصلاة فمنها :
(1) العذاب الدائم في قبره، كما يُعذَّب الكافر أوأشد.
(2) أنه يحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأُبي بن خلف.
(3) أنه يدخل النار فيخلد فيها أبد الآبدين.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يكفر كفرا خارجا عن الملة، واستدلوا ببعض النصوص، ولكن هذه النصوص لا تخرج عن أحوال خمسة:
1- إما أنه ليس فيها دلالة أصلا على هذه المسألة، مثل قول بعضهم: إن هذا يعارضه قول الله:﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:48]، ومن جملته تارك الصلاة. فنقول: إن تارك الصلاة في ظاهر حديث جابر الذي رواه مسلم أنه مشرك وإن كان لا يسجد للصنم، لكنه متبع لهواه، وقد قال الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثـية:23] . ثم على فرض أن مفهوم الآية أن ما دون الشرك تحت المشئية، فإن هذا المفهوم خُص بالأحاديث الدالة على أن تارك الصلاة كافر، وإذا كان المنطوق- وهو أقوى دلالة من المفهوم- يخصَّص عمومه بما دل على التخصيص، فما بالك بالمفهوم؟
2 - أو استدلوا بأحاديث مقيَّدة بما لا يمكن لمن اتصف به أن يدع الصلاة. مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)) (250) فإن قوله: ((يبتغي بذلك وجه الله))، تمنع منعا باتا أن يدع الإنسان الصلاة، لأن من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله، فلابد أن يعمل عملا لما يبتغيه وهو وجه الله. وأعظم عمل يحصل به رضا الله- عز وجل- هو الصلاة. فهذا الحديث ليس فيه دليل على أن تارك الصلاة لا يكفر. لأنه مُقَيَّدٌ بقيد يمتنع معه غاية الامتناع أن يدع الإنسان الصلاة.
3- أو مقيد بحال يعذر فيها من ترك الصلاة، مثل حديث حذيفة الذي أخرجه بعض أهل السنن في قوم لا يعرفون من الإسلام إلا قول لا إله إلا الله، وهذا في وقت اندراس الإسلام(251)، وصار لا يعلم عن شئ منه إلا قول لا إله إلا الله فإنها تنجيهم من النار، لأنهم معذورون بعدم العلم بفرائض الإسلام، ونحن نقول بهذا، لو أن قوما في بادية بعيدون عن المدن، وبعيدون عن العلم، لا يفهمون من الإسلام إلا ((لا إله إلا الله)) وماتوا على ذلك فليسوا كفارا.
4- واستدلوا بأحاديث عامة، وهذه الأحاديث من قواعد أصول الفقه أن العام يخصَّص بالخاص، فالأحاديث العامة الدالة على أن من قال لا إله إلا الله فهو في الجنة، وما أشبه ذلك، نقول: هذه مقيَّدة أو مخصوصة بأحاديث كفر تارك الصلاة.
5- واستدلوا بأحاديث ضعيفة لا تقاوم الأحاديث الصحيحة الدالة على كفر تارك الصلاة، فضلا عن أن تعارضها، فهي لا تعارض ولا تقاوم الأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة. ثم إن بعضهم لما لم يتيسَّر له إقامة الدليل على أن تارك الصلاة لا يكفر قال: إنه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: (( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) (252)، على الكفر الأصغر والشرك الأصغر، فيكون بمعنى قول ابن عباس رضي الله عنهما: ((كفر دون كفر)) فيقال: ما الذي يوجب لنا أن نحمل الحديث على ذلك، لأن الكفر إذا أُطلق ولم يوجد له معارض فهو الكفر الحقيقي الأكبر. كيف وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: ((بين الرجل وبين الكفر والشرك))، فجعل هنا حدا فاصلا ((بين)) والبَيْنِيَّة تقتضي أن المتباينين منفصلان بعضهما عن بعض، وأن المراد بالكفر الكفر الأكبر.وحينئذٍ تكون أدلة القول بكفر تارك الصلاة موجبة لا معارض لها ولا مقاوم لها، والواجب على العبد المؤمن إذا دلَّ كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على حكم من الأحكام أن يقول به، لأننا نحن لسنا بمشرعين، بل المشرع الله، ما قاله تعالى و قاله رسوله صلى الله عليه وسلم فهو الشرع، نأخذ به ونحكم بمقتضاه، ونؤمن به سواء وافق أهواءنا أم خالفها، فلا بد أن نأخذ بما دل عليه الشرع.
واعلم أن كل خلاف يقع بين الأمة إذا كان الحامل عليه حسن القصد مع بذل الجهد في التحري، فإن صاحبه لا يلام عليه ولا يضلَّل، لأنه مجتهد، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد فأخطا، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)) (253). وليس من حق الإنسان أن يقدح في أخيه إذا خالفه في الرأي بمقتضى الدليل عنده. أما مَن عاند و أصرَّ بعد قيام الحجة عليه فهذا هو الذي يلام. وبهذا التقرير نعرف أنه يجب الحذر التام من التهاون بالصلاة، وأنه يجب على من رأى شخصا متهاونا فيها أن ينصحه بعزيمة وجِد، لعل الله أن يهديه على يده فينال بذلك خيرًا كثيرًا. وقوله: (( إيتاء الزكاة)): إيتاء بمعنى إعطاء، و إتيان بمعنى مجيء، وأتى بمعنى جاء، وآتى بمعنى أعطى، فإيتاء الزكاة يعني إعطائها لمن عيَّن الله سبحانه أن يُعطَوا إياها، والزكاة مأخوذة من الزكاء، وهو الطهارة والنماء، لأن المزكي يطهر نفسه من البخل، وينمِّي ماله بالزكاة قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:103] . والزكاة تعريفها: نصيب مقدَّرٌ شرعا من مال مخصوص لطائفة مخصوصة. ((نصيب من مال)) وليس كل المال، بل أموال معينه بيَّنها الرسول عليه الصلاة والسلام، وبعضها مُبَيَّن في القرآن. وليس كل هذه الأجناس من المال تجب فيه الزكاة، بل لابد من شروط. والزكاة جزء بسيط يؤدي بها الإنسان ركنا من أركان الإسلام، يطهِّر بها نفسه من البخل والرذيلة ، ويطهر بها صفحات كتابه من الخطايا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار)) (254) ، وأفضل الصدقات الزكاة، فدِرْهمٌ تخرجه في زكاتك أفضل من درهم تخرجه تطوُّعا، لأن الله تعالى قال في الحديث القدسي: ((وما تقرَّب إليَّ عبدي بشي أحب إليَّ مما افترضته عليه)) (255)، وركعة من صلاة مفروضة أفضل من ركعة من صلاة تطوع، فالفرائض أفضل من التطوع. ففي الزكاة تكفير الخطايا، وفيها الإحسان إلى الخلق، لأن المزكي يحسن إلى المدفوع إليه الزكاة فيدخل في عداد المحسنين الذين يدخلون في محبة الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:195]. وفي الزكاة أيضا: تأليف بين الناس، لأن الفقراء إذا أعطاهم الأغنياء من الزكاة، ذهب ما في نفوسهم من الحقد على الأغنياء، أما إذا منعهم الأغنياء ولم يتفضلوا عليهم بشيء صار في نفوسهم أحقاد على الأغنياء. وفي الزكاة أيضا إغناء للفقراء عن التسلط، لأن الفقير إذا قدر أن الغني لا يعطيه شيئا فإنه يخشى منه أن يتسلط وأن يكسر الأبواب وينهب الأموال، لأنه لابد أن يعيش، لابد أن يأكل ويشرب، فإذا كان لا يعطى شيئا فإن الجوع والعطش والعُري يدفعه على أن يتسلط على الناس بالسرقة والنهب وغير ذلك. وفي الزكاة أيضا: جلبٌ للخيرات من السماء، فإنه قد ورد في الحديث: ((ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء)) (256) . فإذا أدَّى الناس زكاة أموالهم أنزل الله لهم بركات من السماء والأرض، وحصل في هذا نزول المطر ونبات الأرض وشبع المواشي وسقي الناس بهذا الماء الذي ينزل من السماء، وغير ذلك من المصالح الكثيرة.
وفي الزكاة أيضا: أعانة للمجاهدين في سبيل الله، لأن من أصناف الزكاة الجهاد في سبيل الله، كما قال الله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . وفي الزكاة تحرير الرقيق من الرِّق، فإن الإنسان يجوز له أن يشتري عبدا مملوكا من الزكاة فيعتقه، لأن الله قال: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾. وفي الزكاة أيضا: فَكُّ الذمم من الديون. كم من إنسان اُبتلي بتراكم الديون عليه فتؤدى عنه من الزكاة، فيحصل في هذا خير كثير، فكاك لذمته وردُّ حقٍّ لمن له الحق. وفي الزكاة أيضا: إعانة المسافرين الذين تنقطع بهم السبل، فيضيع ماله الذي أتى به معه ولا يجد ما يوصِّله إلى بلده، فهذا يُعطى من الزكاة مايوصله إلى بلده ولو كان غنيا في بلده. المهم أن الزكاة فيها مصالح كثيرة، ولهذا صارت ركنا من أركان الإسلام. واختلف العلماء فيما لو تهاون الإنسان بها: هل يكفر كما يكفر بالتهاون بالصلاة أو لا؟ والصحيح أنه لا يكفر، ودليل ذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار)) (257)، فإن هذا الحديث يدل على أنه لا يكفر، لأنه لو كان كافرًا بترك الزكاة لم يكن له سبيل إلى الجنة، والحديث يقول: ثم يرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار)) وعن الإمام أحمد- رحمه الله- رواية أنه يكفر إذا بخل بالزكاة، قال: لأنها ركن من أركان الإسلام، وإذا فات ركن من أركان البيت سقط البيت. ولكن الصحيح أنه: لا يكفر، إلا أنه على خطر عظيم- والعياذ بالله- وفيه هذا الوعيد الشديد. مسألة في الأموال الزكوية: لأن الأموال ليست كلها فيها زكاة، بل منها ما فيه الزكاة ومنها ما لا زكاة فيه، فالزكاة واجبة في أمور:
أولا: الذهب والفضة: فتجب الزكاة فيهما على أي حال كانا، سواء كانت نقودا كالدراهم والدنانير، أو تِبْرًا كالقطع من الذهب والفضة، أو حُليا يُلبس أو يستعار، أو غير ذلك. فهذا المعدن- وهو الذهب والفضة- فيه الزكاة على كل حال، لكن بشرط أن يبلغ النصاب لمدة سنة كاملة. والنصاب من الذهب: خمسة وثمانون جراما، والنصاب من الفضة ستة وخمسون ريالا سعوديا، وهي خمس مائة وخمسة وتسعون جرامًا(595). فمن عنده من الذهب أو الفضة هذا المقدار مَلَكَ النصاب، فإذا استمر ذلك إلى تمام السنة ففيه الزكاة، وإن نقص فلا زكاة فيه. لو كان عنده ثمانون جراما فلا زكاة عليه، أو كان عنده خمس مائة وتسعون جراما(590) من الفضة فلا زكاة عليه. واختلف العلماء: هل يُكمِل نصاب الذهب بالفضة أو لا؟ يعني لو ملك نصف نصاب من الذهب ونصف نصاب من الفضة، فهل يكمل بعضها ببعض ونقول إنه ملك نصابا فتجب عليها الزكاة أو لا؟ الصحيح أنه لا يكمَّل الذهب من الفضة ولا الفضة من الذهب، فكل واحد مستقل بنفسه، كما أنه لا يكمَّل البر من الشعير، أو الشعير من البر، فكذلك لا يكمَّل الذهب بالفضة، ولا الفضة بالذهب، فلو كان عند الإنسان نصف نصاب من الذهب، ونصف نصاب من الفضة، فلا زكاة عليه.ويلحق بالذهب والفضة ما جرى مجرى الذهب والفضة، وهي العملة النقدية، من ورق أو نُحاس أو غيره، فإن هذه فيها الزكاة إذا بلغت نصابا بأحد النقدين، بالذهب أو بالفضة، فإن لم تبلغ فلا زكاة. فمثلا: إذا كان عند الإنسان ثلاثمائة من الريالات الورقية، لكنها لا تبلغ نصابا من الفضة، فلا زكاة عليه، لأن هذه مربوطة بالفضة. وأما الجواهر الثمينة من غير الذهب والفضة، مثل اللؤلؤ والمرجان والمعادن الأخرى، كالألماس وشبهه، فهذه ليس فيها زكاة ولو كثر ما عند الإنسان منها، إلا ما أعدَّه للتجارة ،فما أعده للتجارة ففيه الزكاة من أي صنف كان، أما ما لا يعد للتجارة فلا زكاة فيه، إلا الذهب والفضة.
الصنف الثاني مما تجب فيه الزكاة: بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، ففيها الزكاة، لكن بشرط أن تبلغ نصابا، وأقل نصاب في الإبل خمس، وأقل نصاب في البقر ثلاثون، وأقل نصاب في الغنم أربعون. والبهيمة ليست كغيرها من الأموال إذا بلغت النصاب، فما زاد فبحسابه، لا بل هي مرتبة. ففي أربعين من الغنم شاة أيضا حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين(121) فيكون فيها شاتان. فالوقص ما بين النصابين ليس فيه زكاة، فمن أربعين إلى مائة وعشرين كلها ليس فيها إلا شاة واحدة. ومن مائة و إحدى وعشرين إلى مائتين فيه شاتان. وفي مائتين وواحدة(201) ثلاث شياه، وفي ثلاثمائة:ثلاث شياه، وفي ثلاثمائة وتسع وتسعين ثلاث شياه، وفي أربعمائة: أربع شياه. وكذلك الإبل: من أربع وعشرين فأقل زكاتها من الغنم على كل خمس شاة، ومن الخمس وعشرين فما فوق زكاتها من الإبل، لكنها بأسنان مختلفة. وبهيمة الأنعام يشترط لوجوب الزكاة فيها أن تبلغ النصاب، وأن تكون سائمة، والسائمة الراعية التي ترعى في البر ولا تعلف، إما السنة كلها وإما أكثر السنة. فإذا كان عند الإنسان أربعون شاة تسرح وترعى كل السنة ففيها زكاة، وإذا كانت تسرح وترعى ثمانية أشهر ففيها الزكاة، ومثلها سبعة أشهر، وإذا كانت ستة أشهر ترعى وستة أشهر تعلف فليس فيها زكاة،وإذا كانت خمسة أشهر ترعى وسبعة أشهر تعلف فليس فيها زكاة وإذا كانت تعلف كل السنة فليس فيها زكاة، لأنه يشترط أن تكون سائمة، إما السنة كلها أو أكثرها. ولكن إذا كان الإنسان متاجرا في الغنم مثلا وليس يبقيها للتَّنمية والنسل، وإنما يشتري البهيمة اليوم ويبيعها غدا يطلب الربح، فهذا عليه الزكاة، ولو لم يكن عنده إلا واحدة إذا بلغت نصابا في الفضة، لأن عروض التجارة فيها الزكاة بكل حال، ونصابها مقدَّر بنصاب الذهب أو الفضة، والغالب أن الأحظَّ للفقراء هو الفضة في زماننا، لأن الذهب غالٍ.
الثالث من الأموال الزكوية: الخارج من الأرض من حبوب وثمار، مثل التمر، والبر، والأرز، والشعير، وما أشبهها. وهذا لابد فيه من بلوغ النصاب وهو ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم. ويعرفه الذين يأخذون الزكاة من الفلَّاحين. فإذا كان عند الإنسان نخل يثمر، وبلغت ثماره نصابا وجب عليه الزكاة، ويجب عليه أن يخرج من متوسط الثمر، لا من الطيب فيظلم، ولا من الردئ فيظلم، وإنما يكون من الوسط. وإذا باع الإنسان ثمره فإنه يزكي من الثمن، ومقدار الزكاة في الخارج من الأرض العشر، إن كان يشرب سيحًا بدون مكائن أو مواتير فإن فيه العشر كاملا، واحد من عشرة. فإذا كان عنده مثلا عشرة آلاف كيلو فالواجب عليه ألف كيلو. أما إذا كان يستخرج الماء بوسيلة، كالمواتير والمكائن وشبهها، فإن عليه نصف العشر، ففي عشرة آلاف كيلو خمسمائة فقط، وذلك لأن الذي يُسقي بمؤونة يغرم فيه الفلاح أكثر من الذي يُسقى بلا مؤونة. فكان من حكمة الله- عز وجل- ورحمته أن خفف الزكاة على هذا الذي يسقيه بالمؤونة والتعب.
أما الرابع من أصناف الزكاة فهو عروض التجارة: وعروض التجارة: كل ما أعده الإنسان للتجارة، من عقارات وأقمشة وأواني وسيارات وغيرها، فليس لها شئ معين، فكل ما عرضته للتجارة، يعني ملكته من أجل أن تنتظر فيه الكسب، فإنه عروض تجارة يجب عليك أن تزكيه. ومقدار الزكاة فيه ربع العشر كالذهب والفضة، أي: واحد في الأربعين. وفي المائة اثنان ونصف. وإذا كان لديك مال وأردت أن تعرف مقدار الزكاة فالمسألة سهلة، أُقَسِّمُ المال على أربعين والخارج بالقسمة هو الزكاة. فإذا كان عند الإنسان أربعون ألفا من الدراهم، فزكاتها ألف درهم، وفي مائة وعشرين ألف ريال ثلاثة آلاف ريال ، وهلمَّ جرًا، المهم إذا أردت حساب زكاتك من المال فاقسم المال على أربعين، فالخارج بالقسمة هو الزكاة. وسمى عروض التجارة عُروضا، لأنه ليس بثابت، بل يعرض ويزول، فكل شئ يعرض ويزول يسمى عرضا، كما قال الله تعالى:﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء:94] . والأموال التجارية هكذا عند التجار، يشتري الإنسان السلعة لا يريد عينها، وإنما يريد ما وراءها من كسْب، ولهذا تجده يشتريها في الصباح وتكسبه في آخر النهار فيبيعها، فعروض التجارة إذن كل ما أعدَّه الإنسان للاتِّجار ففيه زكاة. وكيفية زكاة العروض أنه إذا جاء وقت الزكاة في مالك تقوِّم كل ما عندك من هذه العروض وتخرج ربع عشر قيمتها، حتى وإن كنت لم تشترِها إلا أخيرًا. مثال ذلك: إنسان تحل زكاته في شهر رجب، واشترى سلعة في شهر ربيع، فنقول له: إذا جاء شهر رجب فقدر قيمتها بما تساوي وأخرج زكاتها. فإذا قال: إنها لم تتم عندي سنة؟ قلنا: لا عبرة في عروض التجارة بالسنة! عروض التجارة مبنيَّةٌ على القيمة، والقيمة لها سنة عندك، فتقدرها بما تساوي وقت الوجوب، سواء كانت أكثر مما اشتريتها به أم أقل. فإذا قُدِّر أنك اشتريتها بعشرة آلاف ريال (10000) وكانت عند وجوب الزكاة تساوي ثمانية آلاف ريال(8000) فالزكاة على ثمانية. وإذا اشتريتها بثمانية وكانت تساوي عند وجوب الزكاة عشرة، فالزكاة على العشرة. وإذا كنت لا تدري هل تكسب أو لا تكسب فالمعتبر رأس المال، فاعتبر رأس المال.
مصارف الزكاة: تصرف الزكاة على الذين عيَّنهم الله بحكمته، فقال تعالى:﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي: لابد أن تكون الزكاة في هذه الاصناف ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:60] .
فالفقراء والمساكين: هم الذين لا يجدون كفايتهم وكفاية عوائلهم لمدة سنة. مثاله: رجل موظف براتب شهري قدْره أربعة آلاف ريال، لكن عنده عائلة يصرف ستة آلاف ريال، فهذا يكون فقيرًا، لأنه لا يجد ما يكفيه. فنعطيه أربعة وعشرين ألفا من الزكاة من أجل أن نكملَ نفقته. ورجل آخر راتبه ستة آلاف في الشهر، لكنه عنده عائلة كبيرة، والمؤنة شديدة لا يكفيه إلا اثنا عشر ألفا، فنعطيه من الزكاة اثنين وسبعين ألفا. يقول العلماء: نعطيه ما يكفيه لمدة سنة. ولا نعطيه أكثر من كفاية سنة، لأنه على مدار السنة تأتى زكاة جديدة تسُدُّ حاجته، فلهذا قدَّرها العلماء بالسنة. فإذا قال قائل: أيهما أشد حاجة: الفقير أو المسكين؟ قال العلماء: إنما يبدأ بالأهم فالأهم، والله تعالى قد بدأ بالفقير، فيكون الفقير أشد حاجة من المسكين.
الثالث: العاملون عليها: أي: الذين وَلَّاهم رئيس الدولة أمر الزكاة يأخذونها من أهلها وينفقونها في مستحقها، فيعطيهم رئيس الدولة مقدار أجرتهم ولو كانوا أغنياء ، لأنهم يستحقونها بالعمل لا بالحاجة. فإذا قال ولي الأمر: هؤلاء الواحد منهم إذا عمل بالشهر فراتبه ألف ريال، فنعطيهم على ألف ريال من الزكاة، وذلك لأنهم يتصرَّفون في الزكاة لمصلحة الزكاة فأُعْطوا منها. لكن إذا أحب ولي الأمر أن يُعطيهم من بيت مال المسلمين المال العام ليوفر الزكاة لمستحقيها فلا بأس.
الرابع: المؤلفة قلوبهم: وهم الذين يؤلِّفون على الإسلام، يكون رجلا آمنَ حديثا ويحتاج أن نقوي إيمانه، فنعطيه من الزكاة من أجل أن يألف الإسلام ويحب المسلمين ويتقوى، ويعرف أن دين الإسلام دين صلة ودين رابطة. ثانيا: ومن التأليف أن نعطي شخصا للتخلص من شره، حتى يزول ما في قلبه من الحقد على المسلمين والعداوة. واختلف العلماء: هل يشترط في المؤلفة قلوبهم أن يكون لهم سيادة وشرف في قومهم أو لا يشترط؟ والصحيح أنه لا يشترط، حتى لو أعطيت فردا من الناس لتؤلِّفه على الإسلام كفى. أما إذا أعطيت فردا من الناس من أجل أن تدفع شره فهذا لا يجوز، لأن الواحد من الناس ترفعه إلى ولاة الأمور ويأخذون حقك منه.
الخامس: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾: ذكر العلماء إنها تشمل ثلاثة أنواع: النوع الأول: أن تشتري عبدًا فتعتقه.
النوع الثاني: أن تساعد مكاتبا في مكاتبته، والمكاتب هو العبد الذي اشترى نفسه من سيده.
الثالث: أن تفك بها أسيرا مسلما عند الكفار أو عند غيرهم، حتى لو اختطف مسلم عند أناس ظلمة ولم يفكوه إلا بفداء من الزكاة فلا بأس.
السادس: قوله: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾: والغارم: هو الذي يكون في ذمته دين لا يستطيع وفاءه، أو يكون في ذمته دين لمصلحة عامة وإن كان يستطيع وفاءه، ولهذا قال العلماء: إن الغُرم نوعان:
النوع الأول: الغارم لغيره.
والثاني: الغارم لنفسه.
الغارم لغيره: هو الذي يغرم مالا لإصلاح ذات البين، مثل أن يكون بين قبيلتين نزاع ومشاجرة ومخاصمة ومعاداة وبغضاء، فيقوم رجل من أهل الخير فيصلح بين القبيلتين على مال يلتزم به في ذمته، فهنا يكون غارما لكن ليس لنفسه، بل لمصلحة عامة، وهي الإصلاح بين هاتين القبيلتين. قال العلماء: فيُعطى هذا الرجل ما يوَفِّي به من العزم وإن كان غنيا، لأن هذا ليس لنفسه، بل لمصلحة الغير. فلو قدر أن رجلا عنده مائة ألف فأصلح بين قبيلتين بعشرة آلاف ريال يستطيع أن يوفيها من ماله، لكن نقول لا يلزمه، بل نعطيه من الزكاة ما يدفع به هذا الغُرم، لأن ذلك لمصلحة الغير، ولأن هذا يفتح باب الإصلاح للناس، لأننا لو لم نُعن هذا الرجل ونعطه ما غرم، لتكاسل الناس عن الإصلاح بين الفئات المتناحرة أو المتعادية، فإذا أعطينا من غرم صار في هذا تنشيط له.أما النوع الثاني: فهو الغارم لنفسه، مثل رجل استأجر بيتا بخمسة آلاف ريال وليس عنده ما يدفع به الإجار. هو نفسه في أكله وشربه ولباسه ليس محتاجا، لكن يحتاج إلى وفاء الدين الذي لزمه بالاستئجار للبيت، فنعطي هذا الرجل أجرة البيت من الزكاة، لأنه من الغارمين. كذلك إنسان أُصيب بجائحة اجتاحت ماله، مثل الحريق أو الغرق أو ما أشبه ذلك، وقد لحقه في هذا دين، فنعطيه ما يسدد دينه، لأنه غير قادر على الوفاء. هذا النوع من الغرم يشترط فيه أن يكون الغارم عاجزا عن وفاء الدين، فإن كان قادرا، فإنه لا يعطى، ولكن هل يجوز أن يذهب الإنسان لمن له الدَّين ويقول له: هذا الطلب الذي لك على فلان خذه، وينويه من الزكاة؟ الجواب: نعم يجوز، وليس بشرط أن تعطي الغارم ليعطي الدائن، بل لو ذهبت للطالب منذ أول الأمر وقلت له: يا فلان بلغني أنك تطلب من فلان عشرة آلاف ريال، قال نعم، وأثبت ذلك، فتعطيه إياها، ولا حاجة لإخبار المدين، وذلك لأن المقصود هنا إبراء الذمة، وهو حاصل سواء أخبرته أم لم تخبره. وتأمل التعبير في الآية ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ كل هذه الثلاث معطوفة على قوله﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ باللام ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ ولم يقل وللرقاب، بل قال ﴿في﴾ الدالة على الظرفية، يعني أنك إذا صرفت الزكاة في هذه الجهات يجوز وإن لم تعط صاحبها. ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ معطوفة على ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فيه من مدخول في، أي: وفي الغارمين، فلا حاجة لأن تملك الغارم ليعطي الدائن، بل يكفي أن تذهب وتعطي الدائن ليبرئ المدين.فإذا قال قائل: هل الأحسن أن أذهب إلى الدائن وأُوَفِّيَه، أو أُعطي الغريم لكي يوفي بنفسه؟ نقول: في هذا تفصيل: إذا كنت تخشى أنك لو أعطيت الغريم لم يوفِ، بل أكل الدراهم وترك الدَّين على ما هو عليه فهنا لا تعطِ الغريم، بل أعطِ الدائن، لأنك لو أعطيت الغارم سينفق الأموال في أمور غير مهمة وترك الدَّين، وبعض الناس لا يهتمون بالدين الذي عليهم، فإذا كنت تعلم أن المدين( الغارمَ) لو أعطيته لأفسد المال وبقيت ذمته مشغولة، فلا تعطه و أعط الدائن، أما إذا كان الغريم صاحب عقل ودين، ولا يمكن أن يرضى ببقاء ذمته مشغولة، ويغلب على ظني كثيرًا أنني إذا أعطيته سوف يذهب فورا إلى الدائن ويقضي من دينه، فهنا نعطي الغريم، نقول: خذ هذه الدراهم أوفِ بها عن نفسك، لأن هذا أستر له وأحسن، ولكن يجب علينا إذا كنا نوزِّع الزكاة أن نحذر من حيلة بعض الناس! بعض الناس يقدم لك كشفا بالدين الذي عليه، وتوفي ما شاء الله أن توفي، وبعد سنة يقدم لك نفس الكشف ولا يخصم الذي أوفى عنه، فانتبه لهذا، لأن بعض الناس- والعياذ بالله- لا يهمه حلال ولا حرام، المهم اكتساب المال، فيأتي بالقائمة الأولى التي قد قضى نصفها ويعرضها عليك، فانتبه لذلك. وقد قُدِّمَ لنا من هذا النوع أشياء، وذهبنا نسلِّمُ الدائن بناء على الكشف الذي قدَّم، فقال الدائن: إنه قد أوفاني. وهذه مشكلة، لكن الإنسان يتحرز، وهو إذا اتقى الله ما استطاع، ثم تبيَّن فيما بعد أن الذي أخذ الزكاة ليس أهلا لها فإن ذمته تبرأ، وهذه من نعمة الله. يعني لو أعطيت زكاتك شخصا ثم تبيَّن لك أنه ليس من أهل الزكاة رغم أنك اجتهدت فلا شئ عليك، وزكاتك مقبولة.
السابع قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: والجهاد في سبيل الله هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا، هكذا حدده النبي صلى الله عليه وسلم حينما سُئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: (( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) (258)، وهذه كلمة جامعة مانعة. وقد تقدَّم الكلام على هذا(259).
تنبيه: يجوز قتل المسلم الظالم في الحرب وإن كان مسلما. فإذا قال قائل: وإن كان مكرها؟ الجواب: أن شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- قال: إذا قاتل المسلمون مع التتار فإنهم يقاتَلون وإن كانوا مسلمين، ولو كانوا مكرهين. فإن كانوا صادقين بأنهم مكرهون فإن لهم أجر الشهيد، لأنهم قتلوا ظلما من الذي أكرههم، لأن الظلم على الذي أكرههم. وإن كانوا غير صادقين، بل هم مختارون طائعون، فهذا ما أصابهم وهم الذين جرُّوه على أنفسهم. وقد قال:- رحمه الله- في تعليل ذلك: إنه لا يعلم المكره من غير المكره، لأن ذلك محله القلب، فالاختيار والكراهة محلها القلب، فلا يعلم المكره من غيره، فيقتل المكره دفاعا عن الحق وحسابه على الله.
نعم، لو فرض أنه أُسر وهو مسلم حقيقة فإنه لا يجوز قتله، أما في ميدان القتال فإنه يُقتل. وقد ذكرها رحمه الله في الفتاوى في كتاب الجهاد ج(28) ص(544-553). وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يشمل إعطاء الزكاة للمجاهدين أنفسهم، وشراء الأسلحة لهم. فشراء الأسلحة من الزكاة جائز من أجل الجهاد في سبيل الله. قال أهل العلم: ومن ذلك: أن يتفرغ شخص لطلب العلم وهو قادر على التكسب، لكنه تفرغ من أجل أن يطلب العلم، فإنه يعطى من الزكاة مقدار حاجته، لأن طلب العلم جهاد في سبيل الله. أما مَن تفرغ للعبادة فلا يعطى من الزكاة، بل يقال اكتسب. وبهذا عرفنا شرف العلم على العبادة. فلو جاء رجلان أحدهما دَيِّنٌ طيب ويقول: أنا أستطيع أن أتكسَّب لكن أحب أن أتفرغ للعبادة من الصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن فأعطوني من الزكاة واكفوني العمل! نقول: لا نعطيك بل اكتسب. وجاء رجل آخر قال: أنا أريد أن أتفرَّغ لطلب العلم وأنا قادر على التكسب، لكن إن ذهبت أتكسب لم أطلب العلم فأعطوني ما يكفيني من أجل أن أتفرغ لطلب العلم، قلنا: نعطيك ما يكفيك لطلب العلم، وهذا دليل على شرف العلم وطلبه.
الثامن: ﴿ابْنِ السَّبِيل﴾: وهو الصنف الثامن من أصناف أهل الزكاة. وابن السبيل هو المسافر الذي انقطع به السفر ونفدت نفقته، فلم يكن معه ما يوصله إلى بلده. وليس هذا من باب الفقراء والمساكين، لأنه غني في بلده، لكن قصرت به النفقة في أثناء السفر، فيعطى ما يوصله إلى بلده ولو كان غنيا. وسمي ابن سبيل لمصاحبته للسفر ، كما يقال ابن الماء في طير الماء الذي يألف الماء فيقع عليه. هؤلاء ثمانية أصناف لا يجوز صرف الزكاة في غيرهم، فلا يجوز أن تصرف الزكاة في بناء المساجد، ولا في إصلاح الطرق، ولا في بناء المدارس، ولا غيرها طرق الخير، لأن الله ذكر هذه الأصناف بصيغة محصورة فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ...﴾ [التوبة:60]، و﴿إِنَّمَا﴾ تفيد الحصر، وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، ولو قلنا بجواز صرف الزكاة في جميع وجوه الخير لفاتت فائدة الحصر، ولكن بناء المساجد وإصلاح الطرق وبناء المدارس وما أشبهها تفعل من طرق أخرى، من طرق البر والصدقات والتبرعات. هذا هو الركن الثالث من أركان الإسلام الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل- عليه الصلاة والسلام- في حديثه الطويل! أما الرابع فقد قال: ((وصوم رمضان)): ورمضان شهر بين شعبان وشوال، وسمي رمضان بهذا الاسم، قيل: لأنه عند أول تسمية الشهور صادف أنه كان في شدة الرمضاء والحر فسمي رمضان. وقيل: لأنه تُطفأ به حرارة الذنوب، لأن الذنوب حارة: و((من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)) (260) والمهم أن هذا الشهر معلوم للمسلمين، ذكره الله- سبحانه وتعالى- باسمه في كتابه فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]، ولم يذكر الله اسما لشهر من الشهور سوى هذا الشهر. وصيام رمضان ركن من أركان الإسلام لا يتم الإسلام إلا به، ولكنه لا يجب إلا على من تمت فيه الشروط الآتية: أن يكون مسلما، وأن يكون بالغا، وعاقلا، قادرا، مقيما، سالما من الموانع. هذه ستة شروط. - فإن كان صغيرا لم يجب عليه الصوم،إن كان مجنونا لم يجب عليه الصوم، إن كان كافرا لم يجب عليه الصوم، إن كان عاجزا فعلى قسمين:
أ- إن كان عجزه يرجى زواله كالمرض الطارئ أفطر، ثم قضى أياما بعدد ما أفطر.
ب- وان كان عجزًا لا يرجى زواله كالكبر والأمراض التي لا يرجى برؤها فإنه يطعم عن كل يوم مسكينا.
- و((مقيما)) ضده المسافر، فالمسافر ليس عليه صوم، ولكنه يقضي من أيام أُخر.
-((سالما من الموانع)) احترازا من الحائض والنفساء، فإنهما لا يجب عليهما الصوم، بل ولا يجوز أن تصوما، ولكنهما تقضيان. وصوم رمضان يكون بعدد أيامه، إما تسعة وعشرين، وإما ثلاثين حسب رؤية الهلال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) (261) عدة شعبان إن كان في أول الشهر، وعدة رمضان إن كان في آخر الشهر. الركن الخامس: ((حج البيت)) وهو بيت الله سبحانه وتعالى- أي: قصده لأداء المناسك التي بيَّنها الله سبحانه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. فحج البيت أحد أركان الإسلام، ومن حجِّ البيت العمرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سماها حجا أصغر. ولكن له شروط، منها البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، والاستطاعة، خمسة شروط! فإذا اختلَّ شرط واحد منها فإنه لا يجب. ولكن العجز عن الحج إن كان بالمال فإنه لا يجب عليه، لا بنفسه ولا بنائبه. وإن كان بالبدن: فإن كان عجزا يرجى زواله انتظر حتى يعافيه الله ويزول المانع، وإن كان لا يرجى زواله كالكبر، فإنه يلزمه أن ينيب عنه من يأتي بالحج، لأن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ((إن أبي أدركته فريضة الله على عباده شيخا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه)) قال: (( نعم)) (262) . فأقرَّها النبي صلى الله عليه و سلم . على أنها سمَّت هذا فريضة مع أنه لا يستطيع ، لكنه قادر بماله، فقال النبي عليه الصلاة و السلام: ((حُجِّي عنه)) ! هذه خمسة أركان هي أركان الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و صوم رمضان، و حجُّ بيت الله الحرام. فقال جبريل للنبي صلى الله عليه و سلم لما أخبره بذلك، قال له: ((صَدَقْتَ)) . قال عمر: ((فعجبنا له يسأله و يصدقه)) لأن الذي يصدق الشخص بقوله يعني أن عنده علما من ذلك. فعجبنا كيف يسأله ثم يقول صدقت. و السائل إذا أجيب يقول فهمت، لا يقول صدقت، لكن جبريل- عليه الصلاة و السلام- عنده علم من هذا، و لهذا قال: ((صدقت)). و قوله: ((أخبرني عن الإيمان)) الإيمان محله القلب، الإسلام محله الجوارح و لهذا نقول: الإسلام عمل ظاهري و الإيمان أمر باطني، فهو في القلب. فالإيمان: هو اعتقاد الإنسان للشيء اعتقادا جازما به لا يتطرق إليه الشك و لا الاحتمال، بل يؤمن به كما يؤمن بالشمس في رابعة النهار لا يُمترى فيه ، فهو إقرار جازم لا يلحقه شك موجب لقبول ما جاء في شرع الله، و الإذعان له إذعانا تاما. فقال له: ((الإيمان أن تؤمن بالله، و ملائكته، و كتبه، و رسله، و اليوم الآخر، و تؤمن بالقدر خيره و شره)) هذه ستة أركان هي أركان الإيمان: قوله: ((أن تؤمن بالله)) : أي : تؤمن بأن الله سبحانه موجود ، حي، عليم، قادر، وأنه سبحانه وتعالى رب العالمين، لا رب سواه، و أن له الملك المطلق، و له الحمد المطلق، و إليه يرجع الأمر كله، و أنه سبحانه هو المستحق للعبادة لا يستحقها أحد سواه، سبحانه و تعالى ، و أنه هو الذي عليه التُّكلان، و منه النصر و التوفيق، و أنه متصف بكل صفات الكمال على وجه لا يماثل صفات المخلوقين، لأنه سبحانه و تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:11] . إذاً تؤمن بوجود الله، و بربوبيته وألوهيته، و أسمائه و صفاته، لا بد من هذا، فمن أنكر وجود الله فهو كافر، - العياذ بالله- مخلد في النار، و من تردد في ذلك أو شك فهو كافر، لأنه لا بد في الإيمان من الجزم بأن الله حي، عليم، قادر، موجود. و من شك في ربو بيته فإنه كافر. و من أشرك معه أحد في ربو بيته فهو كافر، فمن قال إن الأولياء يدبِّرون الكون و لهم تصرف في الكون فدعاهم و استغاث بهم و استنصر بهم فإنه كافر و العياذ بالله، لأنه لم يؤمن بالله. و من صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله فهو كافر، لأنه لم يؤمن بانفراده بالألوهية . فمن سجد للشمس أو القمر، أو للشجر، أو للنهر، أو للبحر، أو للجبال، أو للملك، أو لنبي من الأنبياء، أو لولي من الأولياء، فهو كافر كفرا مخرجا عن الملة ، لأنه أشرك بالله معه غيره. و كذلك من أنكر على وجه التكذيب شيئا مما وصف الله به نفسه فإنه كافر، لأنه مكذب لله تعالى و رسوله صلى الله عليه و سلم . فإذا أنكر صفة من صفات الله على وجه التكذيب فهو كافر، لتكذيبه لما جاء في الكتاب و السنة. فإذا قال مثلا: إن الله لم يستوِ على العرش و لا ينزل إلى السماء الدنيا فهو كافر. و إذا أنكرها على وجه التأويل فإنه يُنظر: هل تأويله سائغ يمكن أن يكون محل للاجتهاد أو لا ، فإن كان سائغا فإنه لا يكفر، لكنه يفسق ، لخروجه عن منهج أهل السنة و الجماعة. و أما إذا كان ليس له مسوِّغ، فإن إنكار التأويل الذي لا مسوغ له كإنكار التكذيب ، فيكون أيضا كافرا- و العياذ بالله-. و إذا آمنت بالله على الوجه الصحيح، فإنك سوف تقوم بطاعته ممتثلا أمره مجتنبا نهيه، لأن الذي يؤمن بالله على الوجه الصحيح، لابد أن يقع في قلبه تعظيم الله على الإطلاق، ولابد أن يقع في قلبه محبة الله على الإطلاق، فإذا أحبَّ الله حبا مطلقا لا يساويه أي حب، وإذا عظَّم تعظيما مطلقا لا يساويه أي تعظيم، فإنه بذلك يقوم بأوامر الله وينتهي عما نهى الله عنه. كذلك يجب عليك- من جملة الإيمان بالله- أن تؤمن بأن الله فوق كل شئ، على عرشه استوى، والعرش فوق المخلوقات كلها، وهو أعظم المخلوقات التي نعلمها، لأنه جاء في الأثر: ((إن السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة أُلقيت في فلاة من الأرض)) (263) . السموات السبع على سعتها والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة بالنسبة للأرض. ألقِ حلقة من حلق المغفر في فلاة من الأرض وانظر نسبة هذه الحلقة بالنسبة للفلاة ماذا تكون؟ لا شئ! ما هذه الحلقة بالنسبة للفلاة؟ ليست بشيء. وفي بقية الأثر: ((وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة)). إذاً الكرسي بالنسبة للعرش كحلقة أُلقيت في فلاة من الأرض. فانظر إلى عظم هذا العرش، ولهذا وصفه الله بالعظيم، كما قال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:129]، وقال:﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:15]، فوصفه الله بالمجد والعظمة، وكذلك بالكرم. فهذا العرش استوى الله تعالى فوقه، فالله فوق العرش، والعرش فوق جميع المخلوقات، والكرسي- وهو صغير بالنسبة للعرش- وسع السماوات والأرض، كما قال تعالى:﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ﴾[البقرة:255]، فيجب عليك أن تؤمن بأن الله تعالى فوق كل شئ، وأن جميع الأشياء ليست بالنسبة إلى الله شيئا، فالله تعالى أعظمُ وأجلُّ من أن يحيط به العقل أو الفكر، بل حتى البصر إذا رأى الله- والله سبحانه وتعالى يراه المؤمنون في الجنة- لا يمكن أن يدركوه أو يحيطوا به، كما قال الله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:103] ، فشأن الله أعظمُ شأنٍ وأجلُّ شأن، فلا بد أن تؤمن بالله- سبحانه وتعالى- على هذا الوجه العظيم حتى يوجب لك أن تعبده حق عبادته. ومن الإيمان بالله: أن تؤمن بأن الله تعالى قد أحاط بكل شي علما، وأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم ما في السماوات وما في الأرض من قليل وكثير، وجليل ودقيق ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران:5]. وكذلك تؤمن بأن الله تعالى على كل شئ قدير، وأنه إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون، مهما كان هذا الأمر. وانظر إلى بعث الناس وخَلْقِ الناس، الناس ملايين لا يحصيهم إلا الله- عز وجل- وقد قال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:28] ،كل الخلائق خلقهم وبعثهم كنفس واحدة. وقال الله عز وجل في البعث: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾[النازعـات:14،13]، وترى شيئا من آيات الله في حياتك اليومية، فأن الإنسان إذا نام فقد توفاه الله، كما قال الله تعالى:﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام:60]، لكنها ليست وفاة تامة تفارق فيه الروح الجسد مفارقة تامة، لكن مفارقة لها نوع اتصالٍ بالبدن، ثم يبعث الله النائم من نومه فيحس بأنه قد حيي حياة جديدة، وكان أثر هذا يظهر قبل أن توجد هذه الأنوار الكهربائية، لما كان الناس إذا غشيهم الليل أحسُّوا بالظلمة وأحسوا بالوحشة وأحسوا بالسكون، فإذا انبلج الصبح أحسوا بالأسفار، والنور والانشراح، فيجدون لذة لإدبار الليل وإقبال النهار. أما اليوم فقد أصبحت الليالي كأنها النهار، فلا نجد اللذة التي كنا نجدها من قبل، ولكن مع ذلك يحس الإنسان بأنه إذا استيقظ من نومه فكأنما استيقظ إلى حياة جديدة، وهذه من رحمة الله وحكمته. وكذلك نؤمن بأن الله سميع بصير، يسمع كل ما نقول وإن كان خفيا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:80]، وقال الله عز وجل: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾[طـه:7]، أي: أخفى من السر، وهو ما يُكِنُّه الإنسان في نفسه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾[ق:16]، أي: ما تُحَدِّثُ به نفسه يعلمه الله وإن كان لم يظهر للعباد. وهو- عز وجل- بصير،يبصر دبيب النمل الأسود على الصخرة السوداء في ظلمة الليل، لا يخفى عليه. فإذا آمنت بعلم الله، وقُدرته، وسمعه، وبصره، أوجب لك ذلك أن تراعي ربك- عز وجل- وأن لا تُسمعه إلا ما يرضى به، وأن لا تفعل إلا ما يرضى به، لأنك إن تكلَّمت سمعك، وإن فعلت رآك الله، فأنت تخشى ربك، وتخاف من ربك أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك، وكذلك تخشى من ربك أن تسمعه ما لا يرضاه، وأن تسكت عما أمرك به، كذلك إذا آمنت بتمام قدرة الله فإنك تسأله كلَّ ما تريده مما لا يكون فيه اعتداء في الدعاء. ولا تقل إن هذا بعيد، وان هذا شي لا يمكن! كل شي ممكن على قدرة الله. فها هو موسى- عليه الصلاة والسلام- لما وصل إلى البحر الأحمر هاربا من فرعون وقومه، أمره الله أن يضرب البحر بعصاه، فَضَرَبَهُ، فانفلق اثني عشر طريقا، كان الماء بين هذه الطرق كالجبال. وفي لحظة يبسَ البحر وصاروا يمشون عليه كأنما يمشون على صحراء لم يصبْها الماء أبدا بقدرة الله سبحانه وتعالى. ويذكر أن سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه- لما كان يفتح بلاد فارس ووصل إلى دجلة- النهر المعروف في العراق- عَبَرَ الفرس النهر مشرقين وكسروا الجسور وأغرقوا السفن لئلا يعبر إليهم المسلمون، فاستشار- رضي الله عنه- الصحابة، وفي النهاية قرَّروا أن يعبروا النهر، فعبروا النهر يمشون على سطح الماء بخيلهم وإبلهم ورجلهم لم يمسهم سوء! فمن الذي أمسك هذا النهر حتى صار كالصفاء، كالحجر يسير عليه الجند من غير أن يغرقوا؟ إنه هو الله- عز وجل- الذي على كل شئ قدير. وكذلك جرى للعلاء بن الحضرمي - رضي الله عنه- حينما غزا البحرين واعترض لهم البحر، دعا الله- سبحانه وتعالى- فعبروا على سطح الماء من غير أن يَمَسَّهم سوء. وآيات الله كثيرة، فكل ما أخبر الله به في كتابه أو أخبر به رسوله- عليه الصلاة والسلام- أو شاهده الناس من خوارق العادات فإن الإيمان به من الإيمان بالله، لأنه إيمان بقدرة الله سبحانه وتعالى. ومن الإيمان بالله- سبحانه وتعالى- أن تعلم أنه يراك، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الناس، تجده يتعبد لله وكأن العبادة أمر عادي يفعله على سبيل العادة، لا يفعلها كأنه يُشاهدُ ربه عز وجل، وهذا نقص في الإيمان ونقص في العمل. ومن الإيمان بالله:أن تؤمن بأن الحكم لله العلي الكبير! الحكم الكوني والشرعي كله لله لا حاكم إلا الله- سبحانه وتعالى- وبيده كل شئ، كما قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:26]. فكم من مَلِكٍ سُلبَ ملكه بين عشيَّةٍ وضحاها، وكم من إنسان عادي صار ملكا بين عشية وضحاها، لأن الأمر بيد الله. وكم من إنسان عزيز يرى أنه غالب لكل أحد، فيكون أذل عباد الله بين عشية وضحاها! وكم من إنسان ذليل يكون عزيزا بين عشية وضحاها، لأن الملْكَ والحكم لله سبحانه وتعالى. وكذلك الحكم الشرعي لله، ليس لأحد، فالله تعالى هو الذي يحلل ويحرم ويوجب، وليس أحد من الخلق له الفصل في ذلك. فالإيجاب والتحليل والتحريم لله، ولهذا نهى الله عباده أن يصفوا شيئا بالحلال والحرام بدون إذن، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل:117،116] . فالحاصل أن الإيمان بالله بابه واسع جدا، ولو ذهب الإنسان يتكلم عليه لبقي أياما كثيرة، ولكن الإشارة تُغني عن طويل العبارة.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وملائكته)): والملائكة: هم عالم غيبي، خلقهم الله- سبحانه وتعالى- من نور، وجعل لهم أعمالا خاصة، كل منهم يعمل بما أمره الله به، وقد قال الله في ملائكة النار: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]، فهم ليس عندهم استكبار عن الأمر ولا عجز عنه، يفعلون ما أُمروا به ويقدرون عليه، بخلاف البشر، فالبشر قد يستكبرون عن الأمر، وقد يعجزون عنه، أما الملائكة فخُلقوا لتنفيذ أمر الله، سواء في العبادات المتعلقة بهم أو في مصالح الخلق. فمثلا جبريل عليه الصلاة والسلام- أشرف الملائكة- موكل بالوحي، ينزل به من الله على رُسُلِه وأنبيائه، فهو موكل بأشرف شيء ينتفع به الخلق والعباد، وهو ذو قوة، أمين مطاع بين الملائكة، ولهذا كان أشرف الملائكة. كما أن محمداً صلى الله عليه وسلم أشرف الرسل قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [النجم:6،5]، يعني علَّم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ أي ذو القوة الشديدة وهو جبريل، ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي ذو هيئة حسنة ﴿فَاسْتَوَى﴾ أي: كَمُلَ وعلا ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾. وقال عز وجل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أي: جبريل ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ(20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: 21،19]. ومن هؤلاء أيضا من وكِّلوا بمصالح الخلق من جهة أخرى في حياة الأرض والنبات، مثل ميكائيل- عليه الصلاة والسلام- فإن ميكائيل مُوَكَّل بالقَطْر- المطر- والنبات، وفيهما حياة الأبدان، حياة الناس وحياة البهائم. فالأول جبريل مُوَكَّل بما فيه حياة القلوب وهو الحي وميكائيل مُوَّكل بما فيه حياة الأبدان وهو القطر والنبات. ومنهم إسرافيل- عليه الصلاة والسلام- وهو أحد حملة العرش العظام، وهو مُوكَّل بالنفخ في الصور، وهو قرن عظيم دائرته كما بين السماء والأرض، ينفخُ فيه إسرافيل. فإذا سمعه الناس سمعوا صوتا لا عهدَ لكم به، صوتا مزعجا، فيفزعون ثم يُصقعون، أي يموتون من شدة هذا الصوت، ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:68]، تتطاير الأرواح من هذا القرن، من هذا الصور، ثم ترجع كل روح إلى بدنها الذي تعمره في الدنيا، لا تخطئه شعرة بأمر الله عز وجل. فكل هؤلاء الثلاثة موكَّلون بما فيه الحياة! فجبريل موكَّل بما فيه حياة القلوب، وميكائيل بما فيه حياة النبات والأرض، وإسرافيل بما فيه حياة الأبدان. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يُثني على الله بربوبيته لهؤلاء الملائكة الثلاثة في افتتاح صلاة الليل، فكان يقول في افتتاح صلاة الليل بدل ((سبحانك اللهم وبحمدك)) (264)، يقول: ((اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)) (265). ومنهم من وُكِّل بقبض الأرواح وهو ملَك الموت، وله أعوان يساعدونه على ذلك، وينزلون بالكفن والحنوط للروح التي تخرج من الجسد إن كان من أهل الإيمان- جعلنا الله منهم- فإنهم ينزلون بكفن من الجنة وحنوط من الجنة، وإن كانوا من أهل النيران نزلوا بحنوط من النار وكفن من النار، ثم يجلسون عند المحتَضَرِ الذي حضر أجله ويخرجون روحه حتى تبلغ الحلقوم، فإذا بلغت الحلقوم استلَّها ملك الموت ثم أعطاهم إياها فوضعوها في الحنوط والكفن، فالملائكة تكفن وتحنط الروح، والبشر يكفنون ويحنطون البدن، فانظر إلى عناية الله بالآدمي، ملائكة يكفنون روحه، وبشر يكفنون بدنه، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:61]، لا يفرِّطون في حفظها: ولا يفرطون فيها. وملك الموت أعطاه الله تعالى قدرة على قبض الأرواح في مشارق الأرض ومغاربها، يقبضها ولو ماتوا في لحظة واحدة، لو فُرض أن جماعة أصابهم حادث وماتوا في آن واحد، فإن ملك الموت يقبض أرواحهم في آن واحد. ولا تستغرب، لأن الملائكة لا يُقاسون بالبشر، لأن الله أعطاهم قدرة عظيمة أشد من الجن. فالجن أقوى من البشر، والملائكة أقوى من الجن. وانظر إلى قصة سليمان- عليه الصلاة والسلام- حيث قال: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ عفريت يعني قوي شديد ﴿أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل:39،38] ، ومكان العرش في اليمن ،وسليمان في الشام ، مسيرة شهر بينهما ، ومع ذلك قال له: ﴿أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ وكان سليمان عادة يقوم من مقامه في ساعة معينة، فـ ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾[النمل:40]، والثاني أسرع من الأول، أي: مدة بصرك ما ترده إلا وقد جاءك ﴿فَلَمَّا رَءَاهُ﴾ حالا رآه ﴿مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ﴾ قال العلماء: إن هذا الذي عنده علم من الكتاب دعا الله باسمه الأعظم، فحملت الملائكة العرش من اليمن إلى الشام في هذه اللحظة. إذاً فالملائكة أقوى من الجن. فلا تستغرب أن يموت الناس في مشارق الأرض ومغاربها وأن يقبض أرواحهم ملك واحد، كما قال الله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾[السجدة:11] . فإذا قال الله لهذا الملَك اقبض روح كل من مات، هل يمكن أن يقول لا؟ لا يمكن! لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ولهذا لما قال الله للقلم اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، والقلم جماد، كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فالله- عز وجل- إذا أمر بأمر لا يمكن أن يعصي إلا المرَدَةُ من الجن أو من بني آدم، أما الملائكة فلا يعصون الله؟! وهؤلاء أربعة من الملائكة. والملَك الخامس مالك، الموكَّل بالنار، وهو خازنها، وقد ذكره الله في قوله عن أهل النار:﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:77]، يعني: ليُمِتنا ويُهلكنا ويُرحنا مما نحن فيه! قال: إنكم ماكثون! السادس: خازن الجنة: وَوَرَدَ في بعض الآثار أن اسمه(رضوان) وهذا وكِّل بالجنة كما أن مالكا وكِّل بالنار. فمن علِمنا اسمه من الملائكة آمنا به باسمه، ومن لم نعلم باسمه آمنا به على سبيل الإجمال، آمنا بعمله الذي نعلمه وبوصفه وبكلِّ ما جاء به الكتاب والسنة من أوصاف هؤلاء الملائكة.
مسألة: قلنا إن الملائكة عالم غيبي، فهل يمكن أن يُرَوا؟ الجواب: نعم قد يُرَون، إما على صورتهم التي خُلقوا عليها، وإما على صورة من أراد الله أن يكون على صورته! فجبريل رآه النبي صلى الله عليه وسلم على صورته التي خلقه الله عليها في موضعين، في الأرض وفي السماء: في الأرض عند غار حراء قرب مكة، وفي السماء عند سدرة المنتهى، كما قال الله ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:14،13]، رآه وله ستمائة جناح قد سد الأفق، أي: ملا الأفق كله وله ستمائة جناح، ولا يعلم قدرة الأجنحة إلا الله عز وجل، لكن إذا كان الشيء عاليا وسد الأفق فمعناه أنه واسع جدًا. هذا الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم على صورته مرتين، أحيانًا يأتيه بصورة إنسان كما في حديث عمر- رضي الله عنه- الذي معنا في قصة جبريل، فقد جاءه بصورة رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه الصحابة، والله على كل شيء قدير، قد أعطاهم الله سبحانه وتعالى ذلك أن يَتَصَوَّروا بصور البشر، إما باختيارهم وإما بإرادة الله، الله يأمرهم أن يكونوا على هذه الصورة فالله أعلم. إنما هذه حال الملائكة- عليهم الصلاة والسلام- وتفاصيل ما ورد فيهم مذكور في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن علينا أن نؤمن بهؤلاء الملائكة وأنهم أقوياء أشداء، قال الله لهم في غزوة بدر: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:12]، فكانوا يقاتلون مع الصحابة في بدر، فيُرى الكافر يسقط مضروبا بالسيف على رأسه ولا يدري من الذي قتله، والذي قتله هم الملائكة، لأن الله قال لهم: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:13،12] فعلينا أن نؤمن بهم، من عَلمْناه بعينه آمنا به بعينه، وإلا فبالإجمال. وأن نؤمن بمن جاء عنهم من عبادات وأعمال على وفق ما جاء في الكتاب والسنة، والإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة، ومن أنكرهم، أو كذَّب بهم، أو قال: إنهم لا وجودَ لهم، أو قال: إنهم هم قوى الخير، والشياطين هم قوى الشر، فقد كفر كفرا مخرجا عن الملة، لأنه مكذب لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين. وقد ضل قوم غاية الضلال حيث أنكروا أن يكون هنالك ملائكة- والعياذ بالله- وقالوا: إن الملائكة عبارة عن قوى الخير وليس هناك شيء يسمى عالم الملائكة. وهؤلاء إن قالوا ذلك متأولين فإن الواجب أن نبيِّن لهم أن هذا تأويل باطل، بل تحريف، وإن قالوه غير متأولين فإنهم كفار، مكذبون لما جاء به الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة من وجود الملائكة، والله قادر على أن يخلق عالما كاملا لا يحس به البشر عن طريق حواسهم المعتادة، فها هم الجن موجودون ولا إشكال في وجودهم، ومع ذلك لا تدركهم حواسنا الظاهرة كما تدرك الأشياء الظاهرة. ولله تعالى في خلقه شؤون.
وقوله: ((وَكُتُبِهِ)) وهو الركن الثالث، والكتب جمع كتاب، والمراد به الكتاب الذي أنزله الله على الرسل. فكل رسول له كتاب، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى:17]، وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد:25]. لكن من الكتب ما لا نعلمه ومنها مانعلمه! فالتوراة، وهي الكتاب الذي أنزله الله على موسى- عليه الصلاة والسلام- معلوم، والإنجيل، وهو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى- عليه الصلاة والسلام- معلوم، وصحف إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- مذكورة في القرآن، وزبور داوُد- عليه الصلاة والسلام- مذكور في القرآن، وصحف موسى- عليه الصلاة والسلام- إن كانت غير التوراة مذكورةٌ في القرآن أيضا. فما ذكر الله اسمه في القرآن وجب الإيمان به بعينه واسمه، وما لم يذكر فإنه يؤمن به إجمالا. فنؤمن بأن الله أنزل على موسى- عليه الصلاة والسلام- كتابا هو التوراة، وعلى عيسى كتابا هو الإنجيل، وعلى داود عليه الصلاة والسلام- كتابا هو الزبور، وعلى إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- صحفا، هكذا نقول. ولا يعني ذلك إن ما وُجِدَ عند النصارى اليوم هو الذي نزل على عيسى، لأن الأناجيل الموجودة عند النصارى اليوم محرَّفة ومغيّضرة ومبدَّلة، لعب بها قساوسة النصارى فزادوا فيها ونقصوا وحرفوا، ولهذا تجدها تنقسم إلى أربعة أقسام أو خمسة، ومع ذلك فإن الكتاب الذي نزل على عيسى كتاب واحد، لكن الله تعالى إنما تكفل بحفظ الكتاب الكريم الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لا نبي بعده، يبيِّن للناس ما هو الصحيح، وما هو المحرف. أما الكتب السابقة فإنها لم تخلُ من التحريف، لأنه سيبعث أنبياء يُبيِّنون فيها الحق ويُبيِّنون فيها المحرّضف، وهذا هو السر في أن الله تكفل بحفظ القرآن دون غيره من الكتب، من أجل أن يعلم الناس حاجتهم إلى الأنبياء إذا وجدوا الكتب محرفة، فتأتي الأنبياء وتبيِّن الحق. فالمهم أن نؤمن بأن الكتاب الذي نزل على النبي المعين حق من عند الله، لا على أن الكتاب الذي في أيدي أتباعه اليوم هو الكتاب الذي نزل، بل قطعا إنه محرَّف ومغيَّر ومبدَّل. ومن الإيمان بالكتب أن تؤمن بأن كل خبر جاء فيها فهو حق، كما أن كل خبر في القرآن فهو حق، لأن الأخبار التي جاءت في الكتب التي نزلت على الأنبياء من عند الله،وكل خبر من عند الله فهو حق،وكذلك تؤمن بأن كل حكم فيها صحيح من عند الله فهو حق ، يعني كل حكم لم يحرَّف ولم يغيَّر فهو حق، لأن جميع أحكام الله التي ألزم الله بها عباده كلها حق، لكن هل هي بقيت إلى الآن غير محرفة؟ هذا السؤال بيَّنا الجواب عليه بأنها غير مأمونة، بل مغيَّرة ومحرَّفة ومبدَّلة. ولكن هل علينا أن نعمل بالأحكام التي جاءت بها الكتب السابقة؟ نقول: أما ما قصَّهُ الله علينا من هذه الكتب، فإننا نعمل به ما لم يرِد شرعنا بخلافه. مثاله قوله تعالى عن التوراة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:45]، هذه مكتوبة في التوراة ونقلها الله- عز وجل- لنا في القرآن، لكن الله- عز وجل- لم يقصَّها علينا إلا من أجل أن نعتبر ونعمل بها، كما قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:111]، وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:90]، فما قصه الله علينا وما نقله لنا من الكتب السابقة فهو شرع لنا، لأن الله لم يذكره عبثا، إلا إذا ورَدَ شرعنا بخلافه، فإذا ورد شرعنا بخلافه صار ناسخا لها. كما أن من الآيات الشرعية النازلة في شرعنا ما يكون منسوخا بآيات أخرى، فكذلك ما ذكره الله عن الكتب السابقة نقلا فإنه قد ينسخ بهذه الشريعة. أما ما جاء في كتبهم فإننا لا نصدقه ولا نكذبه، كما أمر بذلك النبي- عليه الصلاة والسلام- فيما إذا حدثنا بنو إسرائل أن لا نصدقهم ولا نكذبهم، لأننا ربما نصدقهم بالباطل وربما نكذبهم بحق، فنقول: آمنا بالله وما أُنزل إلينا وما أُنزل إليكم، ولا نصدقهم ولا نكذبهم إذا كان لم يشهد شرعنا بصحته ولا بكذبه. فإن شهد بصحته أو بكذبه عملنا ما تقتضيه هذه الشهادة، إن شهد بصحته صدقناه، وإن شهد بكذبه كذبناه. ومن ذلك ما يُنسب في أخبار بني إسرائيل إلى أخبار بعض الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- كما ذُكر عن داود أنه أعجبته امرأة رجل من جنده وطلب من الجندي أن يذهب إلى العدو ويقاتل لعله يُقتل فيأخذ امرأته من بعده! وأنه أرسل الجندي فبعث الله إليه جماعة من الملائكة يختصمون إليه فقال أحد الخصمين: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ(23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾[ص:24،23] ، قالوا فهذا مَثَلٌ ضربه الله لداود حيث كان عنده من النساء ما يبلغ تسعا وتسعين امرأة، فحاول أن يأخذ امرأة هذا الجندي ليُكملَ بها المائة! فهذه القصة كذب واضح(266) ، لأن داود- عليه الصلاة والسلام- نبي من الأنبياء، ولا يمكن أن يتحيل هذه الحيلة، بل لو أنه غيرُ نبيٍّ ما فعل هذا وهو عاقل فكيف وهو نبي؟! فمثل هذه القصة التي جاءت عن بني إسرائيل نقول إنها كذب، لأنها لاتليق بالنبي، ولا تليق بأي عاقل، فضلا عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
الخلاصة: أن ما جاء في كتبهم ينقسم إلى قسمين رئيسيين:
أولا: ما قصه الله علينا في القرآن أو قصه علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا مقبول صحيح.
والثاني: ما نقلوه هم، فهذا لا يخلوا من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يشهد شرعنا بكذبه، فيجب علينا أن نكذِّبه ونردَّه.
والثانية: ما شهد شرعنا بصدقه فنصدقه ونقبله لشهادة شرعنا به.
والثالث: ما ليس هذا ولا هذا، فيجب علينا أن نتوقف، لأنهم لايؤمنون، ويحصل في خبرهم الكذب والتغيير والزيادة والنقص.
قوله: ((وَرُسُلِهِ)) هذا هو الركن الرابع. الرسلُ هم البشر الذين أرسلهم الله سبحانه وتعالى إلى الخلق وجعلهم واسطة بينه وبين عباده في تبيلغ شرائعه، وهم بشر خلقوا من أبٍ وأم، إلا عيسى ابن مريم- عليه الصلاة والسلام- فإن الله خلقه من أم بلا أب. أرسلهم الله سبحانه وتعالى رحمة بالعباد وإقامة للحجة عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:163ـ 165]. وهم عدد كثير، أولهم نوح وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ وقد صحَّ في الصحيحين وغيرهما في حديث الشفاعة: (( أن الناس يوم القيامة يأتون إلى نوح فيقولون له: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض)) (267). أما دليل كون النبي- عليه الصلاة والسلام- آخر الرسل فهو قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:40] وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أنا خاتم النبيين)) (268). فعلينا أن نؤمن بأن جميع الرسل الذين أرسلهم الله صادقون فيما بلَّغوا به عن الله وفي رسالتهم.
- علينا أن نؤمن بأسماء من عُيِّنت أسماؤهم لنا ومن لم تُعيَّن أسماؤهم لنا،فإننا نؤمن بهم على سبيل الإجمال.
- علينا أيضا أن نؤمن أن ما من أمة إلا أرسل الله إليها رسولا لتقوم عليهم الحجة، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:36]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:24].
وعلينا أن نُصَدِّقَ بكل ما أخبرتْ به الرسل إذا صح عنهم من جهة النقل ونعلم أنه حق. وعلينا أن نتبع خاتمهم محمَّدًا صلى الله عليه وسلم، لأنه هو الذي فرض علينا اتِّباعه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:158]، فأمرنا الله تعالى باتباعه. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:31]، أما ما سواه من الرسل فإننا نتبعهم إذا ورد شرعنا بالأمر باتباعهم، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: ((أفضل الصلاة صلاة أخي داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثُلُثه وينام سُدُسه، وأفضل الصيام صيام أخي داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما)) (269)، فهذا حكاية لتعبد داود وتهجده في الليل، وكذلك صيامه، من أجل أن نتبعه فيه. أما إذا لم يرد شرعنا بالأمر باتباعه فقد اختلف العلماء- رحمهم الله- هل شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بالأمر بخلافه، أو أنه ليس بشرع لنا حتى يرد شرعنا بالأمر باتباعه؟ والصحيح أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد شرعنا بخلافه، لأنه تعالى لما ذكر الأنبياء والرسل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾[الأنعام:90]، فأمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهدي من سبقه وقال الله تعالى:﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:111]، وهذه آخر سورة يوسف التي قصَّ الله تعالى علينا قصته مطولة من أجل أن نعتبر بما فيها. ولهذا أخذ العلماء- رحمهم الله- من سورة يوسف فوائد كثيرة، في أحكام شرعية في القضاء وغيره، وأخذوا منها: العمل بالقرائن عند الحكم، لقوله تعالى:﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ( 26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:27،26]، فقالوا: هذه قرينة، لأنه إذا كان القميص قُدَّ من قُبلٍ فالرجل هو الذي طلبها فقدَّت قميصَه، وإذا كان من دُبُر- من الخلف- فهي التي طلبته وجَرَّت قميصه حتى انقد، فهذه قرينة ثبت بها الحكم، والعلماء اعتمدوا هذه القرينة وإن كان في السنة ما يدل على الحكم بالقرائن في غير هذه المسألة. لكن القول الراجح في ((شرع من قبلنا أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه))، وللرُّسُل- عليهم الصلاة والسلام- علينا: أن نحبهم، وأن نعظمهم بما يستحقون، وأن نشهد بأنهم في الطبقة العليا من طبقات أهل الخير والصلاح، كما قال الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾[النساء:69].
أما الركن الخامس فهو: ((الإيمان باليوم الآخر)). واليوم الآخر: هو يوم القيامة، وسمي يوم القيامة باليوم الآخر لأنه لا يوم بعده. فالإنسان له مراحل أربع: مرحلة في بطن أمه، ومرحلة في الدنيا، ومرحلة في البرزخ، ومرحلة يوم القيامة، وهي آخر المراحل، ولهذا سمي اليوم الآخر، يسكن فيه الناس ، إما في الجنة نسأل الله أن يجعلنا منهم، و إما في النار- والعياذ بالله- فهذا هو المصير. والإيمان باليوم الآخر يدخل فيه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- في كتاب((العقيدة الواسطيَّة)) وهو كتاب مختصر في عقيدة أهل السنة والجماعة، من أحسن ما كتبه شيخ الإسلام- رحمه الله- في جمعهِ ووضوحهِ وعدمِ الاستطرادات الكثيرة. يقول رحمه الله: ((يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت)) (270) .
- فمن ذلك: فتنة القبر: إذا دُفن الميت أتاه ملكان يجلسانه ويسألانه ثلاثة أسئلة، يقولان: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك!؟
فيثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت - أسأل الله أن يجعلني و إياكم منهم- فيقول المؤمن: ربي الله، و ديني الإسلام، و نبيِّي محمد ، فينادي منادٍ من السماء أن صَدَق عبدي فأفرشوه من الجنة و ألبسوه من الجنة و افتحوا له بابا إلى الجنة. و يُفسح له في قبره مد البصر و يأتيه من الجنة روحها، و يشاهد فيها ما يشاهد من النعيم . و أما المنافق- و العياذ بالله- أو الكافر، فيقول: هاه هاه .. لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، لأن الإيمان لم يصل إلى قلبه، إنما هو بلسانه فقط فهو يسمع و لا يدري ما المعنى، ولايُفتحُ عليه في قبره. هذه فتنة عظيمة جدا و لهذا أمرنا النبي- عليه الصلاة و السلام- أن نستعيذ بالله منها في كل صلاة((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، و عذاب النار)) (271).
- و من ذلك أيضا أن نؤمن بنعيم القبر و عذاب القبر. نعيم القبر لمن يستحق النعيم من المؤمنين، و عذاب القبر لمن يستحق العذاب، و قد جاء ذلك في القرآن و السنة، و أجمع عليه أهل السنة و الجماعة.
- ففي كتاب الله يقول تبارك و تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ( 31)الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[النحل:32]، [ أي :عند الوفاة] . و يقول الله سبحانه و تعالى في آخر سورة الواقعة: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة:89،88] ، يقول هذا في حال ذكر المحتضر إذا جاءه الموت . إذا كان من المقربين فَلَهُ روحٌ ورَيحان و جنة نعيم في نفس اليوم . أما عذاب القبر فاستمع إلى قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أي: سكرات الموت ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ مادين أيديهم لهذا المحتضر من الكفار ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ وكأنهم شحيحون بأنفسهم،لأنها تُبَشِّر- و العياذ بالله- بالعذاب، فتهرب في البدن و تتفرَّق و يشح بها الإنسان، فيقال: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:93] ، أي: اليوم يوم موتهم عند احتضارهم.
و قال الله سبحانه في آل عمران: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ فقال: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ هذا قبل قيام الساعة ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. و لكن يجب علينا أن نعلم أن هذا النعيم و العذاب أمر غيبي لا نطلع عليه، لأننا لو اطلعنا عليه ما دَفَنَّا أمواتنا، لأن الإنسان لا يمكن أن يُقِّدم ميِّته لعذاب يسمعه، يفزع، لأن الكافر أو المنافق إذا عجز عن الإجابة يضرب بمرزبةٍ- قطعة من الحديد مثل المطرقة- من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شئ إلا الإنسان قال النبي صلى الله عليه و سلم : ((ولو سمعها الإنسان لصعق)) .
و قال النبي صلى الله عليه و مسلم : ((لو لا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر)) (272) ، و لكن من نعمة الله أننا لا نعلم به حسًّا، بل نؤمن به غيبا و لا ندركه حسا. كذلك لو كان عذاب القبر شهادة وحسا لكان فيه فضيحة! إذا مررت بقبر إنسان وسمعته يعذَّب ويصيح ففيه فضيحة له.
ثالثا: ولو أن شهادة يحسُّ لكان هذا قلقًا على أهله وذويه، فلا ينامون في الليل وهم يسمعون صاحبهم يصيح ليلا ونهارا من العذاب، لكن من رحمة الله- سبحانه وتعالى- أن الله جعله غيبا لا يُعلمُ عنه، فلا يأتي شخص ويقول: إننا لو حفرنا القبر بعد يومين لم نجد أثرا للعذاب؟ نقول: لأن هذا أمر غيبي، على أن الله تعالى قد يطلع على هذا الغيب من شاء من عباده، فربما يطلع عليه، فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرين في المدينة وقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبيرة، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)) (273)، فأطلَعَ الله نبيه على هذين القبرين أنهما يعذبان. فالحاصل أنه يجب علينا أن نؤمن بفتنة القبر ، وهي سؤال الملَكين عن ربه ودينه ونبيه، وأن نؤمن بنعيم القبر أوعذابه
- ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: أن يؤمن الإنسان بما يكون في نفس اليوم الآخر، وذلك أنه إذا نُفخَ في الصور النفخة الثانية قام الناس في قبورهم لله رب العالمين حفاة ليس عليهم نِعال، وعراة ليس عليهم ثياب، وغرلا ليس مختونين، وبُهمًا ليس معهم مال، كل الناس حتى الأنبياء والرسل يُبعثون هكذا، كما قال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:104]، فكما أن الإنسان يخرج من بطن أمه هكذا عاريا غير منتعل، غير مختون، ليس معه مال، فكذلك يخرج من بطن الأرض يوم القيامة على هذه الصفة، يقومون لرب العالمين الرجال والنساء، والصغار والكبار، والكفار والمؤمنون، كلهم على هذا الوصف حفاة غرلا بهمًا، ولا ينظر بعضهم إلى بعض، لأنه قد دهاهم من الأمر ما يشغلهم عن نظر بعضهم إلى بعض، فالأمر أعظم من أن ينظر بعض الناس إلى بعض. ربما تكون المرأة إلى جنب الرجل ولا ينظر إليها ولا تنظر إليه، كما قال اله عز وجل: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾[عبس: 33 ـ 37]. ومن الإيمان باليوم الآخر: أن تؤمن بأن الله- سبحانه وتعالى- يبسط هذه الأرض ويمدها كما يمد الأديم أي الجلد، لأن أرضنا اليوم كرة مستديرة منبعجة بعض الشيء من الجنوب والشمال، لكنها مستديرة كما يفيد قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾[الانشقاق:1ـ 3]، معناه أنها لا تمد إلا إذا انشقت السماء، وذلك يوم القيامة، فتُبسط الأرض كما يبسط الجلد المدبوغ، ليس فيها أودية ولا أشجار ولابناء ولا جبال، يَذَرُها الرب- عز وجل- قاعا صفصفا لا ترى فيها عِوَجا ولا أَمْتًا، يُحشر الناس عليها على الوصف المذكور آنفا، وتطوى السماوات، يطويها الرب- عز وجل- بيمينه، وتُدنى الشمس من الخلق حتى تكون فوق رؤوسهم بقدر ميل، إما مسافة وإما ميل المكحلة وأيًّا كان فهي قريبة من الرؤوس، لكننا نؤمن بأن من الناس من يَسْلَمُ من حرها، وهم الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه، ومنهم السبعة الذين ذكرهم الرسول في نسق واحد، فقال عليه الصلاة والسلام: ((سبعة يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابَّا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)) (274). الإمام العادل: هو الذي عدل في رعيته، ولا عدل أقوم ولا أوجب من أن يحكِّم فيهم شريعة الله، هذا رأس العدل، لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، فمن حكم شعبه بغير شريعة الله فإنه ما عدل، بل هو كافر والعياذ بالله، لأن الله قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:44]. فإذا وضَعَ هذا الحاكم قوانين تخالف الشريعة وهو يعلم أنها تخالف الشريعة، ولكنَّه عدل عنها وقال: أنا لا أعدل عن القانون، فإنه كافر ولو صلَّى، ولو تصدَّق، ولو صام، ولو حجَّ، ولو ذكر الله تعالى،ولو شهد للرسول- عليه الصلاة والسلام- بالرسالة، فإنه كافر مخلد في جهنم يوم القيامة ولا يجوز أن يتولى على شعب مسلم إذا قدرَ الشعب على إزاحته عن الحكم. فأهمُّ العدل في الإمام أن يحكم في الناس بشريعة الله. ومن العدل أن يُسَوِّيَ بين الفقير والغني، وبين العدو والولي، وبين القريب والبعيد، حتى العدو يسوِّي بينه وبين الولي في مسألة الحكم، حتى إنَّ العلماء رحمهم الله قالوا: لو دخل على القاضي رجلان أحدهما كافر والثاني مسلم، حرم عليه أن يُمَيِّزَ المسلم بشيء، فيدخلان جميعا ويجلسان جميعا، فلا يتحدث لواحد دون الآخر، ولا يَبَشُّ في وجه المسلم ويُكَشِّرُ في وجه الكافر! وهما في مقام الحكم، بل يجب أن يسوي بينهما، مع أن الكافر لا شك أنه ليس كالمسلم ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:36،35]، لكن في باب الحكم الناس سواء. ومن العدل: أن يقيم الحدود التي فرضها الله- عز وجل- على كل أحد، حتى على أولاده وذُرِّيته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعدل الأئمة، لما شُفع إليه في امرأة من بني مخزوم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها ، فشفع إليه أُسامة- رضي الله عنه- فيها ، فقال له: ((أتشفعُ في حدٍ من حدود الله))؟! أنكَرَ عليه، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أما بعد.. فإنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وايم الله- أي أحلف بالله- لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) (275) صلى الله عليه وسلم، فاطمة بنت محمد أشرف النساء! سيدة نساء أهل الجنة، بنت أفضل البشر، لو سرقت لقطع يدها وهو أبوها. وتأمل((لقَطَعْتُ يَدَها)) ولم يقل لأمرتُ بقطع يدها! فظاهره أنه هو الذي يباشر قطعها لو سرقت. هذا العدل، وبهذا قامت السماوات والأرض. ومن عدل الإمام أن يُوِلِّي المناصب من هو أهل لها في دينه وفي قوَّته، فيكون أمينا وقويا، أهلا للأمر الذي وُلِّي عليه. وأركان الولاية اثنان: القوة، والأمانة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، ﴿قال عفريت من الجن﴾ لسليمان:﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ أي: بعرش بلقيس ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل:39]، فمن العدل أن لا يوَلِّي أحدا منصبا إلا وهو أهل له في قوته وفي أمانته، فإن ولَّى من ليس أهلا ويوجد مَن هو خير منه فليس بعادل. فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الإمام العادل من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وجعله أول هؤلاء السبعة، لأن العدل في الرَّعيَّة صعب جدا، فإذا وفِّقَ المرء الذي يوليه الله على عباده للعدل نال في هذا خيرًا كثيرًا، وانتفعت الأمة في عصره ومن بعده أيضا، لأنه يكون قدوة صالحة، فهذا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.ثانيا: ((شاب نشأ في طاعة الله)): الشاب ما بين الخامس عشرة سنة إلى الثلاثين. ولا شك أن يكون للشباب اتجاهات وأفكار، ولا يستقر على شئ، لأنه شابٌ غضٌ، كل شئ يجذبه، وكل شئ يختطفه، ولهذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في الحرب أن تُقتلَ شيوخُ المقاتلين المشركين ويستبقى شبابهم، لأن الشباب إذا عُرض عليهم الإسلام ربما يسلمون. فالشاب لما كان في سن الشباب يكون له أفكار وأهواء واتجاهات فكرية وخُلقيَّة وسلوكية، صار الذي يمنُّ الله عليه وينشأ في طاعته من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وطاعة الله هي امتثال أمر الله واجتناب نهيه، ولا امتثال للأمر واجتناب للنهي إلا بمعرفة أن هذا أمر وهذا نهي، إذن لا بد من سبق العلم، فيكون هذا الشاب طالبا للعلم، ممتثلا للأمر، مجتنبا للنهي. الثالث: ((رجُلٌ قلبُهُ معلَّقٌ بالمساجد)): أي : يحب المساجد. وهل المقصود أماكن السجود؟ أي أنه يحب كثرة الصلاة، أو المقصود المساجد المخصوصة؟ يحتمل هذا وهذا. هذا رجل قلبه دائما معلق بالمساجد، وهو مشغول في أماكن الصلاة، وفي الصلاة. إذا انتهى من صلاة انتظر الأخرى، وهكذا. وهنا فرق بين قول الإنسان: (( اللهم أرحني بالصلاة))، و((اللهم أرحني من الصلاة)). أرحني بالصلاة: هذا خير، أي اجعل الصلاة راحة لقلبي. وأرحني من الصلاة: أي فُكَّني عنها. أعوذ بالله! فهذا الرجل قلبه معلَّق بالمساجد دائما، وهو مشغول بأماكن الصلاة وبالصلاة، إذا انتهى من صلاة انتظر الأخرى، وهكذا. الرابع: ((رجلان تحابَّا في الله، اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه)) أي: أحب بعضهما بعضا لا لشيء سوى الله- عز وجل- فليس بينهما قرابة ولا صلة مالية، وليس بينهما صداقة طبيعيَّة ، إنما أحبه في الله- عز وجل- لأنه رآه عابدا لله مستقيما على شرعه فأحبَّه، وإذا كان قريبا أو صديقا وما أشبه ذلك فلا مانع أن يحبه من وجهين: من جهة القرابة والصداقة، ومن الجهة الإيمانية. فهذان تحابَّا في الله وصارا كالأخوين، لما بينهما من الرَّابطة الشَّرعيَّة الدينيَّة، وهي عبادة الله سبحانه وتعالى. ((اجتمعا عليه)) في الدنيا ((وتفرَّقا عليه)) أي: لم يفرِّق بينهما إلا الموت، يحبه إلى أن مات، هذان يظلهما الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ويكونان يوم القيامة على محبتهما وعلى خلتهما، كما قال الله تعالى: ﴿الإخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾[الزخرف:67]، تبقى الصداقة بينهما في الدنيا و الآخرة. اللهم إنا نسألك من فضلك. الخامس: ((ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله)) رجل قادر على الجماع، دعَتْه امرأة ليجامعها بالزنا- والعياذ بالله- ذات منصب وجمال، أي أنها من حمائل معروفة، ليست من سقط النساء بل من الحمائل المعروفة، وهي جميلة، دَعَتْهُ إلى نفسها في مكان خالٍ لا يطلعُ عليهما أحد، وهو فيه شهوة، ويحب النساء، لكنه قال : إني أخاف الله! لم يمنعهُ من فعل هذا إلا خوف الله عز وجل! فانظر إلى هذا الرجل! المقتضى موجود، لأنه قادر على الجماع، والمرأة جميلة، وهي ذات منصب، والمكان خال، لكن مَنَعَهُ مانعٌ أقوى من هذا المقتضى، وهو خوف الله، قال: ((إنِّي أخافُ الله)) ما قال: إني لا أشتهي النساء، وما قال: لستِ بجميلة، وما قال: أنت من أسافل النساء، وما قال: إن حولنا أحدا، قال: ((إني أخاف الله)) فهذا ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وانظر إلى يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- عليهم الصلاة والسلام- عشقته امرأة العزيز ملكِ مصر، وكانت امرأة مَلِكٍ على حال من الجمال والدلال. غلقت الأبواب بينهما وبين الناس: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ يعني تدعوه إلى نفسها، وكان رجلا شابا، وبمقتضى الطبيعة البشرية همَّ بها وهمَّت به، ولكن رأى برهان ربه ووقع في قلبه خوفُ الله فامتنع، فهدَّدته بالسجن فقال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾[يوسف: 35،33] ، وسُجِنَ في ذات الله وامتنع عن الزنا مع قوة أسبابه، لكنه رأى برهان ربه فخاف الله، السادس: ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)): وهذا فيه كمال الإخلاص، يخلصُ لله، لا يريد من الناس أن يطَّلعوا على عمل من أعماله، بل يريد أن يكون بينه وبين ربه فقط. ولا يريد أن يظهر للناس بمظهر المنة على أحد، لأن الذي يعطي أمام الناس تكون له مِنَّةٌ على من أعطاه. فهو يخفي الصدقة حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، أي: من شدة إخفائه لو أمكن أن لا تعلم يده الشمال ما أنفقت يده اليمين لفعل، فهذا مخلصٌ غاية الإخلاص وهو بعيد عن المنِّ بالصدقة، يظله الله في ظله يوم لا ظل إلاظله، ولكن لاحظ أن إخفاء الصدقة أفضل- بلا شك- إلا أنه ربما يعرض لهذا الأفضل ما يجعله مفضولا، مثل أن يكون في إظهار الصدقة تشجيع للناس على الصدقة، فهنا قد يكون إظهار الصدقة أفضل، ولهذا امتدح الله- سبحانه وتعالى- الذين ينفقون سرًّا وعلانيةً على حسب ما تقتضيه المصلحة. فالحال لا تخلوا من ثلاث مراتب: إما أن يكون السر أنفع، أو الإظهار أنفع، فإن تساوى الأمران فالسر أنفع. السابع: ((رجل ذكر الله خاليا ففاضتْ عيناه)) ذكر الله بلسانه وبقلبه، ليس عنده أحد يرائيه بهذا الذكر، خاليا من الدنيا كلها، قلبه معلَّق بالله عز وجل. فلما ذكر الله بلسانه وبقلبه، وتذكر عظمة الرب- عز وجل- اشتاق إلى الله ففاضت عيناه. فهذا أيضا ممن يُظِلُّهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. هذه الأعمال السبعة قد يوفَّق الإنسان فيحصل على واحد منها أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة، هذا ممكن، ولا يناقض بعضه بعضا، فقد يوفَّق الإنسان فيأخذ من كل واحدة من هذه بنصيب، كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام: (( أن للجنة أبوابًا، من كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان)) ذكر أربعة! فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما على من دُعي من واحد من هذه الأبواب من ضرورة- أي: الذي يُدعى من باب واحد سهل- فهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها؟ قال: (( نعم، و أرجو أن تكون منهم يا أبا بكر )) (276) نسأل الله من فضله. وهذا يعني أن أبا بكر يُدعى من كل الأبواب، لأنه صاحب صلاة، وصدقة، وجهاد، وصيام، فكل مسائل الخير قد أخذ منها بنصيب. رضي الله عنه وأرضاه، و ألحقنا به في جنات النعيم. وهنا مسألة أحب أن أنبه عليها، وهي أن بعض الطلبة يظنون أن المراد بالظل ((في ظل يوم لا ظل إلا ظله)) أنه ظلُّ الرب- عز وجل- وهذا ظن خاطئ جدا، لا يظنه إلا رجلٌ جاهل، وذلك أن من المعلوم أن الناس في الأرض، وأن الظل هذا يكون عن الشمس، فلو قُدِّرَ أن المراد به ظل الرب- سبحانه وتعالى- لزم من هذا أن تكون الشمس فوق الله، ليكون حائلا بينها وبين الناس، وهذا شئ مستحيل ولا يمكن، لأن الله- سبحانه وتعالى- قد ثبت له العلو المطلق من جميع الجهات، ولكن المراد ظلٌّ يخلقه الله في ذلك اليوم يظل من يستحقون أن يظلهم الله في ظله، وإنما أضافه الله إلى نفسه لأنه في ذلك اليوم لا يستطيع أحد أن يُظَلَّلُ بفعل مخلوق، فليس هناك بناء ولا شئ يوضع على الرؤوس، إنما يكون الظل ما خلقه الله لعباده في ذلك اليوم، فلهذا أضافه الله إلى نفسه لاختصاصه به(277) . ومما يكون في ذلك اليوم: نشر الدواوين أي: صحائف الأعمال التي كُتبت على المرء في حياته، وذلك لأن الله- سبحانه وتعالى- وكَّلَ بِكُلِّ إنسان ملَكين: أحدهما عن اليمين، والثاني عن الشمال، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)[ق:16ـ 18]. هذان الملَكان الكريمان يكتبان كل ما يعلمه المرء من قول أو فعل، أما ما يحدِّث به نفسه فإنه لا يكتب عليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به)) (278). لكن القول والفعل يكتب على الإنسان، كاتب الحسنات على اليمين وكاتب السيئات على الشمال، فيكتبان كل ما أُمرا بكتابته، فإذا كان يوم القيامة أُلزم كل إنسان هذا الكتاب في عنقه، كما قال الله تعالى ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء:13] ، ويُخرج له هذا الكتاب فيقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:14] ، فيقرأه له، ويتبيَّن كل ما عنده. هذا الكتاب المنشور مِنَ الناس مَن يأخذه بيمينه، ومِنَ الناس مَن يأخذه بشماله من وراء ظهره. أما من يأخذه بيمينه- أسأل الله أن يجعلنا منهم- فإنه يقول للناس ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:19]، يُريهم إياه فرحا ومسرورا بما أنعم الله به عليه. وأما من أُوتي كتابه بشماله فيقول حزنًا وغمًّا وهمًّا ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:25]. ومما يجب الإيمان به في ذلك اليوم: أن تؤمن بالحساب، بإن الله تعالى يحاسب الخلائق، كما قال الله تعالى:﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:47]، وقال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق:8]، فيحاسب الله الخلائق، ولكن حساب المؤمن حساب يسير ليس فيه مناقشة، يخلو الله سبحانه وتعالى بعبده المؤمن ويضع عليه سِترَهُ، ويُقرِّرَهُ بذنوبه، يقول: أتذكرُ كذا ،أتذكرُ كذا؟ حتى يقول: نعم، ويُقرُّ بذلك كلِّه،فيقول الله- عز وجل- له: ((إني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم)) (279)، وما أكثر الذنوب التي سترها الله علينا! فإذا كان الإنسان مؤمنا قال الله له: (( فإني قد سترتها عليك في الدنيا، و إني أغفرها لك اليوم)) الخ. أما الكافر- والعياذ بالله- فإنه يُفضحُ ويُخزى، ويُنادى على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:18]. ومما يجب الإيمان به مما يكون في يوم القيامة: الحوض المورود لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو حوض يُصَبُّ عليه ميزابان من الكوثر، وهو النهر الذي أُعْطِيَهُ النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:1]، فيصب منه ميزابان على الحوض الذي يكون في عرصات يوم القيامة. وصفه النبي- عليه الصلاة والسلام- بأن ماءه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، و أطيب من رائحة المسك، وأن آنيته كنجوم السماء، وأن طوله شهر وعرضه شهر، وأن من شرب منه مرَّةً واحدة فإنه لا يظمأ بعدها أبدًا (280). هذا الحوض يَرِدُهُ المؤمنون من أمة النبي صلى الله عليه وسلم- أسأل الله أن يُوردني وإياكم إياه- يَرِدهُ المؤمنون يشربون منه، وأما من لم يؤمن بالرسول- عليه الصلاة والسلام- فإنه يُطرَدُ عنه ولا يشرب منه، نسأل الله العافية. وهذا الحوض الذي جعله الله للنبي-عليه الصلاة والسلام- هو أعظم حِياض الأنبياء، ولكلِّ نبيٍّ حوضٌ يرده المؤمنون من أمَّته، لكنها لا تُنسبُ إلى حوض الرسول صلى الله عليه وسلم لأن هذه الأمة يمثِّلون ثُلُثي أهل الجنة، فلا جرم أن يكون حوض النبي- عليه الصلاة والسلام- أعظم الحياض و أكبرها و أوسعها وأعظمها وأشملها. ومما يجب الإيمان به أيضا في ذلك اليوم: الإيمان بالصِّراط. والصراط جسر منصوب على جهنم، وهو أدقُّ من الشعر وأحدُّ من السيف، يَمُرُّ الناسُ عليه على قدر أعمالهم، من كان مسارعا في الخيرات في الدنيا كان سريعا في المشي على هذا الصراط، ومن كان متباطئًا كان متباطئًا، ومن كان قد خَلَطَ عملا صالحا و آخر سيئا ولم يعف الله عنه فإنه ربما يكردس في النار والعياذ بالله! يختلف الناس في المشي عليه، فمنهم من يمر كلمحِ البَصَر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالرِّيح، ومنهم من يمر كالفَرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يمشي، ومنهم من يَزحَف، ومنهم من يُلقى في جهنم. وهذا الصراط لا يمر عليه إلا المؤمنون فقط، أما الكافرون فإنهم لا يمرُّون عليه، وذلك لأنهم يساقون في عرصات القيامة إلى النار مباشرة، نسأل الله العافية. فإذا عبروا على الصراط وقفوا على قنطرةٍ بين الجنة والنار، فيُقتصُّ من بعضهم لبعض، وهذا القصاص غير القصاص الذي يكون في عرصات يوم القيامة، هذا القصاص - والله أعلم - يراد به أن تتخلَّى القلوب من الأضغانِ والأحقادِ والغلّ، حتى يدخلوا الجنة وهم على أكمل حال، وذلك أن الإنسان وإن اقتُصَّ له ممن اعتدى عليه فلا بد أن يبقى في قلبه شئ من الغلِّ والحقد على الذي اعتدى عليه، ولكن أهل الجنة لا يدخلون الجنة حتى يُقْتَصُّ لهم اقتصاصا كاملا، فيدخلونها على أحسن وجه، فإذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِنَ لهم في دخول الجنة، ولكن لا يُفتح باب الجنة لأحد قبل الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا يشفعُ هو بنفسه لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، كما أنه شفع للخلائق أن يُقضى بينهم ويستريحوا من الهول والكرب والغم الذي أصابهم في عرصات القيامة، وهاتان الشفاعتان خاصتان برسول الله صلى الله عليه وسلم. أعني الشفاعة في أهل الموقف حتى يُقضى بينهم، والشفاعة في أهل الجنة حتى يدخلوا الجنة، فيكون له - صلى الله عليه وسلم - شفاعتان: إحداهم في نجاة الناس من الكروب والهموم، والثانية في حصول مطلوبهم، وهو فتح باب الجنة فيفتح. فأول من يدخل الجنة من الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل كل الناس، و أوَّل مَن يدخلها من الأمم أمة النبي صلى الله عليه وسلم، أما أهل النار - والعياذ بالله- فيساقون إلى النار زُمرًا، ويدخلونها أمة بعد أمة، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ والعياذ بالله. الثانية تلعنُ الأولى وهكذا، و يتبرَّأ بعضهم من بعض، نسأل الله العافية. فإذا أتَوْا إلى النار وجدوا أبوابها مفتوحة، حتى يُبْغتوا بعذابها والعياذ بالله، فيدخونها ويخلَّدُ فيها الكفار أبد الآبدين، إلى أبدٍ لا منتهى له، كما قال الله - عز وجل - في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء168،169] . وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب:64ـ 68]. وقال سبحانه وتعالى:﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [الجـن: 23]!! فهذه ثلاث آيات من كتاب الله- عز وجل - كلها فيها التصريح بأن أهل النار خالدون فيها أبدا، ولاقول لأحد بعد كلام الله عز وجل. كما أن أهل الجنة خالدون فيها أبدا. فإن قال قائل: إن الله تعالى قال في سورة هود: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:106ـ 108]، ففي أهل الجنة قال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ يعني غير مقطوع، بل هو دائم. وفي أهل النار قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ فهل هذا يعني أن أهل النار ينقطع عنهم العذاب؟ فالجواب: نقول لا، ولكن لما كان أهل الجنة يتقلَّبون بنعمة الله بيَّن الله- سبحانه وتعالى- أن عطاءهم لا ينقطع، أما أهل النار فلما كانوا يتقلَّبون بعدل الله قال:﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ فلا معقِّب لحكمه وقد أراد أن يكون أهل النار في النار، فهو يفعل ما يريد. هذا هو الفرق بين أهل النار وأهل الجنة، فأهل الجنة عطاؤهم غير مجذوذ، وأما أهل النار فإنهم يتقلَّبون بعدل الله، والله سبحانه وتعالى فعَّالٌ لما يريد. هذا الكلام فيما تيسَّر مما يتعلَّق بالإيمان باليوم الآخر. وقوله: ((وأن تؤمن بالقدر خيره وشرِّه)) هذا الركن السادس. والقدر: هو تقدير الله- سبحانه وتعالى - لما يكون إلى يوم القيامة، وذلك أن الله- سبحانه وتعالى - خلق القلم فقال له اكتب! قال: ربي وما أكتب؟ قال: اكتب ماهو كائن؟ فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة(281) ، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطاءه لم يكن ليصيبه، وقد ذكر الله هذا في كتابه إجمالا فقال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾[الحج:70]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:22]، من قبل أن نبرأها أي: من قبل أن نخلقها، أي: من قبل أن نخلقَ الأرض، ومن قبل أن نخلق أنفسكم، ومن قبل أن نخلقَ المصيبة. فإن الله كتب هذا من قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. قال أهل العلم: ولا بد للإيمان بالقدر من أن تؤمن بكل مراتبه الأربع: المرتبة الأولى: أن تؤمن بإن الله- سبحانه وتعالى- عليم بكل شئ، وهذا كثير في الكتاب العظيم، يذكر الله عموم علمه بكل شئ، كما قال الله تعالى:﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:12] ، ولقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:59]. المرتبة الثانية: أن تؤمن بإن الله تعالى كتب مقادير كل شئ إلى قيام الساعة، كتبه قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فكل شيء كائن فإنه مكتوب قد انتُهيَ منه، جفَّت الأقلام وطُويَت الصحف، فما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإذا أصابك شيء لا تقل لو فعلت كذا ما أصابني، لأن هذا الشيء مكتوب لابد أن يقع كما كتب سبحانه وتعالى، فلا مَفَرَّ منه مهما عملت، فالأمر سيكون على ما وقع لا يتغيَّر أبدا، لأن هذا أمر قد كُتب. فإن قال قائل: ألم يكن قد جاء في الحديث: ((من أحب أن يُبسَطَ له في رزقه، ويُنسأ له في أثَرِه، فلْيَصِل رَحِمَه)) (282) ؟. فالجواب: بلى قد جاء هذا، ولكن الإنسان الذي قد بُسط له في رزقه ونُسِىءَ له في أثره من أجل الصلة، قد كُتب أنه سيصلُ رحمه، وأنه سيُبسط له في الرزق، وأنه سيُنسأ له في الأثر، لابد أن يكون الأمر هكذا، ولكن الرسول- عليه الصلاة والسلام- قال: ((من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره)) الحديث، من أجل أن نُبادر ونسارع في صلة الرحم، وإلا فهو مكتوب أن الرجل سوف يصل رحمه ويحصل له هذا الثواب، أو أنه لن يصل رحمه ويحرم من هذا الثواب، أمرٌ منته، لكن أخبرنا الرسول- عليه الصلاة والسلام - بهذا من أجل أن نحرص على صلة الرحم. واعلم أن الكتابة في اللوح المحفوظ يعقبها كتابات أُخَر. منه: أن الجنين في بطن أمه إذا تم له أربعةُ أشهرٍ أرسل الله إليه ملَكا موكلا بالأرحام فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكَتبِ رزقه، وأجله، وعمله، وشَقيٌّ أم سعيد، فيكتبُ ذلك، وهذه الكتابة غير الكتابة في اللوح المحفوظ، هذه كتابة في مقتبلِ عمر الإنسان، ولهذا يسميها العلماء: الكتابة العُمرية، يعني نسبةً للعُمر. كذلك: هناك كتابة أخرى تكون في كل سنة، وهي في ليلة القدر، فإن ليلة القدر يكتب الله فيها ما يكون في تلك السنة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:4،3] ، ((يُفْرَقُ)) أي: يُبيَّن ويُفصَّل، و لهذا سُميت ليلة القدر. المرتبة الثالثة للإيمان بالقدر: أن تؤمن بأن كل شيء فهو بمشيئة الله، لا يخرج عن مشيئته شيء، ولا فرق بين أن يكون هذا الواقع مما يختص الله به، كإنزال المطر وإحياء الموتى وما أشبه ذلك، أي مما يعلمه الخلق، كالصلاة والصيام وما أشبهها، فكل هذا بمشيئة الله. قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:29،28]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾[البقرة:253]، فبيَّن الله- سبحانه وتعالى- لنا أنه لا مشيئة لنا إلا بمشيئة الله، وأن أفعالنا واقعة بمشيئة الله﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ ولكن كل شيءفإنه واقع بمشيئة الله، فلا يكون في ملكه ما لا يشاء أبدا، ولهذا أجمع المسلمون على هذه الكلمة العظيمة: ((ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن)). وأما المرتبة الرابعة: فهي الإيمان بإن كل شئ مخلوق لله، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾[الزمر:62]، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرا﴾[الفرقان: 2] فكل شيء واقع فإنه مخلوق لله عز وجل، فالإنسان مخلوق لله وعمله مخلوق لله، قال الله عن إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- وهو يُخاطب قومه:﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾[الصافات:96]، ففعل العبد مخلوق لله، لكن المباشر للفعل هو العبد وليس الله، لكن الله هو الذي خلق هذا الفعل ففعله العبد، فهو منسوب لله خلقا ومنسوب إلى العبد كَسْبًا وفعلا، فالفاعل هو العبد والكاسب هو العبد، والخالق هو الله. فكل شيء مما يحدث فإنه مخلوق لله- عز وجل - لكن ما كان من صفات الله فليس بمخلوق، فالقرآن مثلا أنزَله الله على محمد صلى الله عليه وسلم لكنه ليست بمخلوق. لأن القرآن كلام الله ،وكلام الله صفة من صفاته - سبحانه - ليست مخلوقة.هذه مراتب أربعٌ للإيمان بالقدر! يجب أن تؤمن بها كلها، وإلا فإنك لم تؤمن بالقدر. وفائدة الإيمان بالقدر عظيمة جدا، لأن الإنسان إذا علم أن الشيء لابد أن يقع كما أمر الله استراح، فإذا أُصيب بضراء صَبَر وقال هذا من عند الله، وإن أُصيب بسرَّاء شَكَر وقال هذا من عند الله، وقد ثبت عن - النبي عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((عجبا لأمر المؤمن إنَّ أمْرَهُ كلُهَّ خير، إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له)) (283) لأن المؤمن يؤمن أن كل شيء بقضاء الله، فيكون دائما في سرور، ودائما في انشراح، لأنه يعلم أن ما أصابه فإنه من الله: إن كان ضرَّاء صبر وانتظر الفرج من الله ولجأ إلى الله تعالى في كشف هذه الضراء، وإن كان سرَّاء شكر وحمدَ الله وعلم أن ذلك لم يكن بحوله ولا قوَّته لكن بفضلٍ من الله ورحمة. وقوله عليه الصلاة والسلام: ((خيره وشرِّه)): الخيرُ ما ينتفع به الإنسان ويلائمه، من عِلمٍ نافع، ومالٍ واسعٍ طيِّب، وصحَّة، وأهل وبنين وما أشبه ذلك. والشرُّ ضدُّ ذلك، من الجهل والفقر والمرض وفقدان الأهل والأولاد وما أشبه هذا. كل هذا من الله سبحانه وتعالى، الخير والشر، فإن الله سبحانه يقدِّر الخير لحكمة ويقدِّر الشرَّ لحكمة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون﴾[الأنبياء:35]. فإذا علمَ الله أن من الخير والحكمة أن يقدِّر الشر قدَّره لما يترتب عليه من المصالح العظيمة، كقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:41]. فإذا قال قائل: كيف تجمع بين قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((وأن تؤمن بالقدر خيره وشره)) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((الشر ليس إليك))(284)، فنفى أن يكون الشرُّ إليه؟ فالجواب على هذا أن نقول: إن الشر المحض لا يكون بفعل الله أبدا، فالشر المحض الذي ليس فيه خيرٌ لا حالا ولا مآلا لا يمكن أن يوجد في فعل الله أبدا، هذا من وجه، لأنه حتى الشر الذي قدره الله شرًّا لابد أن يكون له عاقبة حميدة ، ويكون شرًّا على قوم وخيرًا عل آخرين. أرأيت لو أنزل الله المطر مطرًا كثيرا فأغرق زرع إنسان، لكنه نفع الأرض وانتفعت به أمة، لكان هذا خيرًا بالنسبة لمن انتفع به، شرًّا لمن تضرر به، فهو خير من وجه وشر من وجه. ثانيا: حتى الشرُّ الذي يقدِّره الله على الإنسان هو خير في الحقيقة، لأنه إذا صبر واحتسب الأجر من الله نال بذلك أجرا أكثر بأضعاف مضاعفة مما ناله من الشر، وربما يكون سببا للاستقامة ومعرفة قدر نعمة الله على العبد فتكون العاقبة حميدة. ولهذا ذُكِرَ عن بعض العابدات أنها أصيبت في أصبعها أو يدها فانجرحت فصبرت وشكرت الله على هذا وقالت: (( إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها))! ثم نقول: إن الشر في الحقيقة ليس في فعل الله نفسه، بل في مفعولاته، فالمفعولات هي التي فيها خير وشر، أما الفعل نفسه فهو خير، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:2،1]، أي: من شرِّ الذي خلقه الله ، فالشر إنما يكون في المفعولات لا في الفعل نفسه، أما فعل الله فهو خير. ويدلك لهذا أنه لو كان عندك مريض وقيل إن من شفائه أن تكويَهُ بالنار، فكويْتَهُ بالنار، فالنار مؤلمة بلا شك، لكن فعلُك هذا ليس بشر، بل هو خير للمريض، لأنك إنما تنتظر عاقبة حميدة بهذا الكي، كذلك فعل الله للأشياء المكروهة والأشياء التي فيها شر، هي بالنسبة لفعله وإيجاده خير،لأنه يترتب عليها خير كثير. فإن قال قائل: كيف تجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿مَّآأَصَابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفسِكَ﴾[النساء:79] . فالجواب أن نقول: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ يعني من فضله، هو الذي مَنَّ عليك بها أوَّلاً وآخرًا ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: أنت سببها، وإلا فالذي قدَّرها هو الله، لكن أنت السبب، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:30]. وخلاصة الكلام: أن كل شيء واقع فإنه بقدر الله، سواء كان خيرًا أم شرًّا. ثم قال عمر- رضي الله عنه- فيما نقله عن جبريل- عليه الصلاة والسلام- قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ((أخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)). الإحسان: ضدُّ الإساءة، والمراد بالإحسان هنا إحسان العمل، فبيَّن النبي - عليه الصلاة والسلام - أن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، يعني: تُصَلِّي وكأنك ترى الله عز وجل، وتزكِّي وكأنك تراه، وتصوم وكأنك تراه، وتحج وكأنك تراه، تتوضأ وكأنك تراه، وهكذا بقية الأعمال. وكون الإنسان يعبد الله كأنه يراه دليل على الإخلاص لله- عز وجل - وعلى إتقان العمل في متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن كل من عبد الله على هذا الوصف فلا بد أن يقع في قلبه من محبَّةِ الله وتعظيمه ما يحمله على إتقان العمل وإحكامه. ((فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) أي: فإن لم تعبد الله على هذا الوصف فاعبده على سبيل المراقبة والخوف((فإنه يَرَاك)) ومعلوم أن عبادة الله على وجه الطلب أكمل من عبادته على وجه الهرب! فها هنا مرتبتان: المرتبة الأولى: أن تعبد الله كأنك تراه، و هذه مرتبة الطلب. والثانية: أن تعبد الله وأنت تعلم أنه يراك، وهذه مرتبة الهرب، وكلتاهما مرتبتان عظيمتان، لكن الأولى أكمل وأفضل. ثم قال جبريل: ((أخبرني عن الساعة))، أي: عن قيام الساعة التي يبعث فيها الناس ويُجازَونَ فيها على أعمالهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل))، المسؤول عنها: يعني نفسه عليه الصلاة والسلام، بأعلم من السائل: يعني جبريل، يعني: أنك إذا كنت يا جبريل تجهلها، فأنا كذلك أجهلها. فهذان رسولان كريمان أحدهما رسول ملكي، والثاني رسول بشري، وهما أكمل الرسل، ومع ذلك فكلٌّ منهما ينفي أن يكون له علم بالساعة، لأن علم الساعة عند من بيده إقامتها عز وجل، وهو الله تبارك وتعالى، كما قال الله في آيات متعددة: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف:187]، ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:63]، فعلمها عند الله، فمن ادَّعى علم الساعة فإنه كاذب، ومن أين له أن يعلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم، وجبريل - عليه الصلاة والسلام - لا يعلم، وهما أفضل الرسل. ولكن الساعة لها أمارات، كما قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:18]، أي: علاماتها. ولهذا لما اخبر النبي صلى الله عليه وسلم جبريل أنه لا علم له بذلك قال: ((فأخبرني عن أماراتها)) أي: علاماتها الدالة على قربها. فقال: ((أن تلدَ الأمةُ ربَّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)) الأول: ((أن تلد الأمة ربتها)) يعني: أن تكون الأمة المملوكة تتطوَّر بها الحال حتى تكون ربَّةً للمماليك الآخرين، وهو كناية عن كثرة الأموال. وكذلك الثاني: ((وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)) الحفاةُ: الذين ليس لهم نِعال من الفقر، والعُراةُ: ليس لهم كسوة من الفقر، العَالة: الفقراء. يتطاولون في البنيان: يعني أنهم لا يلبثون إلا أن يكونوا أغنياء يتطاولون في البنيان حسًّا ومعنى،يتطاولون في البنيان حسًّا بأن يرفعوا بنيانهم إلى السماء، ويتطاولون فيها معنى بأن يحسِّنوها ويزيِّنوها ويُدخلوا عليها كل ما يكون من مكمِّلاتها، لأن لديهم وفرة من المال. وكل هذا وقع، وهناك أمارات أخرى وعلامات أخرى ذكرها أهل العلم في باب الملاحم والفِتَنِ وأشراط الساعة وهي كثيرة. ثم انطلق جبريل - عليه الصلاة والسلام - ولبثوا ما شاء أن يلبثوا، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: ((أتدرى من السائل؟ قال: الله ورسوله أعلم!)) قال: ((فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)). وفي هذا الحديث من الفوائد: 1- إلقاء المسائل على الطلبة ليمتحنهم، كما ألقى النبي عليه الصلاة والسلام - المسألة على عمر رضي الله عنه. 2- وفيه أيضا: جوازُ قول الإنسان: الله ورسوله أعلم، ولا يلزمه أن يقول: الله ثم رسوله أعلم، لأن علم الشريعة الذي يصلُ إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - من علم الله، فعلم الرسول من علم الله- سبحانه وتعالى - فصحَّ أن يقال: الله ورسوله أعلم، كما قال الله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾[التوبة:59]، ولم يقل: ثم رسوله، لأن الإيتاء هنا إيتاء شرعي، وإيتاء النبي صلى الله عليه وسلم الشرعي من إيتاء الله. فالمسائل الشرعية يجوز أن تقول: الله ورسوله، بدون (ثمَّ) أما المسائل الكونية، كالمشيئة وما أشبهها، فلا تقال: الله ورسوله، بل: الله ثمَّ رسوله، ولهذا لما قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت. قال: ((أجعلتني لله ندا، بل ما شاء الله وحده)) (285) ، 3- وفي هذا دليل على أن السائل إذا سأل عن شئ يَعْلَمهُ من أجل أن ينتفع الآخرون فإنه يكون معلِّما لهم،لأن الذي أجاب: النبي - عليه الصلاة والسلام - وجبريل سائل لم يعلِّمِ الناس، لكن كان سببًا في هذا الجواب الذي ينتفع به الناس. فقال بعض العلماء: إنه ينبغي لطالب العلم إذا جلس مع عالم في مجلس أن يسأل عن المسائل التي تَهمُّ الحاضرين وإن كان يعلم حُكمها، من أجل أن ينفع الحاضرين ويكون معلِّما لهم. 4- وفي هذا دليل على بركة العلم، وأن العلم ينتفعُ به السائل والمجيب، كما قال هنا: ((يُعَلِّمُكُم دِينَكُم)). 5- وفيه أيضا دليلٌ أن هذا الحديث حديث عظيم يشتمل على الدين كُلِّه، ولهذا قال: ((يعلِّمكم دينكم)) لأنه مشتمل على أصول العقائد وأصول الأعمال. أصول العقائد وأصول الأعمال هي أركان الإسلام الخمسة. والله الموفق.

* * *
61- الثاني: عن أبي ذر جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل، رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( اتَّقِ الله حيثما كنت، وأتْبع السيئة الحسنة تمحُها، وخالِقِ الناس بخُلُقٍ حسن)) (286) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

الشرح
هذا الحديث من أحاديث الأربعين النووية للمؤلف رحمه الله، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بثلاث وصايا عظيمة :الوصية الأولى: قال: ((اتَّقِ الله حيثما كنت)) وتقوى الله هي اجتناب المحارم وفعل الأوامر، هذه هي التقوى! أن تفعل ما أمرك الله به إخلاصا لله، واتِّباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تترك ما نهى الله عنه امتثالا لنهي الله- عز وجل- وتنزُّها عن محارم الله، فتقوم بما أوجب الله عليك في أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين وهي الصلاة، فتأتي بها كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وتكملها بالمكملات، فمن أخلَّ بشيء من شروط الصلاة أو واجباتها أوأركانها فإنه لم يتَّقِ الله، بل نَقَصَ من تقواه بقدر ما ترك ما أمر الله به في صلاته، وفي الزكاة تقوى الله فيها أن تُحصي جميع أموالك التي فيها الزكاة وتُخرج زكاتك طيبة بها نفسك من غير بُخلٍ ولا تقتيرٍ ولا تأخير، فمن لم يفعل فإنه لم يتَّقِ الله. وفي الصيام تأتي بالصوم كما أُمرت، مجتنبا فيه اللغو والرفث والصَّخب والغيبة والنميمة، وغير ذلك مما ينقص الصوم ويُزيلُ روح الصوم ومعناه الحقيقي، وهو الصوم عما حرَّمَ الله عز وجل. وهكذا بقية الواجبات تقوم بها طاعةً لله، وامتثالا لأمره، وإخلاصا له، واتباعا لرسوله، وكذلك في المنهيّات تترك ما نهى الله عنه، امتثالا لنهي الله- عز وجل - حيث نهاك فانتهِ. الوصية الثانية: ((أتبعِ السيئةَ الحسَنةَ تمحُها)) أي: إذا عملت سيئة فأتبعها بحسنة، فإن الحسنات يُذهِبْنَ السيئات، ومن الحسنات بعد السيئات أن تتوب إلى الله من السيئات فإن التوبة من أفضل الحسنات، كما قال الله عز وجل:﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾[البقرة:222]، وقال الله تعالى:﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:31]. وكذلك الأعمال الصالحة تكَفِّر السيئات، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر)) (287). وقال: (( العمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما)) (288) فالحسنات يُذْهِبْنَ السيئات. الوصية الثالثة: ((خالقِ الناسَ بخُلقٍ حَسَن))! الوصيتان الأوليتان في معاملة الخالق، والثالثة في معاملة الخلق، أن تعاملهم بخلق حسن تُحمَدُ عليه ولا تُذَمُّ فيه، وذلك بطلاقة الوجه، وصدق القول، وحسن المخاطبة، وغير ذلك من الأخلاق الحسنة. وقد جاءت النصوص الكثيرة في فضل الخلق الحسن، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا)) (289)، وأخبر أن أَوْلَى الناس به صلى الله عليه وسلم و أقربهم منه منزلةً يوم القيامة أحاسنهم أخلاقا (290) . فالأخلاق الحسنة مع كونها مَسْلكًا حسنا في المجتمع ويكون صاحبها محبوبا إلى الناس فيها أجر عظيم يناله الإنسان يوم القيامة. فاحفظ هذه الوصايا الثلاث من النبي صلى الله عليه وسلم اتَّقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحُها، وخالقِ الناسَ بخُلقٍ حسن. والله الموفِّق.

* * *
62- الثالث: عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كنتُ خَلْفَ النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: ((يا غلام، إني أُعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم: أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيء،لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفَّت الصحف)) (291) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وفي رواية غير الترمذي: ((احفظ الله تجده أمامك، تعرَّف إلى الله في الرخاء يَعرِفُكَ في الشدَّة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن لِيُصيبك، وما أصابك لم يكن لِيُخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يُسرا)).

الشرح
قوله: ((كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم)) أي راكبا معه. قوله: ((فقال لي يا غلام... احفظ الله يحفظك)) قال له: يا غلام، لأن ابن عباس - رضي الله عنهما - كان صغيرا فإن النبي صلى الله عليه وسلم توفِّي وهو قد ناهز الاحتلام، يعني من الخامسة العشرة إلى السادسة عشرة أو أقل. فكان راكبا خلف الرسول صلى الله عليه وسلم فوجه إليه النبي صلى الله عليه وسلم هذا النداء: ((يا غلام، احفظ الله يحفظك)) كلمةٌ جليلةٌ عظيمةٌ، احفظِ الله، وذلك بحفظ شرعه ودينه، بأن تمتثل لأوامره وتجتنبَ نواهيه، وكذلك بأن تتعلَّم من دينه ومن شريعته- سبحانه وتعالى - ما تقوم به عباداتك ومعاملاتك، وتدعوا به إلى الله - عز وجل - لأن كل هذا من حفظ الله، فالله- سبحانه وتعالى - نفسه ليس بحاجةٍ إلى أحد حتى يحفظ، ولكن المراد حفظ دينه وشريعته، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد:7]، وليس المعنى: تنصرونَ ذات الله، لأن الله- سبحانه وتعالى - غنيٌ عن كل أحد، ولهذا قال في آية أخرى:﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ [محمد:4]، ولا يعجزونه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر: 44]. إذاً: ((احفظ الله يحفظك)) جملة تدل على أن الإنسان كلما حفظ دين الله حفظه الله تعالى في بدنه، وحفظه في ماله و أهله، وفي دينه، وهذه أهم الأشياء، أن يحفظك الله في دينك، وهو أن يُسَلِّمكَ من الزَّيغ والضَّلال، لأن الإنسان كلما اهتدى زادَه الله هدى، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:17]، وكلما ضل - والعياذ بالله - فإنه يزداد ضلالا، كما جاء في الحديث: (( إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكِتَت في قلبه نُكتَةٌ سوداء، فإن هو نَزَعَ واستغفر وتاب صُقِلَ قلبه)) (292) وإن أذنبَ ثانيةً انضم إليها نكتة ثانية وثالثة ورابعة، حتى يُطبَعَ على قلبه. نسأل الله العافية. إذاً: يحفظك في دينك وفي بدنك ومالِكَ وأهلك، وأهمها حفظُ الدين، نسأل الله تعالى أن يحفظ علينا وعليكم ديننا. وقوله: ((احفظ الله تجده تجاهك)) وفي لفظ آخر: ((تجده أمامك)). احفظ الله أيضا بحفظ شريعته، بالقيام بأمره واجتناب نهيه تجده تجاهَكَ وأمامك، ومعناهما واحد، يعني تجد الله أمامك يدُلُّك على كل خير ويذود عنك كل شر، ولا سيما إذا حفظت الله بالاستعانة به، فإن الإنسان إذا استعان بالله وتوكَّل على الله كان الله حسبه، أي كافية، ومن كان الله حسبه فإنه لا يحتاج إلى أحد بعد الله. قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:64]، أي: وحسب من اتبعك من المؤمنين. ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾[الأنفال:62]، فإذا كان الله حسبَ الإنسان، أي كافيه، فإنه لن يناله سوء، ولهذا قال: ((احفظ الله تجده تجاهك)) أو ((تجده أمامك))! والمراد بحفظه حفظُ شريعته، ولاسيَّما بالتوكل عليه والاستعانة به. ثم قال له: ((إذا سألت فسأل الله)) أي لا تعتمد على أحد مخلوق، إذا سألت فسأل الله . مثلاً: إنسان فقير ليس عنده مال، يسأل الله يقول: اللهم ارزقني، اللهم هيِّء لي رزقا. فيأتيه الرزق من حيث لا يحتسب. لكن لو سأل الناس فربما يعطونه أو يمنعونه، ولهذا جاء في الحديث: ((لأنْ يأخُذَ أحدكم حَبْلَهُ فيحتطِبَ على ظهره، خير له من أن يأتيَ رجلا، أعطاه أو منعه)) (293). فكذلك أنت، إذا سألت فاسأل الله، قل: ((اللهم ارزُقني)) ((اللهم أغنني بفضلِكَ عمَّن سواك)) وما أشبه ذلك من الكلمات التي تتجه بها إلى الله عز وجل. وقوله: ((إذا استعنتَ فاستعِنْ بالله)) الاستعانة طلب العون، فلا تطلب العون من أي إنسان إلا للضرورة القصوى، ومع ذلك إذا اضطُررت إلى الاستعانة بالمخلوق فاجعل ذلك وسيلةً وسببًا لا ركنا تعتمد عليه! اجعل الركن الأصيل هو الله عز وجل، إذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. وفي هاتين الجملتين دليل على أنه من نقْصِ التوحيد أن الإنسان يسأل غير الله، ولهذا تُكْره المسألة لغير الله- عز وجل - في قليل أو كثير. لا تسأل إلا الله عز وجل، ولا تستعن إلا بالله. والله سبحانه إذا أراد عونك يَسَّرَ لَكَ العَون، سواء كان بأسباب معلومة أو بأسباب غير معلومة. قد يُعينك الله بسببٍ غير معلوم لك، فيدفع عنك من الشر ما لا طاقة لأحد به، وقد يُعينُكَ الله على يدِ أحدٍ من الخلق يُسخِّره لك ويُذلِّلـه لك حتى يُعنيك، ولكن مع ذلك لا يجوز لك - إذا أعانك الله على يد أحد - أن تنسى المسبِّب وهو الله عز وجل، كما يفعله بعض الجهلة الآن من تعلقهم بالسبب وضعف اعتمادهم على الله سبحانه وتعالى لما حصل عون ظاهر من دول كافرة، وما علموا أن الكفرة هم أعداء لهم إلى يوم القيامة سواء أعانوهم أم لا؟. بل النافع الضار هو الله عز وجل وهذا من تسخيره - سبحانه وتعالى - لعباده المؤمنين، كما جاء في الحديث: ((إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)) (294) فيجب علينا أن لا ننسى فضل الله الذي سخَّرهم لنا، ويجب علينا أن ننبه العامة، إذا سمعنا أحدًا يركن إليهم ويقول هم الذين نصرونا مائة بالمائة، وهم الأول والآخر، فيجب علينا أن نبيِّن لهم أن هذا خللٌ في التوحيد. والله أعلم.
وقوله: ((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك)). فبين النبي - عليه الصلاة والسلام - في هذه الجملة أن الأمة لو اجتمعت كلها على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك! فإذا وقع منهم نفع لك فاعلم أنه من الله، لأنه هو الذي كتبه، فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك. بل قال: ((لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك)). فالناس بلا شك ينفع بعضهم بعضا، ويُعين بعضهم بعضا، ويساعد بعضهم بعضا، لكن كل هذا مما كتبه الله للإنسان، فالفضل لله فيه أوَّلا عز وجل، هو الذي سخَّر لك من ينفعك ويحسن إليك ويُزيل كربتك، وكذلك بالعكس، لو اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. والإيمان بهذا يستلزم أن يكون الإنسان متعلقا بربه ومتَّكلا عليه لا يهتم بأحد، لأنه يعلم أنهم لو اجتمع كل الخلق على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه. وحينئذ يعلِّق رجاءه بالله ويعتصم به، ولا يهمه الخلق ولو اجتمعوا عليه، ولهذا نجد الناس في سلف هذه الأمة لما اعتمدوا على الله وتوكلوا عليه لم يضرهم كيد الكائدين ولا حسد الحاسدين: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:120]. ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((رفعت الأقلام وجفت الصحف)) يعني أن ما كتبه الله فقد انتهى، والصحف جفَّت من المداد، ولم يبقَ مراجعة. فما أصابك لم يكن ليخطئك، كما في اللفظ الثاني: ((وما أخطاءك لم يكن ليصيبك)). وفي اللفظ الثاني قال عليه الصلاة والسلام: ((واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا)). يعني: اعلم عِلمَ يقين أن النصر مع الصبر، فإذا صبرت وفعلت ما أمرك الله به من وسائل النصر فإن الله تعالى ينصرك. والصبر هنا يشمل الصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، لأن العدو يصيب الإنسان من كل جهة، فقد يشعر الإنسان أنه لن يطيق عدوه فيستحسر ويدع الجهاد، وقد يشرع في الجهاد ولكن إذا أصابه الأذى استحسر وتوقَّف، وقد يستمر ولكنه يصيبه الألم من عدوه، فهذا أيضا يجب أن يصبر عليه. قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:140]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾[النساء:104]، فإذا صبر الإنسان وصابر ورابط فإن الله سبحانه وتعالى ينصره. وقوله: ((واعلم أن الفرج مع الكرب)). كلما اكتربت الأمور وضاقت فإن الفرج قريب، لأن الله - عز وجل - يقول في كتابه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ الإله مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾[النمل:62]، فكلما اشتدت الأمور فانتظرِ الفرجَ من الله سبحانه وتعالى. وقوله: ((وأن مع العسر يسرا)) فكل عسر فبعده يسر، بل إن العسر محفوف بيسرين، يسر سابق ويسر لاحق. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾[الشرح:6،5]، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - :((لن يغلب عسر يسرين)). فهذا الحديث الذي أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - ينبغي للإنسان أن يكون على ذِكْرٍ له دائما، وأن يعتمد على هذه الوصايا النافعة التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - والله الموفق.

* * *
63- الرابع: عن أنس- رضي الله عنه- قال: ((إنكم لتعملون أعمالا هي أدقُّ في أعينكم من الشَّعْرِ، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات)) (295) رواه البخاري وقال: ((الموبقات)) المهلكات.

الشرح
أنس بن مالك- رضي الله عنه- من المعمَّرين، فبقي بعد النبي صلى الله عليه وسلم حوالي تسعين سنة. فتغيَّرت الأمور في عهده- رضي الله عنه- واختلفت أحوال الناس، وصاروا يتهاونون في بعض الأمور العظيمة في عهد الصحابة رضي الله عنهم. مثل صلاة الجماعة، فقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - لا يتخلَّف أحد عنها إلا منافق أو مريض معذور، ولكن الناس تهاونوا بها ولم يكونوا على ما كان عليه الصحابة- رضي الله عنهم - في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. بل إن الناس في عهدنا صاروا يتهاونون بالصلاة نفسها لا بصلاة الجماعة فقط، فلا يصلُّون، أو يصلُّون ويتركون، أو يوخِّرون الصلاة عن وقتها، كل هذه أعمال يسيرة عند بعض الناس، لكنها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة- رضي الله عنهم - كانت تُعَدُّ من الموبقات. وكذلك أيضا الغش في عهد النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: ((من غشَّ فليس مني)) (296). لكن انظر إلى الناس اليوم تجد أن الغش عندهم أهون من كثير من الأشياء، بل إن بعضهم - والعياذ بالله- يعد الغش من الشطارة في البيع والشراء والعقود، ويرى أن هذا من باب الحذق والذكاء- والدهاء نسأل الله العافية- مع أن النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ من الإنسان الذي يغش الناس. ومن ذلك الكذب: والكذب من الأشياء العظيمة في عهد الصحابة- رضي الله عنهم - فيرونه من الموبقات، لكن كثيرا من الناس يَعُدُّه أمرا هيِّنا، فتجده يكذب ولا يبالي بالكذب، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا)) (297) .وربما يكذب في أمور أخطر فيجحد ما يجب عليه للناس، أو يدَّعي ما ليس له ويحاكمهم عند القاضي ويحلف على ذلك، فيكون- والعياذ بالله- ممن يلقى الله وهو عليه غضبان. إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة التي يعدها الصحابة من المهلكات، ولكن الناس اختلفوا فصارت في أعينهم أدقَّ من الشعر، وذلك لأنه كلما قوي الإيمان عَظُمَتِ المعصية عند الإنسان، وكلما ضعف الإيمان خفَّت المعصية في قلب الإنسان ورآها أمرًا هينا، يتهاون ويتكاسل عن الواجب ولا يبالي، لأنه ضعيف الإيمان.

* * *
64- الخامس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى يغار، وغيرة الله تعالى أن يأتي المؤمن ما حرَّم الله عليه)) (298) متفق عليه. والغيرة: بفتح الغين وأصلها: الأنفة.

الشرح
قال المؤلف- رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى يَغَار وغَيْرَةُ الله تعالى ان يأتي المرء ما حرم الله)). قوله: ((محارمه)) أي: محارم الله. والغيرة صفة حقيقية ثابتة لله- عز وجل - ولكنها ليست كغَيرتنا، بل هي أعظمُ وأجلُّ، والله- سبحانه وتعالى - بحكمته أوجب على العباد أشياء، وحرَّم عليهم أشياء، وأحلَّ لهم أشياء. فما أوجبه عليهم فهو خير لهم في دينهم ودنياهم، وفي حاضرهم ومستقبلهم، وما حرَّمه عليهم فإنه شر لهم في دينهم ودنياهم، وحاضرهم ومستقبلهم، فإذا حرَّم الله على عباده أشياء فإنه- عز وجل - يغار أن يأتي الإنسان محارمه، وكيف يأتي الإنسان محارم ربه والله- سبحانه وتعالى - إنما حرمها من أجل مصلحة العبد، أما الله- سبحانه وتعالى - فلا يضره أن يعصي الإنسان ربه، لكن يغار كيف يعلم الإنسان أن الله سبحانه حكيم، ورحيم، ولا يحرم على عباده شيئا بخلا منه عليهم به، ولكن من أجل مصلحتهم، ثم يأتي العبد فيتقدم فيعصي الله- عز وجل - ولا سيما في الزنا - نسأل الله العافية - فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمَتُه)) (299) لأن الزنا فاحشة، والزنا طريق سافل سيء، ومن ثم حرم الله على عباده الزنا وجميع وسائله، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾[الإسراء:32]، فإذا زنى العبد- والعياذ بالله- فإن الله يغار غيرة أشد وأعظم من غيرته على ما دونه من المحارم. وكذلك أيضا- ومن باب أولى وأشد- اللواط، وهو إتيان الذكر، فإن هذا أعظم وأعظم، ولهذا جعله الله تعالى أشد في الفحش من الزنا. فقال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾[الأعراف:80]. قال هنا: (الفاحشة) وفي الزنا قال: (فاحشة) أي: فاحشة من الفواحش، أما اللواط فجعله الفاحشة العظمى نسأل الله العافية. وكذلك أيضا السرقة وشرب الخمر وكل المحارم يغار الله منها، لكن بعض المحارم تكون أشد غيرةً من بعض، حسب الجرم، وحسب المضار التي تترتب على ذلك. وفي هذا الحديث: إثبات الغيرة لله تعالى، وسبيل أهل السنة والجماعة فيه وفي غيره من آيات الصفات وأحاديث الصفات أنهم يثبتونها لله- سبحانه وتعالى - على الوجه اللائق به، يقولون: إن الله يغار لكن ليس كغيرة المخلوق، وإن الله يفرح ولكن ليس كفرح المخلوق، وإن الله- سبحانه وتعالى - له من الصفات الكاملة ما يليق به، ولا تشبه صفات المخلوقين﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11]. والله الموفق.

* * *
65- السادس: عن أبي هريرة - رضي الله عنه- أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، أراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملَكا، فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عنِّي الذي قد قذرني الناس، فمَسَحَهُ، فذهب عنه قذره، وأُعطي لونا حسنا. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل - أو قال البقر - شك الراوي - فأُعطي ناقة عُشَراء، فقال: بارك الله لك فيها. فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شَعْرٌ حسن، ويذهب عنِّي هذا الذي قذرني الناس، فمسحه، فذهب عنه، وأعطي شعرًا حسنا. قال: فأي المال أحب إليك، قال: البقر، فأعطي بقرة حاملاً، وقال: بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يَرُدَّ الله إليَّ بصري فأُبصر الناس. فمسحه، فردَّ الله إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدًا. فأنتج هذان، وولَّد هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم. ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرا أتبلَّغ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال. كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرُكَ الناس، فقيرا فأعطاك الله!؟ فقال: إنما ورِثْتُ هذا المال كابرا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا في دعواك فصيَّرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته و هيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، وردَّ عليه مثل ما ردَّ هذا، فقال: إن كنت كاذبا فصيَّرك الله إلى ما كنت. وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك، شاةً أتبلَّغُ بها في سفري. فقال: قد كنت أعمى فرد الله إليَّ بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهَدُكَ اليوم بشيء أخذته لله عز وجل. فقال: أمسِك مالَك فإنما ابتُليتُم، فقد رُضي عنك، وسُخِطَ على صاحبيك)) (300) متفق عليه. والناقة العشَرَاءُ)) بضم العين وفتح الشين وبالمد: هي الحامل. قوله: ((أُنتِج)) وفي رواية (( فنَتَجَ)) معناه: تولَّى نتاجها، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة. وقوله: ((ولِّدَ هذا)) هو بتشديد اللام: أي: تولَّى ولادتها، وهو بمعنى أنتج في الناقة. فالموَلِّدُ، والناتجُ، والقابلة بمعنى، لكن هذا للحيوان وذاك لغيره. قوله: ((انقطعت بي الحبال)) هو بالحاء المهملة والباء الموحدة: أي الأسباب. وقوله: ((لا أجهدُك)) معناه: لا أشقُّ عليك في رد شيء تأخذه أو تطلبه من مالي. وفي رواية البخاري ((لا أحمَدُكَ)) بالحاء المهملة والميم، ومعناه: لا أحمدك بترك شيء تحتاج إليه، كما قالوا: ليس على طولِ الحياة ندم، أي على فواتِ طُولها.

الشرح
قوله: ((ثلاثة من بني إسرائيل)) إسرائيل هو إسحاق بن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أخو إسماعيل، ومن ذرِّية إسرائيل موسى وهارون وعيسى وجميع بني إسرائيل، كلهم من ذرية إسحاق عليه الصلاة والسلام. وإسماعيل أخو إسحاق، فهم والعرب أبناء عمّ، وقد جاءت أخباركثيرة عن بني إسرائيل، وهي ثلاث أقسام: الأول: ما جاء في القرآن. والثاني: ما جاء في صحيح السنة. والثالث: ما جاء عن أحبارهم وعن علمائهم. فأما الأول والثاني فلا شك في أنه حق، ولا شك في قبوله، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:246]. ومن السنة مثل هذا الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما رُوي عنهم عن أحبارهم وعلمائهم فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما شَهِدَ الشّرعُ ببطلانه، فهذا باطل يجب ردُّه، وهذا يقع كثيرًا فيما يُنقل من الإسرائيليّات في تفسير القرآن، فإنه يُنقل في تفسير القرآن كثير من الأخبار الإسرائيليّة التي يشهد الشرع ببطلانها. والثاني: ما شهِدَ الشرعُ بصدقه، فهذا يُقبل، لا لأنه من أخبار بني إسرائيل، ولكن لأن الشرع شهِدَ بصدقه وأنه حق. والثالث: ما لم يكن في الشرع تصديقه ولا تكذيبه، فهذا يُتوَقَّفُ فيه، لا يصدقون ولا يكذبون، لأننا إن صدَّقناهم فقد يكون باطلا، فنكون قد صدقناهم بباطل، وإن كذَّبناهم فقد يكون حقا، فقد كذبناهم بحق، ولهذا نتوقَّف فيه، ولكن مع ذلك لا حرج من التحديث به فيما ينفع في ترغيب أو ترهيب. ذكر النبي - عليه الصلاة والسلام - في هذا الحديث أن ثلاثة من بني إسرائيل ابتلاهم الله- عز وجل - بعاهات في أبدانهم، أحدهم أبرص، والثاني أقرع ليس على رأسه شعر، والثالث أعمى لا يُبصر. فأراد الله- سبحانه وتعالى - أن يَبْتَلِيَهُم ويختَبِرَهم، لأن الله سبحانه يبتلي العبد بما شاء ليبلُوه هل يصبر أو يضجر إذا كان ابتلاه بضرّاء، وهل يشكر أو يقتر إذا كان قد ابتلاه بسرّاء. فبعث الله إليهم ملكا من الملائكة وأتاهم يسألهم: أي شئ أحب إليهم؟ فبدأ بالأبرص فقال: ((أي شئ أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس به)) لأن أهم شيء عند الإنسان أن يكون مُعافى من العاهات، ولا سيما العاهات المكروهة عند الناس. فمسحه الملك فبرأ بإذن الله ، وزال عنه البرص، و أُعطي لونا حسنا وجلدا حسنا. ثم قال له: ((أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل - أو قال - البقر !)). والظاهر أنه قال: الإبل، لأنه في قصة الأقرع أُعطي البقر، فأعطاه ناقة عُشَراء، وقال له: بارك الله لك فيها. فذهب عنه الفقر، وذَهَبَ عنه العيب البدني، ودعا له الملك بإن يبارك الله له في هذه الناقة. ثم أتى الأقرع وقال: ((أي شئ أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قذرني الناس)) . فمسحه، فأُعطي شعرًا حسنًا. وقيل له: ((أي المال أحب إليك؟ قال البقر))، فأُعطي بقرة حاملا، وقال له: بارك الله لك فيها. أما الأعمى فجاءه الملك فقال له: ((أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يَرُدَّ الله عليَّ بصري فأبصِرَ به الناس))، وتأمل قول الأعمى هذا، فإنه لم يسأل إلا بصرا يُبصر به الناس فقط، أما الأبرص والأقرع فإن كل واحد منهما تمنَّى شيئا أكبر من الحاجة، لأن الأبرص قال: جلدًا حسنًا ولونًا حسنًا، وذاك قال: شعرًا حسنًا، فليس مجرد جلدٍ أو شعر أو لون، بل تمنَّيا شيئا أكبر، أما هذا فإن عنده زهدا، لذا لم يسأل إلا بصرا يبصر به الناس فقط. ثم سأله: ((أي المال أحب إليك؟ قال: الغنم)) وهذا أيضا من زهده، فلم يتمنَّ الإبل ولا البقر، بل الغنم، ونسبة الغنم للبقر والإبل قليلة، فأعطاه شاةً والدًا وقال: بارك الله لك فيها. فبارك الله- سبحانه وتعالى - للأول في إ بله، وللثاني في بقره، وللثالث في غنمه، وصار لكل واحد منهما وادٍ مما أعطي، للأول واد من الإبل، وللثاني واد من البقر، وللثالث واد من الغنم. ثم إن هذا الملك أتى الأبرص في صورته وهيئته، صورته البدنية، وهيئته الرثة، ولباسه لباس الفقير، وقال له: ((رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك)). فتوسَّل إليه بذكر حاله أنه فقير، وأنه ابن سبيل أي مسافر، وأن الحبال أي الأسباب التي توصله إلى أهله قد انقطعت به، وأنه لا بلاغ له إلا بالله ثم به. وقال له: ((أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيرًا أتبلَّغُ به في سفري)) لكنه قال: ((الحقوق كثيرة)) وبَخِلَ بذلك، مع أنَّ له واديا من الإبل، لكنه قال: الحقوق كثيرة، وهو فيما يظهر - والله أعلم - أنه لا يؤدي شيئا منها ، لأن هذا من أحق ما يكون، لأنه مسافر وفقير وانقطعت به الحبال، ومن أحق ما يكون استحقاقا للمال، ومع ذلك اعتذر له! فذكَّرهُ بما كان عليه من قبل فقال له: ((كأني أعرفُك، ألم تكن أبرص يقذرُكَ الناس، فقيرا فأعطاك الله)) أي أعطاك المال وأعطاك اللون الحسن والجلد الحسن، ولكنه قال والعياذ بالله: ((إنما ورِثتُ هذا المال كابرًا عن كابر)) و أنكر نعمة الله. فقال له الملك : ((إن كنت كاذبا فصيَّرك الله إلى ما كنت)) أي: إن كنت كاذبا فيما تقول فصيَّرك الله إلى ما كنت من الفقر والبرص. والذي يظهر أن الله استجاب دعاء الملك وان كان دعاءً مشروطا، لكنه كان كاذبا بلا شك، فإذا تحقَّقَ الشرط تحقق المشروط. وأتى الأقرع فقال له مثلما قال للأبرص، وردَّ عليه مثلما ردَّ عليه الأبرص، فقال: ((إن كنت كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنت عليه)) وأتى الأعمى وذكَّرهُ بنعمة الله عليه: ((فقال: كنت أعمى فردَّ الله إليَّ بصري)) فأقرَّ بنعمة الله عليه ((فخُذ ما شئت ودَع ما شئت، فوالله ما أجهَدُك اليوم بشيءٍ أخذته لله عز وجل)). أي: لا أمنعك ولا أشق عليك بالمنع بشيء أخذته لله عز وجل. فانظرْ إلى الشكر والاعتراف بالنعمة. فقال له الملك: ((أمسِكْ مالك، فإنما ابتُليتُم، فقد رضيَ الله عنك وسخِطَ على صاحبيك)). وهذا يدل على أن القصة كانت مشهورة بين الناس، ولهذا قال: ((سخط على صاحبيك))، فأمسك ماله وبقي قد أنعم الله عليه بالبصر، وأما الآخران فإن الظاهر أن الله ردَّهما إلى ما كانا عليه من الفقر والعاهة والعياذ بالله. وفي هذا دليل على أن شكر نعمة الله على العبد من أسباب بقاء النعم وزيادتها، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:7]. وفي قصتهم آيات من آيات الله عز وجل: منها: إثبات الملائكة، والملائكة عالم غيبي خلقهم الله - عز وجل - من نور، وجعل لهم قوَّةً في تنفيذ أمر الله ، وجعل لهم إرادةً في طاعة الله ، فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمَرون. ومنها: أن الملائكة قد يكونون على صورة بني آدم، فإن الملك أتى لهؤلاء الثلاث بصورة إنسان. ومنها أيضا: أنهم - أي الملائكة- يتكيَّفون بصورة الشخص المعين، كما جاء إلى الأبرص والأقرع والأعمى في المرَّة الثانية بصورته وهيئته. ومنها أيضا: أنه يجوز الاختبار للإنسان في أن يأتي الشخص على هيئة معيَّنة ليختبرَهُ، فإن هذا الملك جاء على صورة الإنسان المحتاج المصاب بالعاهة ليرقَّ له هؤلاء الثلاثة، مع أن الملَك فيما يبدو - والعلم عند الله- لا يُصاب في الأصل بالعاهات، ولكن الله- سبحانه وتعالى - جعلهم يأتون على هذه الصورة من أجل الاختبار. ومنها: أن الملك مسح الأقرع والأبرص والأعمى مسحةً واحدةً فأزال الله عيبهم بهذه المسحة، لأن الله- سبحانه وتعالى - إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، ولو شاء الله لأذهب عنهم العاهة بدون هذا الملك، ولكن الله جعل هذا سببا للابتلاء والامتحان. ومنها: أن الله قد يباركُ للإنسان بالمال حتى ينتجَ منه الشيء الكثير، فإن هؤلاء النفر الثلاث صار لواحد واد من الإبل ، وللثاني واد من البقر، وللثالث واد من الغنم،وهذا من بركة الله عز وجل. وقد دعا الملك لكل واحد منهم بالبركة. ومنها: تفاوت بني آدم في شكر نعمة الله ونفع عباد الله، فإن الأبرص والأقرع وقد أعطاهم الله المال الأهم والأكبر، ولكن جحدا نعمة الله، قالا: إنما ورثنا هذا المال كابرًا عن كابر، وهم كَذَبةٌ في ذلك، فانهم كانوا فقراء أعطاهم الله المال، لكنهم - والعياذ بالله- جحدوا نعمة الله وقالوا: هذا من آبائنا وأجدادنا. أما الأعمى فإنه شكر نعمة الله واعترف لله بالفضل، ولذاك وُفِّقَ وهداه الله وقال للملك: ((خُذ ما شئت ودَع ما شئت)) ومنها أيضا: إثبات الرضا والسُّخط لله سبحانه وتعالى، أي أنه يرضى على من شاء ويسخط على من شاء، وهما من الصفات التي يجب أن نُثبتها لربنا سبحانه وتعالى، لأنه وصف نفسه بها. ففي القرآن الكريم: الرضا: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ [التوبة:100]، وفي القرآن الكريم: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُون﴾[المائدة:80]، وفي القرآن العظيم الغضب: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:93]، وهذه الصفات وأمثالها يُؤمن بها أهل السنة والجماعة بأنها ثابتة لله على وجه الحقيقة، لكنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن الله- عز وجل -لا يُشبِه المخلوقين، فكذلك صفاته لا تُشبه صفات المخلوقين. ومن فوائد هذا الحديث: أن في بني إسرائيل من العجب والآيات ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم ينقل لنا من أخبارهم حتى نتَّعظ. ومثل هذا الحديث قصة النفر الثلاث الذين لجأوا إلى غار فانطبقت عليهم صخرة من الجبل فسدَّت عليهم الغار وعجزوا عن زحزحتها، وتوسَّل كل واحد منهم إلى الله تعالى بصالح عمله. فالنبي - عليه الصلاة والسلام - يقص علينا من أنباء بني إسرائيل ما يكون فيه الموعظة والعبرة، فعلينا أن نأخذ من هذا الحديث عبرة بأن الإنسان إذا شكر نعمة الله، واعترف لله بالفضل، وأدَّى ما يجب عليه في ماله، فإن ذلك من أسباب البقاء والبركة في ماله. والله الموفق.

* * *
66- السابع: عن أبي يَعْلَى شداد بن أوس - رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الكيِّسُ من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله)) (301) رواه الترمذي وقال حديث حسن. قال الترمذي وغيره من العلماء: معنى: (( دانَ نفسَه)) أي: حاسَبَها.

الشرح
قوله: ((الكَيِّسُ)) معناه الإنسان الحازم الذي يغتنمُ الفُرَصَ ويتَّخذ لنفسه الحيطة حتى لا تفوت عليه الأيام والليالي فيضيع. وقوله : ((مَنْ دَانَ نفسه)) أي: من حاسبها ونظر ماذا فعل من المأمورات وماذا ترك من المنهيّات: هل قام بما أُمر به، وهل ترك ما نُهي عنه، فإذا رأى من نفسه تفريطًا في الواجب استدركه إذا أمكن استدراكه، وقام به أو بدله، وإذا رأى من نفسه انتهاكا لمحرَّم اقلع عنه وندم وتاب واستغفر. وقوله: ((عَمِلَ لما بعدَ الموت)) يعني عمل للآخرة، لأن كل ما بعد الموت فإنه من الآخرة، وهذا هو الحق والحزم، أن الإنسان يعمل لما بعد الموت، لأنه في هذه الدنيا مارٌّ بها مرورا، والمآل هو ما بعد الموت، فإذا فرَّط ومضت عليه الأيام وأضاعها في غير ما ينفعه في الآخرة فليس بكيِّس، الكيِّسُ هو الذي يعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبَعَ نفسه هواها وصار لا يهتم إلا بأمور الدنيا، فيتبع نفسه هواها في التفريط في الأوامر، ويتبع نفسه هواها في فعل النواهي، ثم يتمنَّى على الله الأماني فيقول: الله غفور رحيم، وسوف أتوب إلى الله في المستقبل، وسوف أُصلِحُ من حالي إذا كبرت، وما أشبهه من الأماني الكاذبة التي يُمليها الشيطان عليه، فربما يدركها وربما لا يدركها. ففي هذا الحديث: الحث على انتهازِ الفرص، وعلى أن لا يضيِّع الإنسان من وقته فرصة إلا فيما يرضي الله- عز وجل -وأن يَدَع الكسل والتهاون والتمني، فإن التمني لا يفيد شيئا، كما قال الحسن البصري رحمه الله: ((ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلِّي، ولكن الإيمان ما وَقَر في القلب وصدَّقتْهُ الأعمال)). فعلينا أيها الإخوة أن ننتهز الفرصة في كل ما يقرِّب إلى الله من فعل الأوامر و اجتناب النواهي، حتى إذا قَدِمنا على الله كنا على أكمل ما يكون من حال. نسأل الله أن يُعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.

* * *
67- الثامن: عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حُسْنِ إسلام المرء تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ)) (302) حديث حسن رواه الترمذي وغيره.

الشرح
إسلام المرء هو استسلامه لله- عز وجل - ظاهرًا وباطنًا. فأما باطنا فاستسلام العبد لربه بإصلاح عقيدته وإصلاح قلبه، وذلك بأن يكون مؤمنا بكل ما يجب الإيمان به على ما سبق في حديث جبريل. وأما الاستسلام ظاهرا فهو إصلاح عمله الظاهر، كأقواله بلسانه وأفعاله بجوارحه. والناس يختلفون في الإسلام اختلافا ظاهرا كثيرا، كما أن الناس يختلفون في أشكالهم وصورهم، منهم الطويل ومنهم القصير، ومنهم الضخم ومنهم مَنْ دون ذلك، ومنهم القبيح ومنهم الجميل، فيختلفون اختلافا ظاهرا. فكذلك أيضا يختلفون في إسلامهم لله- عز وجل - حتى قال الله في كتابه: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾[الحديد:10]. وإذا كان الناس يختلفون في الإسلام، فإن مما يزيدُ في حسن إسلام المرء أن يدع ما لا يعنيه ولا يُهمُّه لا في دينه ولا في دنياه. فالإنسان المسلم إذا أراد أن يجعل إسلامه حسنا فليَدَع ما لا يعنيه، فالشيء الذي لا يُهمُّه يتركه. فمثلا: إذا كان هناك عمل وتردَّدْتَ هل تفعل أو لا تفعل؟ انظر هل هو من الأمور الهامة في دينك ودنياك فافعله، وإلا فاتركه، والسلامة أسلم. كذلك أيضا لا تتدخَّل في شؤون الناس إذا كان هذا لا يهمُّك، وهذا خلاف ما يفعله بعض الناس اليوم، من حرصه على اطِّلاعه على أعراض الناس وأحوالهم، ويجد اثنين يتكلَّمان فيحاول أن يتقرَّب منهما حتى يسمع ما يقولان، ويجد شخصًا جاء من جهة من الجهات فتراه يبحث وربما يبادر الشخص نفسه ويقول له: من أين جئت؟ وماذا قال لك فلان؟ وماذا قلت له؟ وما أشبه ذلك في أمور لا تعنيه ولا تُهمُّه. فالأمور التي لا تعنيك اتركها، فإن هذا من حُسن إسلامك، وهو أيضا فيه راحة للإنسان، فكون الإنسان لا يهمُّهُ إلا نفسه هذا هو الراحة، أما الذي يتتبَّع أحوال الناس ماذا قيل؟ وماذا حدث لهم؟ ... فإنه سوف يتعب تعبا عظيما، ويُفوِّتُ على نفسه خيرا كثيرا، مع أنه لا يستفيد شيئا، فاجعل دأبك دأب نفسك، وهمَّك همَّ نفسك، وانظر إلى ما ينفعك فافعله، والذي لا ينفعك اتركه، وليس من حُسْنِ إسلامك أن تبحث عن أشياء لا تهمُّك. ولو أننا مشينا على هذا وصار الإنسان دأبه دأب نفسه ولا ينظر إلا إلى فعله، لحصَّل خيرا كثيرا. أما بعض الناس تجده مشغولا بشؤون غيره فيما لا فائدة له فيه، فيضيِّعُ أوقاته ويشغل قلبه ويشتِّت فكره، وتضيع عليه مصالح كثيرة.وتجد الرجل الدؤوب الذي ليس له همٌّ إلا نفسه وما يعنيه، تجده ينتج ويثمر ويحصِّل، ويكون في راحة فكريَّة وقلبيَّة وبدنيَّة، ولذا يعدُّ هذا الحديث من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أردت شيئا فعلا أو تركا انظر هل يهمك أو لا؟! إن كان لا يهمك اتركه ولا تتعرض له واسترح منه، وأرِحْ قلبك وفكرك وعقلك وبدنك، وإن كان يُهمُّك فاشتغل به بحسبه، فعلى كل حال كل إنسان عاقل كما جاء في الحديث السابق: ((الكَيِّس مَن دان نفسَه وعَمِلَ لما بعدَ الموت)). فكل إنسان عاقل يحرص على أن يعمل لما بعد الموت، ويُحاسب نفسه على أعمالها. والله الموفق.

* * *
التاسع: عن عمر - رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يُسألُ الرجل فيمَ ضَرَبَ امرأته)) رواه أبو داود وغيره (303).

الشرح
تساهل المؤلف - رحمه الله- في هذا الحديث حيث قال: (( رواه أبو داود وغيره))، لأن الغير يشمل جميع من خرَّج الأحاديث، وإن كان مثل هذه الصيغة لا يذكر الأعلى، فمثلا إذا قيل : ((رواه أبو داود وغيره)) فيعني ذلك أنه لم يروه البخاري ولا مسلم ولا من هو أعلى من أبي داود، و إنما رواه أبو داود وغيره ممَّن هو دونه. ومعنى الحديث: أن الرجل المتقي الله- عز وجل - الذي انتهى به الأمر إلى آخر المراتب الثلاث التي أشار الله إليها في قوله :﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيرًا﴾[النساء:34]، فالضرب آخر المراتب، فقد يضرب الرجل زوجته على أمر يستحيا من ذكره، فإذا عُلِمَ تقوى الرجل لله- عز وجل - وضرب امرأته فإنه لا يسأل، هذا إن صحَّ الحديث، ولكن الحديث ضعيف. أما من كان سيئ العشرة فهذا يُسأل فيمَ ضرب امرأته، لأنه ليس عنده من تقوى الله تعالى ما يردعُه عن ظلمها وضربها، حيث لا تستحقُّ أن تُضرب. والله الموفق(304).

------------------


(192) أخرجه مسلم ،كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، رقم (482) .
(193) تقدم تخريجه ص(277) .
(194) الحديث ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره(1/332) وعزاه لأبي بكر بن مردويه .وأخرجه أيضا ابن جرير الطبري في تفسيره (3/12)، والحديث صححه الشيخ الألباني لطرقه .انظر الصحيحة رقم (109) .
(195) أخرجه البخاري ،كتاب الإيمان ، باب فضل من استبرأ لدينه ،رقم (52)، مسلم ، كتاب المساقاة،باب أخذ الحلال وترك الشبهات ، رقم (1599) .
(196) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان وأشراط الساعة، رقم (8).
(197) أخرجه أبو داود ، كتاب الجنائز ، باب في التلقين ، رقم (3116)، والإمام أحمد في المسند (5/247 )، والحاكم في المستدرك (1/35) ، وصححه على شرطهما ووافقه الذهبي.
(198) أخرجه مسلم ، كتاب الإيمان ، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس ، رقم (153) .
(199) أخرجه البخاري، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، رقم(1010) .
(200) أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته،رقم (1631) .
(201) أخرجه مسلم،كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، رقم (395) .
(202) جزء من حديث طويل أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة صلوات الله عليهم،رقم (3207)، ومسلم ،كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه و سلم إلى السماوات و فرض الصلوات، رقم(163) .
(203) أخرجه مسلم،كتاب المساجد و مواضع الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس، رقم( 612) .
(204) أخرجه البخاري،كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، رقم(597)، و مسلم ، كتاب المساجد و مواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة، رقم(684) .
(205) تقدم تخريجه ص(19) .
(206) أخرجه البخاري،كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور، رقم (135)، و مسلم، كتاب الطهارة، باب الطهارة للصلاة ، رقم (225) .
(207) أخرجه أبو داود موصولاً، كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟ رقم(334)،وقال الحافظ في الفتح(1/541): و إسناده قويٌ.
(208) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة ، باب الجنب يتيمم ، رقم (333،332) و الترمذي، كتاب الطهارة باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء ،رقم (124)، وقال: حسن صحيح، والإمام أحمد في المسند (5/180،155،147،146) و صحَّحه الألباني كما في صحيح الجامع رقم (1666).
(209) تقدم تخريجه ص (318) .
(210) هذه الرواية أخرجها الإمام أحمد في المسند(5/248) .
(211) اخرجه البخاري كتاب الحيض باب غسل دم المحيض رقم(307) ، مسلم كتاب الطهارة باب نجاسة الدم و كيفية غسله رقم(291) .
(212) أخرجه ابو داود كتاب الصلاة باب الصلاة في النعل رقم (650) و الامام احمدفي المسند 3/92،20) .
(213) هذه الرواية عند مسلم كتاب الطهارة باب وجوب غسل البول و غيره من النجاسات اذا حصلت في المسجد رقم ( 285) .
(214) دعاء الأعرابي وردّ النبي صلى الله عليه و سلم أخرجه البخاري كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم رقم (6010) .
(215) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب من الكبائر أنه لا يستتر من بوله، رقم(216)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول و وجوب الاستبراء منه، رقم(292) .
(216) تقدم تخرجه ص (110) .
(217) تقدم تخرجه ص(113) .
(218) أخرجه الترمذي ،كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين للمسافر و المقيم، رقم( 96)، و قال: حسن صحيح، و النسائي، كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر، رقم(127)، و ابن ماجه كتاب الطهارة باب الوضوء من النوم رقم(478) ، و صحَّحه ابن خزيمة رقم( 169) .
(219) أخرجه البخاري كتاب الاعتصام باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه و سلم رقم(7288) و مسلم كتاب الحج باب فرض الحج مرَّة في العمر، رقم(1337) .
(220) انظر صحيح البخاري كتاب الصلاة باب التوجه نحو القبلة حيث كان، رقم(400) و صحيح مسلم كتاب صلاة المسافر باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت رقم(701،700) .
(221) تقدم تخرجه ص (19) .
(222) تقدم تخرجه ص (16) .
(223) أخرجه البخاري كتاب الدعوات باب الدعاء اذا انتبه من الليل رقم(6316) و مسلم كتاب صلاة المسافرين باب الدعاء في صلاة الليل و قيامه رقم( 763) .
(224) أخرجه أبو داود كتاب الصلاة ، باب فيمن صلَّى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم، رقم (575)، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة، رقم(219)، و قال: حسن صحيح، و النسائي، كتاب الإمامة، باب إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده، رقم( 858) ، و الإمام أحمد في المسند (4/ 161،160) .
(225) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إنما جعل الإمام ليؤتم به رقم(689) و مسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام رقم (411)
(226) جزء من الحديث السابق.
(227) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان باب من ردَّ فقال: عليك السلام رقم(6251)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة رقم(397) .
(228) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام و المأموم، رقم(756)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، رقم(394 ).
(229) أخرجه مسلم ،كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، رقم(395) .
(230) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إذا رَكَعَ دون الصف رقم(783)، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الرجل يركع دون الصف رقم(684) .
(231) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب قول الرجل فاتتنا الصلاة، رقم(908)، ومسلم، كتاب المساجد، باب إتيان الصلاة بوقار و سكينة ، رقم( 603) .
(232) أخرجه مسلم ، كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الرُّكوع و السُّجود ، رقم( 479) .
(233) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء في الركوع ، رقم( 817)، و مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع و السجود ، رقم( 484) .
(234) أخرجه مسلم ، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع و السجود ، رقم( 487) .
(235) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب السجود على الأنف ، رقم(812) ، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود ، رقم ( 390[230 ]) .
(236) تقدم تخريجه برقم (393).
(237) تقدم تخريجه برقم (393).
(238) تقدم تخريجه ص (392).
(239) تقدم تخريجه ص(325).
(240) يشير فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- إلى أيام حرب الخليج الثانية 1411هـ .
(241) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه ، رقم(840)، والترمذي، كتاب الصلاة، باب آخر منه، رقم (269) ، و قال: غريب، و النسائي، كتاب التطبيق، باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده ، رقم(1091)، و أحمد في المسند(2/381)، و صحَّحه الألباني كما في صحيح الجامع رقم( 595) .
(242) أخرجه البخاري، كتاب الهبة، باب هبة الرجل لامرأته و المرأة لزوجها، رقم( 2622) ، ومسلم، كتاب الهبات، باب تحريم الرجوع في الصدقة و الهبة بعد القبض ، رقم( 1622) .
(243) أخرجه الإمام أحمد (1/230) و ذكره المنذري في الترغيب بصيغة التمريض إشارة إلى ضعفه (1/505) . وضَعَّفَ الألباني إسناده لوجود مجالد بن سعيد. انظر المشكاة رقم(1397) .
(244) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب أمر النبي صلى الله عليه و سلم الذي لا يتم ركوعه بالإعادة، رقم(793)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، رقم(397) .
(245) تقدم تخريجه ص(68) .
(246) تقدم تخريجه ص(305) .
(247) تقدم تخريجه ص (303).
(248) تقدم تخريجه ص(304).
(249) أخرجه البخاري، كتاب استتابة المرتدين، باب حكم المرتد و المرتدة و استتابتهم ، رقم(6922).
(250) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت ، رقم(425) .
(251) نصُّ الحديث عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((يَدْرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يُدري ما صيام و لا صلاة و لا نُسُك و لا صدقة. و ليسري على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، و تبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير، و العجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها. فقال له صلة؛ ما تغني عنهم لا إله إلا الله، و هم لا يدرون ما صلاة، و لا صيام، و لا نسك، و لا صدقة. فأعرض عنه حذيفة.. ثم ردها عليه ثلاثًا. كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه الثالثة فقال: يا صلة! تنجيهم من النار.. ثلاثا)) أخرجه ابن ماجه، باب ذهاب القرآن و العلم رقم(4049)، و الحاكم في المستدرك(4/473)، و قال: صحيح (3/254): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات .
(252) تقدم تخريجه ص(305).
(253) أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ ، رقم(7352) ،ومسلم، كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ رقم(1716) .
(254) أخرجه الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، رقم(2616)، و ابن ماجه، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، رقم(3973)، والإمام أحمد (5/248) و قال الترمذي: حسن صحيح .
(255) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع رقم( 6502) .
(256) أخرجه ابن ماجه،كتاب الفتن، باب العقوبات، رقم(4019)، و الحاكم في المستدرك(4/540)، و قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. و قال الذهبي: صحيح. وقال البوصيري في الزوائد(3/246): هذا حديث صالح العمل به. و حسَّنه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (106) .
(257) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة رقم (987) .
(258) تقدم تخريجه ص(34).
(259) انظر ص(34).
(260) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب صوم رمضان احتسابًا من الإيمان، رقم(38)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، رقم(760) .
(261) أخرجه مسلم، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال و الفطر لرؤية الهلال، رقم(1081)، وأخرج نحوه البخاري بلفظ: ((صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته، فإن غُمّي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين))، البخاري ، كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه و سلم: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا، و إذا رأيتموه فأفطروا)) . رقم(1909) .
(262) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب وجوب الحج و فضله، رقم (1513)، ومسلم ، كتاب الحج، باب الحج على العاجز لزمانه و هرم و نحوهما أو للموت، رقم (1334،1335) .
(263) تقدم تخريجه ص (330) .
(264) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم و بحمدك، رقم(776)، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما يقول عند افتتاح الصلاة، رقم( 243)، و ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب افتتاح الصلاة، و صححه العلامة أحمد شاكر في حاشيته على سنن الترمذي (2/11) .
(265) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل و قيامه، رقم (770) .
(266) انظر كلام الحافظ ابن كثير حول عدم ثبوت هذه القصة في تفسيره عند تفسيره لهذه الآية.
(267) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً﴾ رقم(6565)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم (194).
(268) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب خاتم النبيين صلى الله عليه و سلم، رقم(3535)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب ذكر كونه صلى الله عليه و سلم خاتم النبيين، رقم(2286). و في لفظ عند مسلم رقم (2287): ((جئت فختمت الأنبياء)) .
(269) أخرجه البخاري، كتاب التهجد، باب من نام عند السحر، رقم (1131)، ومسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به...، رقم (1159) .
(270) العقيدة الواسطية ص(10).
(271) أخرج ذلك البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، رقم (832)، ومسلم، كتاب المساجد و مواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، رقم (589).
(272) أخرجه مسلم، كتاب الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه و إثبات عذاب القبر رقم (2867) .
(273) تقدم تخريجه ص( 368).
(274) تقدم تخريجه ص(82).
(275) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب رقم (54)، رقم (3475)، ومسلم، كتاب الحدود، باب قطع السارق و الشريف و غيره، رقم (1688).
(276) أخرجه البخاري، كتاب فضائل الصَّحابة، باب قول النبي صلى الله عليه و سلم :لوكنت متخذًا خليلاً...)) رقم(3666)، ومسلم ،كتاب الزكاة، باب من جمع الصدقة و أعمال البر، رقم( 1027).
(277) انظر شرح العقيدة الواسطية لفضيلة الشيخ المؤلف رحمه الله تعالى ص(497) ط( دار الثريا) .
(278) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان و النذور، باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان، رقم(6664)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس و الخواطر بالقلب إذا لم تستقر، رقم(127) .
(279) أخرجه البخاري، كتاب المظالم، باب قول الله تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ رقم(2441)، ومسلم، كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل و إن كَثُرَ قتله، رقم(2768).
(280) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب الحوض، رقم(6579)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه و سلم و صفاته، رقم(2292) .
(281) رواه الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء في الرضا بالقضاء، رقم(2155)، وأبو داود،كتاب السنة، باب في القدر، رقم(4700) .
(282) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق لصلة الرحم، رقم(5986) ومسلم، كتاب البر و الصلة، باب صلة الرحم و تحريم قطعيتها، رقم(2557).
(283) تقدم تخريجه ص(197) .
(284) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل و قيامه، رقم(771) .
(285) أخرجه الإمام أحمد (المسند1/214).
(286) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في معاشرة الناس، رقم(1987)، و الإمام أحمد في المسند(5م228،158،153) ، و الحاكم في المستدرك(1/54)، وقال:صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه، و وافقه الذهبي .وقال الترمذي: حسن صحيح .
(287) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة ورمضان إلى رمضان...، رقم(233).
(288) أخرجه البخاري، كتاب العمرة، باب وجوب العمرة و فضلها، رقم(1773)، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل الحج و العمرة و يوم عرفة، رقم(1349).
(289) أخرجه الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في استكمال الإيمان و زيادته و نقصانه، رقم(2612)، والإمام أحمد في المسند،(6/47) من حديث عائشة، و قال الترمذي: حديث صحيح، و أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب الدليل على زيادة الإيمان و نقصانه، رقم(4682)، والحديث صحَّحه الألباني كما في صحيح الجامع، رقم(1232،1231،1230) .
(290) رواه الترمذي، كتاب الأدب، باب حسن الخلق و السخاء و ما يكره من البخل، رقم(6035).
(291) أخرجه الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب رقم(59)، رقم(2516)،والإمام أحمد في المسند(1/293) و قال الترمذي: حسن صحيح .
(292) أخرجه الترمذي، كتاب التفسير، باب ومن سورة ويل للمطففين، رقم(3334)، و ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الذنوب، رقم(4244)، و الإمام أحمد في المسند (2/297). و قال الترمذي: حسن صحيح .
(293) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، رقم(1470).
(294) أخرجه البخاري، كتاب القدر، باب العمل بالخواتيم، رقم(6606)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان تحريم قتل الإنسان نفسه...، رقم(111) .
(295) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق،باب ما يتقى من محفرات الذنوب، رقم(6492).
(296) أخرجه مسلم،كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه و سلم((من غشنا فليس منا)) رقم(102).
(297) تقدم تخريجه ص(293) .
(298) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب الغيرة، رقم(5223) ،ومسلم، كتاب التوبة، باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش، رقم(2761).
(299) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب الغيرة، رقم(5221)، ومسلم ،كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف، رقم(901).
(300) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث أبرص و أعمى و أقرع في بني إسرائل، رقم(3464)، ومسلم، كتاب الزهد و الرقائق، باب الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، رقم(2964).
(301) أخرجه الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب رقم(59)، رقم(2459)، و ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت و الاستعداد له، رقم(4260)، و الإمام أحمد(4/124) و قال الترمذي: حديث حسن ،و صححه الحاكم في المستدرك(1/57)، و قال حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، قال الذهبي: لا و الله! أبو بكر واهِ.وضعفه الألباني كما في ضعيف الجامع رقم(4305) .
(302) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب رقم(11)، ورقم(2318)، و ابن ماجه، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، رقم(3976) و حسنه النووي كما في الفتن .
(303) رواه الإمام أحمد(1/20) و أبو داود، كتاب النكاح، باب في ضرب النساء، رقم(2147) و ابن ماجه، كتاب النكاح، باب ضرب النساء، رقم(1986)و ضعفه الألباني في الإرواء، رقم(2034) .
(304) هذا الحديث لم يعلق عليه فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- في الجامع أثناء قراءة كتاب((رياض الصالحين)) لهذا عرض الشيخ فهد بن ناصر السليمان جزاه الله خيرًا - على فضيلته - رحمه الله تعالى - أن يشرح هذا الحديث لخفاء معناه على كثير من الناس فأملى عليه- رحمه الله تعالى - ما هو مدون أعلاه، و ذلك من فضل الله تعالى.






* * *



شرح باب المراقبة للشيخ   فَيْصَلْ آل مُبَارَك
باب المراقبة للشيخ   ابن علان الصديقى


أعلى صفحة
سكربت رياض الصالحين - لأجلك محمد صلى الله عليه وسلم
 
 

www.لأجلك.com

www.4muhammed.net

www.4muhammed.com

www.4muhammed.org