موقع لأجلك محمد صلى الله عليه وسلم منتدى لأجلك محمد صلى الله عليه وسلم إذاعة لأجلك محمد صلى الله عليه وسلم مقياس معرفتنا بنبينا المجلة الفلاشية تواقيع دعوية تتجدد المحاضرات والدروس الصوتية لطلاب كلية الشريعة لألئ حول الرسول صلى الله عليه وسلم رياض الصالحين

Bookmark and Share 

عودة إلى  كتاب أدب الطعام - رياض الصالحين

شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله
شرح أحاديث رياض الصالحين كتاب أدب الطعام


كتاب أدب الطعام
باب التسمية في أوله والحمد في آخره
728 - عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك متفق عليه
729 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى فإن نسى أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح

[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله (كتاب أدب الطعام) فالطعام ما يطعمه الإنسان أي ما يتذوق طعمه ويكون شرابا ويكون أكلا والدليل على أن الشراب يسمى طعما أو طعاما قوله تبارك وتعالى: فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ثم قال: (باب التسمية في أوله والحمد في آخره) ثم ذكر حديث

عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه وكان ربيب النبي صلى الله عليه وسلم يعني ابن زوجته أم سلمة فإنه قدم النبي صلى الله عليه وسلم طعام وكان غلاما صغيرا فجعلت يده تطيش في الصحفة من هنا ومن هنا وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدع مجالا يحتاج إلى التعليم إلا علم حتى الصغار فقال له: سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك فهذه ثلاثة آداب في الأكل علمها النبي صلى الله عليه وسلم هذا الغلام أولا: قال: سم الله يعني قل: بسم الله ولا حرج أن يزيد الإنسان الرحمن الرحيم لأن هذين الاسمين أثنى الله بهما على نفسه في البسملة في القرآن الكريم بسم الله الرحمن الرحيم فإن قال بسم الله الرحمن الرحيم فلا حرج وإن اقتصر على بسم الله كفى والتسمية على الأكل واجبة إذا تركها الإنسان فإنه يأثم ويشاركه الشيطان في أكله ولا أحد يرضى أن يشاركه عدوه في أكله فلا أحد يرضى أن يشاركه الشيطان في أكله فإذا لم تقل: بسم الله فإن الشيطان يشاركك فيه فإن نسيت أن تسمى في أوله وذكرت في أثنائه فقل: بسم الله أوله وآخره كما أرشد إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي روته عائشة وأخرجه أبو داود والترمذي

ثانيا: قال: كل بيمينك والأكل باليمين واجب ومن أكل بشماله فهو آثم عاص للرسول صلى الله عليه وسلم ومن عصى الرسول فقد عصى الله ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ثالثا: كل مما يليك يعني إذا كان معك مشارك فكل من الذي يليك لا تأكل من جهته، ومن الذي يليه فإن هذا سوء أدب قال العلماء: إلا أن يكون الطعام أنواعا مثل أن يكون فيه قرع وباذنجان ولحم وغيره فلا بأس أن تتخطى يدك إلى هذا النوع أو ذاك كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من الصحفة يأكلها والدباء يعني القرع وكذلك لو كنت تأكل وحدك فلا حرج أن تأكل من الطرف الآخر لأنك لا تؤذي أحدا في ذلك لكن لا تأكل من أعلى الصحفة لأن البركة تنزل في أعلاها ولكن كل من الجوانب وفي هذا الحديث: دليل على أنه ينبغي لنا أن نعلم الصبيان والغلمان آداب الأكل والشرب وكذلك آداب النوم فضلا عن الأمور الأخرى كالصلاة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر

730 - وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء رواه مسلم

[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في سياق أدب الطعام عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه لا مبيت لكم ولا عشاء ذلك لأن الإنسان ذكر الله وذكر الله تعالى عند دخول البيت أن يقول: بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا اللهم إني أسألك خير المولج وأسألك خير المخرج هذا الذكر عند دخول المنزل سواء في الليل أو في النهار وأما الذكر عند العشاء فأن يقول بسم الله

فإذا ذكر الله عند دخوله البيت وذكر الله عند أكله عند العشاء قال الشيطان لأصحابه لا مبيت لكم ولا عشاء لأن هذا البيت وهذا العشاء حمى بذكر الله عز وجل حماه الله تعالى من الشياطين وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء أي أن الشيطان يشاركه المبيت والطعام لعدم التحصن بذكر الله وفي هذا: حث على أن الإنسان ينبغي له إذا دخل بيته أن يذكر اسم الله والذكر الوارد في ذلك بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج ثم يستاك لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته فأول ما يبدأ به السواك ثم يسلم على أهله أما عند العشاء فيقول: بسم الله وبذلك يحترز من الشيطان الرجيم مبيتا وعشاء فإن ذكر اسم الله عند الدخول دون العشاء شاركه الشيطان في عشائه وإن ذكر اسم الله عند العشاء دون الدخول شاركه الشيطان في المبيت دون العشاء وإن ذكر اسم الله عند الدخول وعند العشاء فإن الشيطان لا يكون له مبيت ولا عشاء

731 - وعن حذيفة رضي الله عنه قال: كنا إذا حضرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده وإنا حضرنا معه طعاما فجاءت جارية كأنها تدفع فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها ثم جاء أعرابي كأنما يدفع فأخذ بيده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله تعالى عليه وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما ثم ذكر اسم الله تعالى وأكل رواه مسلم

[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف رحمه الله في باب أدب الطعام ما نقله عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال كنا إذا حضرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده وذلك لكمال احترامهم للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يضعون أيديهم في الطعام حتى يضع يده فحضر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم طعاما تقدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بدءوا جاءت جارية يعني طفلة صغيرة كأنما تدفع دفعا يعني كأنها

تركض فأرادت أن تضع يدها في الطعام بدون أن تسمى فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم بيدها ثم جاء أعرابي كذلك كأنما يدفع دفعا فجاء يده في الطعام فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم بيده ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الأعرابي وهذه الجارية جاء بهما الشيطان لأجل أن يستحل الطعام بهما إذا أكلا بدون تسمية وهما قد يكونان معذورين لجهلهما هذه لصغرها وهذا أعرابي لكن الشيطان أتى بهما من أجل أنهما إذا أكلا بدون تسمية شارك في الطعام ثم أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أن يد الشيطان مع أيديهما في يد النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الحديث يدل على فوائد: منها: احترام الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأدبهم معه.
ومنها: أنه ينبغي إذا كان هناك كبير على الطعام أل يتقدم أحد قبل أكله بل يؤثرون الكبير بالأكل أولا لأن التقدم بين يدي الكبير غير مناسب وينافى الأدب ومنها: أن الشيطان يأمر الإنسان ويحثه ويزجره على فعل ما لا ينبغي وقد جاء في القرآن الكريم: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ

وَالْمُنْكَرِ
} فدل هذا على أن الشيطان له إمرة على بني آدم والمعصوم من عصمه الله ومنها: أن الإنسان إذا أتى في أثناء الطعام فليسم ولا يقل سمى الأولون قبلي ولكن إذا كانوا جميعا وبدؤوا بالطعام جميعا فهل يكفى تسمية الواحد؟ والجواب: إن كان الواحد سمى سرا فإن تسميته لا تكفى لأن الآخرين لم يسمعوها وإن سمى جهرا ونوى عن الجميع فقد يقال إنها تكفي وقد يقال الأفضل أن يسمي كل إنسان لنفسه وهذا أكمل وأحسن.
ومن فوائد هذا الحديث: أن للشيطان يدا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمسك بيده ومنها أيضا: أن هذا الحديث آية من آيات الرسول صلى الله عليه وسلم حيث أعلمه الله تعالى بما حصل في هذه القصة وان الشيطان دفع الأعرابي والجارية وأنه أمسك بأيديهم أي بأيدي الثلاثة بيده الكريمة صلوات الله وسلامه عليه ومنها: أنها إذا جاء أحد يريد أن يأكل ولم تسمعه سمى فأمسك بيده حتى يسمي لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمسك بأيديهم ولم يقل سميا بل

أمسك بأيديهم حتى يكون في ذلك ذكرى لهم يذكرون هذه القصة ولا ينسون التسمية في المستقبل ومن فوائد هذا الحديث: تأكد التسمية عند الأكل والصحيح أن التسمية عند الأكل واجبة وأن الإنسان إذا لم يسم فهو عاص لله عز وجل وراض بأن يشاركه في طعامه أعدى عدو له وهو الشيطان فلذلك كانت التسمية واجبة فإن نسيت التسمية في أوله وذكرت في أثنائه فقل بسم الله أوله وآخره
732 - وعن أمية بن مخشي الصحابي رضي الله عنه قال: كان رسول صلى الله عليه وسلم جالسا ورجل يأكل فلم يسم الله حتى لم يبق من طعامه لقمة فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: ما زال الشيطان يأكل معه فلما ذكر اسم الله استقاء ما في بطنه رواه أبو داود والنسائي
733 - وعن عائشة رضي الله عنه قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم

يأكل طعاما في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إما إنه لو سمى لكفاكم رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح
734 - وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع مائدته قال الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مستغنى عنه ربنا رواه البخاري
735 - وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أكل طعاما فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن

[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث ساقها المؤلف رحمه الله في (كتاب أدب الطعام (وفيها دلالة على أمور: منها: أن الإنسان إذا لم يسم الله على طعامه فإن الشيطان يأكل معه لحديث أمية بن مخشى أن رجلا أكل طعاما فلم يسم فلما

بقى لقمة واحدة تذكر فسمى الله تعالى فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر أن الشيطان كان يأكل معه فلما ذكر الله قاء الشيطان ما أكله وهذه من نعمة الله سبحانه وتعالى أن الشيطان يحرم أن يأكل معنا إذا سمينا في أول الطعام وكذلك إذا سمينا في آخره وقلنا بسم الله أوله وآخره فإن ما أكله يتقيؤه فيحرم إياه وفي الحديث دليل على أن الشيطان يأكل لأنه أكل من هذا الطعام فالشيطان يأكل ويشرب ويشارك الآكل والشارب إذا لم يسم الله تعالى على آكله وشربه وكذلك ذكر حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل في سنة نفر من أصحابه فجاء أعرابي فدخل معهم فأكل الباقي بلقمتين هذا كأنه جائع والله أعلم فجاء منهما في الأكل فأكل الباقي بلقمتين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه لو سمى لكفاكم لكنه لم يسم فأكل الباقي كله بلقمتين ولم يكفه وهذا يدل على أن الإنسان إذا لم يسم نزعت البركة من طعامه لأن الشيطان يأكل معه فيكون الطعام الذي يظن أنه يكفيه لا يكفيه لأن البركة تنزع منه وبقية الأحاديث فيها دليل على أن الإنسان ينبغي له إذا أكل أكلا أن يحمد الله سبحانه وتعالى وأن يقول: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة ومعنى ذلك أنه لولا أن الله تعالى يسر لك هذا الطعام ما

حصل لك كما قال تعالى: أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ فالإنسان لولا أن الله ييسر له الطعام من حين أن يبذر ثم ينبت ثم يحصد ثم يحضر إليه ثم يطحن ثم يعجن ثم يطبخ ثم ييسر الله له الأكل ما تيسر له ذلك ولهذا قال بعض العلماء إن الطعام لا يصل إلى الإنسان ويقدم إليه إلا وقد سبق ذلك نحو مائة نعمة من الله لهذا الطعام ولكننا أكثر الأحيان في غفلة عن هذا نسأل الله أن يطعمنا وجميع المسلمين الطعام الحلال وأن يرزقنا شكر نعمته إنه على كل شيء قدير وفي حديث معاذ بن أنس رضي الله عنه حث النبي صلى الله عليه وسلم على قول: الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغى عنه ربنا أي إننا لا نستغني عن الله عز وجل ولا أحد يكفينا دونه فهو سبحانه حسبنا وهو رازقنا جل وعلا

باب لا يعيب الطعام واستحباب مدحه
736 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه متفق عليه
737 - وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سال أهله الأدم فقالوا: ما عندنا إلا خل فدعا به فجعل يأكل ويقول: نعم الأدم الخل نعم الأدم الخل رواه مسلم

[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب لا يعيب الطعام واستحباب مدحه) والطعام: ما يطعمه من مأكول ومشروب والذي ينبغي للإنسان إذا قدم له الطعام أن يعرف قدر نعمة الله سبحانه وتعالى بتيسيره وأن يشكره على ذلك وألا يعيبه إن كان يشتهيه وطابت به نفسه فليأكله وإلا فلا يأكله ولا يتكلم فيه بقدح أو بعيب ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعاما قط يعني لم يعب أبدا فيما مضى طعاما ولكنه إن

اشتهاه أكله وإلا تركه ولا يعيبه مثال ذلك رجل قدم له تمر وكان التمر رديئا فلا يقل هذا تمر رديء بل يقال له إن اشتهيته فكل وإلا فلا تأكله أم أن تعيبه وهو نعمة أنعم الله بها عليك ويسرها لك فهذا لا يليق كذلك إذا صنع طعام فقدم إليه ولكنه لم يعجبه فلا يعيبه ويقال له إن كان هذا الطبخ قد ساغ لك فكل وإلا فاتركه وأما في مدح الطعام والثناء عليه فذكر حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهله الأدم فقالوا: ما عندنا شيء إلا الخل والخل عبارة عن ماء يوضع فيه التمر حتى يكون حلوا فجيء إليه بالخل يأتدم به يعني يغط فيه الخبز ويأكله ويقول: نعم الأدم الخل نعم الأدم الخل وهذا ثناء على الطعام لأن الخل وإن كان شرابا يشرب لكن الشراب يسمى طعاما قال الله تعالى: فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي وإنما سمى طعاما لأن له طعما يطعم

وهذا أيضا من هدى النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا أعجبه الطعام أثنى عليه وكذلك مثلا لو أثنيت على الخبر قلت نعم الخبز خبز فلان أو ما أشبه ذلك فهذا أيضا من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم

باب ما يقوله من حضر الطعام وهو صائم إذا لم يفطر
738 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائما فليصل وإن كان مفطرا فليطعم رواه مسلم قال العلماء: معنى فليصل فليدع ومعنى فليطعم فليأكل

[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب ما يقوله من حضر الطعام وهو صائم إذا لم يفطر) ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيمن دعي إلي الطعام وهو صائم قال: فإن كان صائما فليصل وإن كان منفطرا فليطعم فليصل: يعني فليدعو لأن الصلاة هنا المراد بها الدعاء كما هو في اللغة العربية أن الصلاة هي الدعاء أما في الشرع فالصلاة هي العبادة المعروفة إلا إذا دل الدليل علي أن المراد بها الدعاء فهو علي ما دل عليه الدليل

فالإنسان إذا دعي إلى الطعام وحضر فلا يكفي الحضور بل يأكل لأن الرجل الذي دعاك لم يصنع الطعام إلا ليؤكل فقد تكلف لك وصنع طعاما أكثر من طعام أهله ودعاك إليه فإذا قلنا لا حرج عليك إن تركت الأكل لزم من هذا أن يبقى طعامه لم يؤكل فمثلا لو دعا عشرة وصنع لهم طعاما وقلنا إن الواجب الحضور دون الأكل ثم قاموا ولم يأكلوا لصار في ذلك مفسدة لماله ومضيعة لماله وصار في قلبه على الحاضرين شيء لماذا لم يأكلوا طعامي؟ فتقول إذا دعاك داع فالسنة أن تجيبه إلا إذا كان الداعي هو الزوج في وليمة العرس فإن الواجب أن تجيبه إلى دعوته ولا يحل لك أن تمنع لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من لم يجب فقد عصى الله ورسوله يعني دعوة الوليمة أما غيرها من الدعوات فأنت بالخيار مثل ذلك لو أن إنسانا دعاك في طعام لأنه قدم من سفر أو

لأنه دعا أصحابه أو ما أشبه ذلك فأنت بالخيار إن شئت فأجب وإن شئت فلا تجب لكن الأفضل أن تجيب وهذا الذي عليه جمهور العلماء وقال بعض العلماء يجب أن تجيب في دعوة الطعام في العرس وغيره إلا لسبب شرعي فإذا حضرت فإن كنت مفطرا فكل وإن كنت صائما فادع لصاحب الطعام وأخبره بأنك صائم حتى لا يكون في قلبه شيء وإن رأيت أنك إذا أفطرت وأكلت صار أطيب لقلبه فأفطر إلا أن يكون الصوم صوم فريضة فلا تفطر فتبين الآن أن المسألة ثلاثة أحوال: أولا: إذا دعاك وأنت مفطر فكل ثانيا: إذا دعاك وأنت صائم صوم فريضة فلا تأكل ولا تفطر ثالثا: إذا دعاك وأنت صائم صوم نقل فأنت بالخيار إن شئت فأفطر وكل وإن شئت فلا تأكل واخبره بأنك صائم واتبع ما هو الأصلح إذا رأيت أن من الخير أن تفطر فأفطر وكل وإلا فلزوم الصيام أولى أما البطاقات فلا تجب الإجابة فيها إلا إذا علمت أن الرجل أرسل إليك البطاقة بدعوة حقيقية لأن كثيرا من البطاقات ترسل إلى

الناس من باب المجاملة ولا يهمه حضرت أم لم تحضر لكن إذا علمت أنه يهمه أن تحضر لكونه قريبا لك أو صديقا لك فأجب

باب ما يقوله من دعي إلي طعام فتبعه غيره
739 - عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: دعا رجل النبي صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه له خامس خمسة فتبعهم رجل فلما بلغ الباب قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا تبعنا فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع قال: بل آذن له يا رسول الله متفق عليه

[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله في (كتاب أدب الطعام) : (باب ما يقوله من دعي إلى الطعام فتبعه غيره) ثم ذكر حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه أن رجلا دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام خامس خمسة يعني حدد العدد بأنهم خمسة فتبعهم رجل فكانوا ستة فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم منزل الداعي استأذن للرجل السادس قال صلى الله عليه وسلم إن هذا تبعنا فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع ففي هذا دليل على فوائد أولا: أنه يجوز للإنسان إذا دعا قوما أن يحدد العدد ولا حرج في ذلك وبعض الناس يقول: إنه إذا حدد العدد فإنه بخيل

ولكن يقال قد يكون الإنسان قليل ذات اليد يحتاج أن يحدد لأجل أن يصنع الطعام الذي لا يزيد عن كفايتهم ولا سيما في مكان يكون فيه عامة الناس فقراء أما الأغنياء فالحمد لله لا يحددون وفيه أيضا: دليل على جواز اتباع الرجل للمدعوين لعله يحصل علي طعام لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع هذا الرجل من اتباعهم بل استأذن له ولأنه ورد أيضا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه حين تبع النبي صلى الله عليه وسلم من أجل أن يشبع بطنه وفيه أيضا: دليل على أنه إذا جاء مع الإنسان من لم يدع فإنه يستأذن له خصوصا إذا كنت تظن أن صاحب البيت دعاك لغرض خاص لا يجب أن يطلع عليه أحد فحينئذ لابد أن تستأذن وفيه أيضا: دليل على أنه لا حرج علي صاحب البيت إذا لم يأذن للذي تبع المدعو لأنه لو كان في ذلك حرج ما استأذنه النبي صلى الله عليه وسلم فلما استأذنه دل على أنه بالخيار إن شاء أذن وإن شاء قال ارجع وذلك أن الإنسان إذا استأذن علي شخص فصاحب البيت بالخيار إن شاء أذن له وإن شاء قال ارجع وقد قال الله تعالى: وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ فلا يكن في صدرك حرج ولا في نفسك ضيق إذا استأذنت علي

شخص وقال ارجع أنا الآن مشغول خلافا لبعض الناس إذا استأذن على إنسان وقال له: ارجع أنا مشغول صار في قلبه شيء وهذا غلط لأن الناس لهم حاجات خاصة في بيوتهم وقد يكون ذلك لهم تعلقات بأناس آخرين أهم فإذا استأذنت علي شخص في البيت وقال لك الآن عندي شغل فارجع وارجع بكل راحة وبكل طمأنينة لأن هذا هو الشرع

باب الأكل مما يليه ووعظه وتأديبه من يسيء أكله
740 - عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا غلام سم الله تعالى وكل بيمينك وكل مما يليك متفق عليه قوله: تطيش بكسر الطاء وبعدها ياء مثناه من تحت معناه تتحرك وتمتد إلى نواحي الصحفة
741 - وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن رجلا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله فقال: كل بيمينك قال: لا أستطيع قال: لا استطعت ما منعه إلا الكبر فما رفعها إلى فيه رواه مسلم

[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله في (كتاب أدب الطعام) : (باب الأكل مما يليه ووعظه وتأديبه من يسيء أكله)

وقد سبق لنا الكلام على أن الكل باليمين والشرب باليمين واجب وأنه يحرم على الإنسان أن يأكل بشماله أو يشرب بشماله وأن من أكل بشماله أو شرب بشماله فإنه عاص وآثم عاص لله ورسوله وآثم ومشابه للشيطان ولأولياء الشيطان من الكفار والواجب على المسلم أن يأكل باليمين إلا لعذر كما لو كانت اليمين مشلولة أو ما أشبه ذلك فاتقوا الله ما استطعتم ولهذا ذكر المؤلف حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل يأكل بشماله: كل بيمينك قال: لا أستطيع قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا استطعت يعني دعا عليه أن يعجز أن يرفع يده اليمنى إلى فمه لأنه ما منعه إلا الكبر والعياذ بالله فدعا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يرفعها بعد ذلك إلى فمه ويحتمل قوله ما منعه إلا الكبر يعني إلا التكبير عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ويحتمل أنه ما منعه إلا الكبر يعني ما منعه أن يأكل بيمينه إلا الكبر وأيا كان فإن دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم عليه بهذه الدعوة التي أوجبت أن تنشل يده حتى لا ترفع إلى فمه دليل علي أن الأكل بالشمال حرام وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب

بشماله فأنت الآن أمامك هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي الشيطان فهل تأخذ بهدي الرسول أو بهدي الشيطان؟ وكل مؤمن يقول آخذ بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم والرسول صلى الله عليه وسلم يأكل بيمينه وأمر بالأكل باليمين ويشرب بيمينه وأمر بالشرب باليمين والشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله فاختر أي الطريقين شئت ولهذا كان أولياء الشيطان من اليهود والنصارى والمشركين لا يعرفون الأكل إلا بالشمال ولا الشرب إلا بالشمال لأنهم أولياء الشيطان تولاهم الشيطان والعياذ بالله واستحوذ عليهم فإياك أن تكون مثلهم وبعض الناس إذا كان يأكل وأراد أن يشرب يمسك الكأس باليسار ويشرب وهذا لا يجوز لأن الحرام لا يباح إلا للضرورة وهذا ليس له ضرورة يستطيع أن يمسك الكأس من أسفله باليد اليمنى فغالب كئوس الناس اليوم إما من البلاستك يشرب بها ثم ترمي ولا تغسل أو من الحديد أو الزجاج فيمكن غسلها حتى لو تلطخت ولكن لا يجوز للإنسان أن يأكل بشماله أو يشرب بشماله فإن فعل فهو عاص لله ورسوله عاص للرسول لأنه نهى عن

ذلك وعاص لله لأن معصية الرسول معصية لله قال الله تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله وقال: {ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} والرسول ما يتكلم من عند نفسه بل يتكلم لأنه رسول رب العالمين سبحانه وتعالى وذكر المؤلف رحمه الله حديث عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن أبي سلمة بن أم سلمة وأم سلمة مات عنها زوجها أبو سلمة رضي الله عنه وكانت تحبه حبا عظيما وهو ابن عمها وحضر النبي صلى الله عليه وسلم وفاته ودخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقد شخص بصره أي انفتح انفتح انفتاحا كبيرا فقال صلى الله عليه وسلم: إن الروح إذا قبض تبعه البصر لأن الروح بإذن الله جسم لطيف خفيف يخرج من البدن ولا يمكن أن نشاهده بل يشاهده الميت فيشاهد نفسه خرجت من جسده قال: إن الروح إذا قبضت تبعها البصر فضج ناس من أهله لما سمعوا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم عرفوا أنه مات فضجوا كعادة الناس لأنه في الجاهلية إذا مات الميت دعوا بالويل والثبور

واثبوراه واويلاه وما أشبه ذلك فقال صلى الله عليه وسلم لا تدعوا علي أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون علي ما تقولون ثم أغمض النبي صلى الله عليه وسلم بصره يعني رد أجفانه بعضها إلى بعض لئلا تبقى عيناه مفتوحين وهكذا ينبغي أن يغمض الميت إذا مات لأنه إذا برد ما تستطيع أن تغمض عينيه فما دام حارا فأغمض عينيه وقال صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبة في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه يا لها من دعوات كلنا يتمناها اللهم اغفر لأبي سلمة يعني ذنوبه وارفع درجته في المهديين أي في جنات النعيم جعلنا الله من أهلها: وافسح له في قبره أي وسع له في قبره ونور له فيه لأن القبر ظلمة إلا من نوره الله عليه نور الله قبورنا واخلفه في عقبة يعني كن خليفته في عقبه وكانت أم سلمة رضي الله عنها قد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا أصيب بمصيبة فقال: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها فقالت ذلك لما مات زوجها وابن عمها وأحب الناس إليها

ثم جعلت تفكر تقول في نفسها من خير من أبي سلمة فهي مؤمنة بأن الله سيخلف لها خيرا منه لكن تقول من خير من أبي سلمة؟ فما أن انتهت عدتها من وفاة زوجها حتى خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فكان النبي صلى الله عليه وسلم خيرا لها من أبي سلمة بلا شك ثم إن الله استجاب دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال في أبي سلمة: اخلفه في عقبه خلفه الله في عقبة وجعل خليفة أبيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نعم الخليفة خلف أبا سلمة في أهله وفي أولاده وكان منهم عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه وكان صغيرا غلاما جلس مع الرسول صلى الله عليه وسلم يأكل فجعلت يده تطيش في الصحفة صبي صغير ما تعلم تروح يده يمينا ويسارا يأكل مما يليه ومن وسط الصحفة ومن الجانب الآخر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا غلام سم الله يعني قل بسم الله عند الأكل وكل بيمينك وكل مما يليك فعلم الرسول هذا الغلام ثلاث سنن: سم الله والتسمية على الأكل واجبة وكل بيمينك والأكل باليمين واجب وكل مما يليك تأدبا مع صاحبك لأن من سوء الأدب أن تأكل من حافة صاحبك فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنن في أكله

واحدة وهذه من بركات النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله فيه بركة فيعلم في كل مناسبة وكذلك ينبغي لطالب العلم وغير طالب العلم كل من علم سنة ينبغي أن يبينها في كل مناسبة ولا تقل أنا لست بعالم نعم لست بعالم لكن عندك علم قال النبي صلى الله عليه وسلم بلغوا عني ولو آية فينبغي للإنسان في مثل هذه الأمور أن ينتهز الفرص كلما سمحت الفرصة لنشر السنة فانشرها يكن لك أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة

باب النهي عن القران بين تمرتين ونحوهما إذا أكل جماعة إلا بإذن رفقته
742 - عن جبلة بن سحيم قال: أصابنا عام سنة مع ابن الزبير فرزقنا تمرا وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يمر بنا ونحن نأكل فيقول: لا تقارنوا فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإقران ثم يقول: إلا أن يستأذن الرجل أخاه متفق عليه

باب ما يقوله ويفعله من يأكل ولا يشبع
743 - عن وحشي بن حرب رضي الله عنه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع؟ قال: فلعلكم تفترقون قالوا: نعم قال فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه رواه أبو داود

[الشَّرْحُ]
هذان بابان ذكرهما النووي رحمه الله في (كتاب أدب الطعام) أما أولهما: فهو في النهي عن القرآن بين التمرتين ونحوهما مما يؤكل أفرادا إذا كان مع جماعة إلا بإذن أصحابه فمثلا الشيء الذي جرت العادة أن يؤكل واحدة واحدة كالتمر إذا كان معك جماعة فلا تأكل تمرتين جميعا لأن هذا يضر بإخوانك الذين معك فلا تأكل أكثر منهم إلا إذا استأذنت وقلت تأذنون لي أن آكل تمرتين في آن واحد فإن أدنوا لك فلا بأس وكذلك ما جاء في العادة بأنه يؤكل أفرادا كبعض الفواكه الصغيرة التي يلتقطها الناس حبة حبة ويأكلونها فإن الإنسان لا

يجمع بين اثنتين إلا بإذن صاحبه الذي صاحبه الذي معه مخافة أن يأكل أكثر مما يأكل صاحبه أما إذا كان الإنسان وحده فلا بأس أن يأكل التمرتين جميعا أو الحبتين مما يؤكل أفرادا جميعا لأنه لا يضر بذلك أحدا إلا أن يخشى على نفسه من الشرق أو الغصص فإن العامة يقولون من كب اللقمة غص فإذا كان يخشى أنه لو أكل تمرتين جميعا أو حبتين جميعا مما يؤكل أفرادا أن يغص فلا يفعل لأن ذلك يضر بنفسه والنفس أمانة عندك لا يحل لك أن تفعل ما يؤذيها أو يضرها ثم ذكر المؤلف ما رواه ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهي عن القران يعني أن يقرن الإنسان بين تمرتين إلا أن يستأذن من كان معه فلا بأس أما الباب الثاني: فهو في الذي يأكل ولا يشبع ولذلك أسباب منها: أنه يسمى الله على الطعام فإن الإنسان إذا لم يسم الله علي الطعام أكل الشيطان معه ونزعت البركة من طعامه ومنها: أن يأكل من أعلى الصحفة فإن ذلك أيضا مما ينزع البركة من الصحفة لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهي أن يأكل الإنسان من أعلى الصحفة فإن فيه البركة فيأكل من الجوانب

ومنها: التفرق على الطعام فإن ذلك من أسباب نزع البركة لأن التفرق يستلزم أن كل واحد يجعل له إناء خاص فيتفرق الطعام وتنزع بركته وذلك لأنك لو جعلت لكل إنسان طعاما في صحن واحد أو في إناء واحد لتفرق الطعام لكن إذا جعلته كله في إناء واحد اجتمعوا عليه وصار في القليل بركة وهذا يدل على أنه ينبغي للجماعة أن يكون طعامهم في إناء واحد ولو كانوا عشرة أو خمسة يكون طعامهم في صحن واحد بحسبهم فإن ذلك من أسباب نزول البركة والتفرق من أسباب نزع البركة

باب الأمر بالأكل من جانب القصعة والنهي عن الأكل من وسطها وفيه: قوله صلى الله عليه وسلم وكل مما يليك متفق عليه كما سبق
744 - عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح
745 - وعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم قصعة يقال لها: الغراء يحملها أربعة رجال فلما أضحوا وسجدوا الضحى أتى بتلك القصعة يعني وقد ثرد فيها فالتفوا عليها فلما كثروا جثا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلوا من حواليها ودعوا ذروتها يبارك فيها رواه أبو داود بإسناد جيد ذروتها أعلاها: بكسر الذال وضمها


[الشَّرْحُ]
هذا الباب الذي عقد المؤلف رحمه الله في (كتاب أدب الطعام) يفيد ما أشرنا إليه فيما سبق وهو أنه ينبغي للناس أن يأكلوا من حواف القصعة يعني من جوانبها لا من وسطها ولا من أعلاها ففي حديث عبد الله بن عباس وعبد الله بن بسر رضي الله عنهما ما يدل على ذلك وان الإنسان إذا قدم إليه الطعام فلا يأكل من أعلاه بل يأكل من الجانب وإذا كان معه جماعة فليأكل مما يليه ولا يأكل مما يلي غيره وقوله صلى الله عليه وسلم: إن البركة تتنزل في وسط الطعام يدل على أن الإنسان إذا أكل من أعلاه أي من الوسط نزعت البركة من الطعام قال أهل العلم: إلا إذا كان الطعام أنواعا وكان نوع منه في الوسط وأراد أن يأخذ منه شيئا فلا بأس مثل أن يوضع اللحم في وسط الصحفة فإنه لا بأس أن تأكل من اللحم ولو كان في وسطها لأنه ليس له نظير في جوانبها فلا حرج كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتتبع الدباء يلتقطها من الصحفة كلها والدباء هي القرع وفي حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه دليل على استحباب ركعتي الضحى لقوله فلما سجدوا الضحى أي لما صلوا صلاة

الضحى وصلاة الضحى سنة ووقتها من ارتفاع الشمس قدر رمح يعني من ربع ساعة من طلوع الشمس إلي قبيل الزوال يعني إلى أن يبقى على الظهر عشر دقائق كل هذا وقت لها وهي سنة ينبغي للإنسان أن يحافظ عليها لأنها تغني عن الصدقات التي تصبح على كل عضو من أعضاء البدن كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يصبح على كل سلامي من الناس صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعني كل عضو من أعضائك عليك به صدقة كل يوم لكن ليست صدقة مال فقط بل التسبيح صدقة والتكبير صدقة والتهليل صدقة وقراءة القرآن صدقة والأمر بالمعروف صدقة والنهي عن المنكر صدقة ومعونة الرجل على متاعه صدقة والكلمة الطيبة صدقه وإتيان الرجل زوجته صدقه كل شيء يتقرب به العبد إلى الله فهو صدقة ويجزئ عن ذلك وركعتان يركعهما من الضحى وهذا يدل على أن سنة الضحى سنة في كل يوم وفيه أيضا دليل على أن الإنسان عند الأكل متكئا وإنما يأكل مستوفزا يعني جاث على ركبته حتى لا يكثر من الأكل

لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الإكثار من الأكل ما ملأ ابن آدم وعاء من بطنه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه هذا هو الأكل النافع الطبيعي وإذا جعت فكل فالأمر ليس مقصورا على ساعات معينة ولو قال قائل: إن الإنسان لو اقتصر على ثلث وثلث وثلث قد يجوع قبل أن يأتي وقت العشاء نقول إذا جعت فكل لكن كونك تأكل هذا الخفيف يكون أسهل للهضم واسهل للمعدة وإذا اشتهيت فكل وهذا من الطب النبوي لكن لا بأس بالشبع أحيانا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر أبا هريرة رضي الله عنه حينما سقاه اللبن وقال: اشرب اشرب اشرب حتى قال: والله لا أجد له مساغا يعني لا أجد له مكانا فاقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وإنما الذي ينبغي أن يكون الأكثر في أكلك كما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم ثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس

باب كراهية الكل متكئا
746 - عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا آكل متكئا رواه البخاري قال الخطابي: المتكيء هنا هو الجالس معتمدا على وطاء تحته قال وأراد أنه لا يقعد على الوطاء والوسائد كفعل من يريد الإكثار من الطعام بل يقعد مستوفزا لا مستوطئا ويأكل بلغة هذا كلام الخطابي وأشار غيره إلى أن المتكئ هو المائل على جنبه والله أعلم
747 - وعن أنس رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مقعيا يأكل تمرا رواه مسلم المقعي هو الذي يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه

[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله في (كتاب أدب الطعام) : (باب كراهية الأكل متكئا) الأكل ينقسم بالنسبة للجلوس له إلى قسمين: قسم منهي عنه من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو أن يأكل الإنسان متكئا إما على اليد

اليمنى أو على اليد اليسرى وذلك لأن الاتكاء يدل على غطرسة وكبرياء وهذا معنى نفسي ولأنه إذا أكل متكئا يتضرر حيث يكون مجرى الطعام متمايلا ليس مستقيما فلا يكون على طبيعته فربما حصل في مجارى الطعام أضرار من ذلك ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي جحيفة عبد الله بن وهب السواري رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا آكل متكئا ويعني ليس من هديي أن آكل متكئا وذلك للسببين اللذين ذكرناهما: سبب معنوي يكون بالنفس وهو الكبرياء وسبب حسى يتعلق بالبدن وهو الضرر الذي ينتج عن الأكل على هذا الوجه وذكر المؤلف حديث أنس أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأكل تمرا مقعيا والإقعاء أن ينصب قدميه ويجلس على عقبيه هذا هو الإقعاء وإنما أكل النبي صلى الله عليه وسلم كذلك لئلا يستقر في الجلسة فيأكل أكلا كثيرا لأن الغالب أن الإنسان إذ كان مقعيا لا يكون مطمئنا في الجلوس فلا يأكل كثيرا وإذا كان غير مطمئن فلن يأكل كثيرا وإذا كان مطمئنا فإنه يأكل كثيرا هذا هو الغالب وربما يأكل الإنسان كثيرا وهو غير مطمئن وربما يأكل قليلا وهو مطمئن لكن من أسباب تقليل الأكل ألا يستقر الإنسان في جلسته وألا يكون مطمئنا الطمأنينة

الكاملة والحاصل أن عندنا جلستين: الجلسة الأولى الاتكاء، وهذه ليس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل متكئا وكل أنواع الجلوس الباقية جائزة ولكن أحسن ما يكون ألا تجلس جلسة الإنسان المطمئن المستقر لئلا يكون ذلك سببا لإكثار الطعام وإكثار الطعام لا ينبغي والأفضل أن يجعل الإنسان ثلثا للأكل وثلثا للشراب وثلثا للنفس هذا أصح ما يكون في الغذاء فإن تيسر فهذا هو المطلوب ولا بأس أن يشبع الإنسان أحيانا

باب استحباب الأكل بثلاثة أصابع واستحباب لعق الأصابع وكراهة مسحها قبل لعقها واستحباب لعق القصعة وأخذ اللقمة التي تسقط منه وأكلها وجواز مسحها بعد اللعق بالساعد والقدم وغيرها
748 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح أصابعه حتى يلعقها أو يلعقها متفق عليه
749 - وعن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاث أصابع فإذا فرغ لعقها رواه مسلم
750 - وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة رواه مسلم

751 - وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة رواه مسلم
752 - وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه فإذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة رواه مسلم
753 - وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل طعاما لعق أصابعه الثلاث وقال: إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها وليمط عنها الأذى وليأكلها ولا بدعها للشيطان وأمرنا أن نسلت القصعة وقال: إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة رواه مسلم
754 - وعن سعيد بن الحارث أنه سأل جابرا

رضي الله عنه عن الوضوء مما مست النار فقال لا قد كنا زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نجد مثل ذلك الطعام إلا قليلا فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا ثم نصلي ولا نتوضأ رواه البخاري

[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله في (كتاب آداب الطعام) تضمنت مسائل متعددة المسألة الأولي: أنه ينبغي للإنسان أن يأكل بثلاثة أصابع الواسطى والسبابة والإبهام لأن ذلك أدل على عدم الشره وأدل على التواضع ولكن هذا في الطعام الذي يكفي فيه ثلاثة أصابع أما الطعام الذي لا يكفى فيه ثلاثة أصابع مثل الأرز فلا بأس بأن تأكل بأكثر لكن الشيء الذي تكفى فيه الأصابع الثلاثة يقتصر عليها فإن هذا سنة النبي صلى الله عليه وسلم المسألة الثانية: أنه ينبغي للإنسان إذا انتهى من الطعام أن يلعق أصابعه قبل أن يمسحها بالمنديل كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم يلعقها هو أو يلعقها غيره أما كونه هو يلعقها فالأمر ظاهر وكونه يلعقها

غيره هذا أيضا ممكن فإنه إذا كانت المحبة بين الرجل وزوجته محبة قوية يسهل عليه جدا أن تلعق أصابعه أو أن يلعق أصابعها فهذا ممكن وقول بعض الناس: إن هذا لا يمكن أن يقوله النبي عليه الصلاة والسلام لأنه كيف يلعق الإنسان أصابع غيره؟ نقول إن النبي عليه الصلاة والسلام لا يقول إلا حقا ولا يمكن أن يقول شيئا لا يمكن فالأمر في هذا ممكن جدا وكذلك الأولاد الصغار أحيانا الإنسان يحبهم ويلعق أصابعهم بعد الطعام هذا شيء ممكن فالسنة أن تلعقها أو تلعقها غيرك والأمر الحمد لله واسع ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم فليلعقها غيره حتى نقول هذا إجبارا للناس على شيء يشق عليهم العقها أنت أو ألعقها غيرك وقال النبي عليه الصلاة والسلام إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة قد يكون البركة ونفع الطعام الكثير بهذا الجزء الذي تلعقه من أصابعك حتى إنه ذكر لي بعض الناس عن بعض الأطباء أن الأنامل بإذن الله تفرز إفرازات عند الطعام تعين على هضم الطعام في المعدة وهذه من الحكمة ولكننا نفعلها سنة إن حصلت لنا هذه الفائدة

الطيبة حصلت وإن لم تحصل فلا يهمنا الذي يهمنا امتثال أمر النبي عليه الصلاة والسلام المسألة الثالثة: أنه ينبغي للإنسان أن يلعق الصحن أو القدر أو الإناء الذي فيه الطعام إذا انتهيت فالحس حافته كما أمر بهذا النبي عليه الصلاة والسلام فإنك لا تدري في أي طعامك البركة ومع الأسف أن الناس يتفرقون عن الطعام بدون تنفيذ هذه السنة فتجد حافات الآنية عليها الطعام كما هي والسبب في هذا الجهل بالسنة ولو أن طلبة العلم إذا أكلوا مع العامة وجهوهم إلى هذه السنة وغيرها من سنن الأكل والشرب لانتشرت هذه السنن لكن نسأل الله أن يعاملنا بعفوه فنحن نتجاوز كثيرا ونتهاون في الأمر وهذا خلاف الدعوة إلى الحق المسألة الرابعة: أن الإنسان إذا سقطت منه اللقمة فلا يتركها بل يأخذها وإذا كان فيها أذى يمسحه لا يأكل الأذى لأن الإنسان ليس مجبرا أن يأكل شيئا لا يشتهيه يمسح الأذى كأن يكون فيها عود أو تراب أو ما أشبه ذلك امسحه ثم كلها لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ولا يدعها للشيطان لأن الشيطان يحضر ابن آدم في كل شئونه إن أراد أن يأكل حضره وإن أراد أن يشرب حضره وإن أراد أن يأتي أهله حضره حتى

يشاركه كما في الآية الكريمة وشاركهم في الأموال والأولاد فهو يشارك أهل الغفلة فإذا قلت وأنت تأكل: بسم الله منعته من الأكل، ما يقدر على الكل معك وقد سميت على الطعام أبدا إذا لم تقل بسم الله أكل معك فإذا قلت: الله بسم فإن الشيطان يترقب اللقمة إذا سقطت بالأرض فإن رفعتها أنت فهي لك وإن تركتها أكلها هو فصار إذا لم يشاركك في الطعام شاركك فيما يسقط من الطعام ولهذا فضيق عليه في ذلك أيضا فإذا سقطت اللقمة أو التمرة أو ما أشبه ذلك في الأرض فخذها وإذا كان علق بها أذى من تراب أو عيدان أو ما أشبه ذلك فأزل ذلك الأذى ثم كلها ولا تدعها للشيطان المسألة الخامسة: الوضوء من الطعام المطبوخ الذي مسته النار كالخبز والأرز والجريش وغيرها هل يتوضأ الإنسان إذا أكله أم لا؟ قال بعض العلماء إنه يجب على من أكل شيئا مطبوخا على النار أن يتوضأ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالضوء مما مست النار ولكن الصحيح أنه لا يجب كما في حديث جابر في صحيح البخاري الذي أورده المؤلف رحمه الله فالصحيح أنه لا يجب بل هو سنة يعني الأفضل أن يتوضأ حتى ولو كنت على وضوء إذا أكلت

شيئا مطبوخا على النار فالأفضل أن نتوضأ لكنه ليس بواجب لأن آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار يعني عدم الالتزام به ويدل لهذا أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل نتوضأ من لحوم الإبل قال: نعم؟ قال: نتوضأ من لحوم الغنم قال: إن شئت لأن لحم الإبل إذا أكله الإنسان انتقض وضوءه لو كان على وضوء فلابد أن نتوضأ ولكن ما يجب غسل الفرج لأنه ما بال ولا تغوط إنما يجب الوضوء سواء كان اللحم نيئا أو مطبوخا وسواء أكلت الهبر أو الكبد أو القلب أو الكرش أو الأمعاء أي شيء تأكله من البعير فإنه يجب عليك أن تتوضأ لأنه كله ناقض للوضوء أما غيره فإذا أكلته مطبوخا فالأفضل أن تتوضأ ولا يجب عليك ذلك هذه من الآداب والحقيقة أن هذا الكتاب رياض الصالحين كتاب جامع نافع ويصدق عليه أنه رياض الصالحين ففيه من كل زوج بهيج فيه أشياء كثيرة من مسائل العلم ومسائل الآداب لا تكاد تجدها في غيره

باب أدب الشرب واستحباب النفس ثلاثا خارج الإناء وكراهة التنفس في الإناء واستحباب إدارة الإناء على الأيمن فالأيمن بعد المبتدئ
757 - عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الشراب ثلاثا متفق عليه يعني يتنفس خارج الإناء
758 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشربوا واحدا كشرب البعير ولكن أشربوا مثنى وثلاث وسموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم رفعتم رواه الترمذي وقال حديث حسن
759 - وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس في الإناء متفق عليه

يعني: يتنفس في نفس الإناء
760 - وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر رضي الله عنه فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: الأيمن فالأيمن متفق عليه
761 - وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ فقال للغلام أتأذن لي أن أعطى هؤلاء فقال الغلام لا والله لا أوثر بنصيبي منك أحدا فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده متفق عليه قوله: تله أي: وضعه وهذا الغلام هو ابن عباس رضي الله عنهما

[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب أدب الشرب واستحباب النفس ثلاثا خارج

الإناء وكراهة التنفس في الإناء واستحباب إدارة الإناء على الأيمن فالأيمن بعد المبتدئ
) وقد بين المؤلف في الباب السابق ما يتعلق بالطعام فقد سبق جمل كثيرة من آداب الأكل ولله سبحانه وتعالى على عباده نعم لا تحصى كما قال الله تعالى: وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا فالأكل والشرب من نعم الله سبحانه وتعالى: ولا يعرف قدر هذه النعمة إلا من حرمها نسأل الله ألا يحرمنا إياها فمن حرمها وذاق الجوع وذاق العطش عرف نعمة الله تعالى بالأكل والشرب وهذه إحدى الحكم من الصيام أن الإنسان يمسك عن الأكل والشرب حتى يعرف قدر نعمة الله عليه بتيسير الأكل والشرب وللشرب آداب منها أن يسمى الله عز وجل إذا شرب فيقول عند الشرب: بسم الله ومنها أن يتنفس في الشرب ثلاثا لقول أنس بن مالك رضى الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا شرب تنفس في الشراب ثلاثا كيف يتنفس في الشراب ثلاثا؟ يعني يشرب ثم يفصل الإناء عن فمه ثم يشرب الثالثة ولا يتنفس في الإناء لحديث أبي قتادة

رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى أن يتنفس الإنسان في الإناء والحكمة من ذلك أن النفس في الإناء مستقذر على من يشرب من بعده وربما تخرج من النفس أمراض في المعدة أو في المريء أو في الفم فتلتصق بالإناء وربما يشرق إذا تنفس في الإناء فلهذا نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتنفس الإنسان في الإناء بل يتنفس ثلاثة أنفاس كل نفس يبعد فيه الإناء عن فمه وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن هذا أهنأ وأبرأ وأمرأ أهنأ لأنه يشرب بمهلة وأبرأ: يعني أبرأ من العطش، وأسلم من المرض.
وأمرأ: أسهل في النزول إلى الأمعاء ووجه ذلك أن العطش عبارة عن حرارة المعدة لقلة الماء أو لغير ذلك وأحيانا يكون المرض فإذا جاءها الماء دفعة واحدة ربما يضر فإذا راسله الإنسان عليها مراسلة كان هذا أبرأ في إزالة العطش وفي السلامة من المرض ولأثر الذي يحصل بورود الماء على المعدة دفعة واحدة ولهذا ينبغي أيضا إذا شرب أن لا يعب الماء عبا وإنما يمصه مصا لا يعبه عبا فيأخذ جرعات كبيرة بل يمصه مصا حتى يأتي المعدة شيئا فشيئا فيمصه في النفس الأول ثم يطلق الإناء ثم يمصه في النفس الثاني ثم يطلق الإناء ثم في النفس الثالث هذه

هي السنة وأما التناول يعني بمن يبدأ في إعطاء الإناء إذا أراد أن يعطي الشراب أحدا؟ مثال ذلك: رجل دخل ومعه شراب شاي أو قهوة بمن يبدأ نقول: إذا كان أحد من الناس قد طلب الشراب فقال هات الماء مثلا فإنه يبدأ به هو الأول وإذا لم يكن أحد طلبه فإنه يبدأ بالأكبر ثم الأكبر يناوله من على يمينه وإذا كان لكل واحد إناء كالكئوس مثلا فليبدأ بالأكبر ثم يعطي الذي عن يساره لأن الذي عن يساره هو الذي عن يمين الصاب والصاب هو الذي سيناول فيبدأ بمن على يمينه والذي على يمين الصاب هو الذي على يسار الشارب لأن الصاب مستقبل للشارب فيكون من على يسار الشارب هو الذي على يمين الصاب مثال ذلك مثلا: إنسان طلب الماء فجيء إليه بالماء فشرب منه وأراد أن يناوله أحدا بعده إن كان الذي جاء بالشراب واقفا على رأسه يقول: أعطني الإناء إذا فرغت فيعطيه إياه وإن لم يكن فإنه إذا انتهى يعطيه للذي على يمينه سواء كان صغيرا أو كبيرا شريفا أو وضيعا والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بلبن قد شيب بماء فشرب وعلى يمينه

رجل من الأعراب وعلى يساره أبو بكر وعمر فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم ناوله الأعرابي فقال عمر للأعرابي هذا أبو بكر يريد من الأعرابي أن يكرم أبا بكر ويقول خذه يا أبا بكر لأن أبا بكر مشهور معروف بين الصحابة أنه أخص أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالنبي ولكن الأعرابي أخذ الإناء فشرب فهنا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم فضل المفضول على الفاضل لأن أبا بكر أفضل من الأعرابي لكن فضله عليه لأنه عن يمينه وقال: الأيمن فالأيمن والقصة الثانية: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بشراب فشرب منه وعلى يمينه غلام وعلى يساره الأشياخ الكبار فلما شرب قال للذي على يمينه وهو الغلام أتأذن لي أن أعطي هؤلاء يعني الأشياخ فقال والله يا رسول الله ما أنا بالذي أوثر بنصيبي عليك أحدا يعني ما أوثرهم على أنا أحب أن أشرب فضلتك فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده يعني أعطاه الإناء في يده فهذا دليل على أنه إذا كان الذي على اليمين أصغر سنا فإنه يفضل على الذي على اليسار ولو كان أكبر سنا والأول يدل على أنه كان الذي على اليمين أقل قدرا فإنه يعطي ويقدم على الذي هو أعظم قدرا إذا كان على اليسار لقول الرسول: الأيمنون الأيمنون

الأيمنون ألا فيمنوا ألا فيمنوا ألا فيمنوا هكذا جاء الحديث لكن هذا فمن إذا شرب يريد أن يناول من على يمينه أو على يساره أما ما يفعله الناس اليوم يأتي الرجل بالإبريق ويدخل المجلس فهنا يبدأ بالأكبر لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كانوا يبدءون به فيعطونه أولا ولأنه لما أراد أن يناول عليه الصلاة والسلام المسواك أحد الرجلين اللذين وقفا قيل له: كبر كبر وقد ورد في ذلك أيضا أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنك إذا دخلت المجلس تبدأ بالأكبر لا بمن على يمين

باب كراهة الشرب من فم القربة ونحوها وبيان أنه كراهة تنزيه لا تحريم
762 - عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اختناث الأسقية يعني أن تكسر أفواها ويشرب منها متفق عليه
763 - وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشرب من في السقاء أو القربة متفق عليه
764 - وعن أم ثابت كبشة بنت ثابت أخت حسان بن ثابت رضى الله عنه وعنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب في قربة معلقة قائما فقمت إلى فيها فقطعته رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وإنما قطعتها لتحفظ موضع فم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتبرك به وتصونه عن الابتذال وهذا الحديث محمول على بيان الجواز

والحديثان السابقان لبيان الأفضل والأكمل والله أعلم

[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب كراهة الشرب من فم القربة ونحوها وبيان أنه كراهة تنزيه لا تحريم) من آداب الشرب ألا يشرب الإنسان من فم القربة أو السقاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك والحكمة من هذا أن المياه فيما سبق ليست بتلك المياه النظيفة فإذا صارت في القربة أو في السقاء فإنه يكون فيها أشياء مؤذية عيدان أو حشرات أو غير ذلك مما هو معروف لمن كانوا يستعملون هذا من قبل فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم: عن اختناث الأسقية يعني أن الإنسان يكسر أفواهها هكذا ثم شرب وذكر أن رجلا شرب مرة هكذا فخرجت حية من القربة وهذا لاشك أنه على خطر إما أن تلدغه أو تؤذيه لهذا ينهي عن الشرب من فم القربة وليس من ذلك الشرب من الصنبور أو من الجرار التي يخزن فيها الماء لأن هذه معلومة ونظيفة فهو كالشرب من الأواني لكن إذا كان هناك حاجة فلا بأس أن يشرب الإنسان من فم القربة مثل أن يكون محتاجا إلى الماء وليس عنده إناء فإنه يشرب من في القربة وعلى هذا فيكون النهي عن ذلك كما قال المؤلف رحمه الله للكراهة وليس للتحريم ويستفاد من الحديث الأخير: أنه يجوز أن يشرب الإنسان قائما إذا دعت الحاجة إلى ذلك مع أن النبي صلى الله عليه وسلم وعلي آله

وسلم نهي عن الشرب قائما لكن إذا كان هناك حاجة فلا بأس كما في هذه الحالة القربة معلقة والمعلقة تكون عالية عن القاعد وليس عنده إناء فشرب النبي صلى الله عليه وسلم من هذه القربة المعلقة قائما وفي الحديث أيضا: دليل على جواز التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم وهو كذلك وقد كان الصحابة يتبركون بعرق النبي صلى الله عليه وسلم ويتبركون بريقه ويتبركون بثيابه ويتبركون بشعره أما غيره صلى الله عليه وسلم فإنه لا يتبرك بشيء من هذا منه فلا يتبرك بثياب الإنسان ولا بشعره ولا بأظفاره ولا بشيء من متعلقاته إلا النبي صلى الله عليه وعلى أله وسلم

باب كراهة النفخ في الشراب
765 - عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ فقال: أهرقها قال: فإني لا أروي من نفس واحد؟ قال: فأبن القدح إذا عن فيك رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح
766 - وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح

[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله في آداب الطعام والشراب: (باب كراهة النفخ في الشراب) ثم ذكر حديثين فيهما النهي عن النفخ في الشراب وذلك لأن الإنسان إذا نفخ ربما يحصل من الهواء الذي يخرج منه أشياء مؤذية أو ضارة كمرض ونحوه فلهذا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن النفخ فيه فسأله

الرجل قال: يا رسول الله القذاة يعني تكون في الشراب يعني مثل العود الصغير أو ما أشبه ذلك فينفخه الإنسان من أجل أن يخرج فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أهرقها يعني صب الماء الذي فيه القذاة ولا تنفخ فيه ثم سأله: أنه لا يروي بنفس واحد فقال: أبن الإناء عن نفسك المعنى أنه يشرب ويحتاج إلى تنفس فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين الإناء عن فمه يعني يفصله ثم يتنفس ثم يعود فيشرب إلا أن بعض العلماء استثنى من ذلك ما دعت الحاجة إليه كم لو كان الشراب حارا ويحتاج إلى السرعة فرخص في هذا بعض العلماء ولكن الأولى ألا ينفخ حتى لو كان حارا إذا كان حارا وعنده إناء آخر فإنه يصبه في الإناء ثم يعيده مرة ثانية حتى يبرد وفي هذا: دليل أن الشريعة الإسلامية كاملة من جميع الوجوه كل شيء قد علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال أبو ذر: لقد توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحه في السماء إلا ذكر لنا منه علما حتى الطيور في السماء لنا منها علم بتعليم الله ورسوله إيانا وقال رجل من المشركين لسلمان الفارسي رضى الله عنه

علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة يعني حتى الجلوس على قضاء الحاجة لبول أو غائط قال: أجل وذكر ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ألا نستقبل القبلة بغائط ولا بول، وألا نستنجي باليمين، وألا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، وألا نستنجي برجيع أو عظم فالمهم أن شريعتنا ولله الحمد كاملة من كل وجه، ليس فيها نقص ولا تحتاج إلى أحد يكملها وفيه رد على السفهاء الذين يزعمون أن الشريعة الإسلامية إنما تنظم العبادة بين الله وبين الخلق فقط وأما المعاملات بين الناس بعضهم بعضا فإن الشريعة لا تعتني بها فيقال لهؤلاء تبا لكم وسفها لعقولكم أطول آية في كتاب الله العزيز كلها في المداينة في التعامل بين الناس وهل بعد هذا من اعتناء وما أكثر الآيات في القرآن الكريم في تنظيم المال وإصلاحه وما أشبه ذلك وكذلك في السنة فالشريعة الإسلامية ولله الحمد كاملة من كل وجه

باب بيان جواز الشرب قائما وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعدا فيه حديث كبشة السابق
767 - وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: سقيت النبي صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب وهو قائم متفق عليه
768 - وعن النزال بن سبرة رضى الله عنه قال: أتى علي رضى الله عنه باب الرحبة فشرب قائما وقال إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت رواه البخاري
769 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
770 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضى الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائما وقاعدا رواه الترمذي وقال:

حديث حسن صحيح
771 - وعن أنس رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يشرب الرجل قائما قال قتادة: فقلنا لأنس: فالأكل؟ قال: ذلك أشر أو أخبث رواه مسلم وفي رواية له أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائما
772 - وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: لا يشربن أحد منكم قائما فمن نسى فليستقيء رواه مسلم

[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى (باب بيان جواز الشرب قائما وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعدا) فالأفضل في الأكل والشرب أن يكون الإنسان قاعدا لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا يأكل وهو قائم ولا يشرب وهو قائم أما الشرب وهو قائم فإنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذلك وسئل أنس بن مالك عن الأكل قال: ذاك أشر وأخبث يعني معناه أنه إذا نهى عن الشرب قائما فالأكل قائما من باب أولى لكن في حديث ابن عمر الذي أخرجه الترمذي وصححه قال:

كنا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم نأكل ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام فهذا يدل على أن النهي ليس للتحريم ولكنه لترك الأولى بمعنى أن الأحسن والأكمل أن يشرب الإنسان وهو قاعد وأن يأكل وهو قاعد ولمكن لا بأس أن يشرب وهو قائم وأن يأكل وهو قائم والدليل على ذلك حديث عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: سقيت النبي صلى الله عليه وعلى آله من زمزم فشرب وهو قائم زمزم هي عين الماء التي حول الكعبة وسببها أن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ترك هاجر أم إسماعيل وابنها إسماعيل في مكة وليس فيها أحد ليس فيها سكان وليس فيها كعبة وليس فيها أحد بل وليس فيها زروع هي واد غير ذي زرع وجعل عندهما وعاء من تمر وسقاء من ماء وانصرف لأن الله أمره أن يبقيهما هنالك فلما انصرف لحقته هاجر وقالت له: كيف تذهب وتتركنا هل أمرك الله بذلك؟ قال نعم قالت إذا كان الله أمرك بذلك فإنه لن يضيعنا وهذا يدل على كمال إيمان هاجر رضى الله عنها وقصتها هذه نظير قصة أم موسى بن عمران كان فرعون مسلطا على بني إسرائيل يقتل أبنائهم ويبقى نساءهم إذلالا لهم وقد قيل أن المنجمين قالوا له إنه سيظهر من بني إسرائيل رجل يكون

هلاكك على يده فصار يقتل أبناءهم فخافت أم موسى عليه فأوحى الله إليها وحي إلهام لا وحي بنوة أنها إذا خافت عليه تجعله في تابوت صندوق من الخشب وتلقيه في البحر وهذا شيء شديد على النفس أن تضع ولدها في تابوت وتلقيه في البحر لكنها مؤمنة واثقة بوعد الله عز وجل ففعلت جعلته في التابوت وألقته في البحر فرآه جند فرعون فأخذوه ليقتلوه فلما رأته زوجة فرعون ألقى الله محبته في قلبها وقالت: قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ واضطربت أم موسى أصبح فؤادها فارغا يعني ما كأن شيئا وراءه قد فر قلبها على ولدها مع إيمانها بالله ولمن الله عز وجل بقدرته جعل هذه الابن كلما عرضت عليه امرأة ليرضعها أبي أن يرضعها لا يرضى أن يرضع من أي امرأة فإذا أخت موسى قد أرسلتها والدته تنظر ماذا حدث له فرأت الناس يبحثون عن مرضع لهذا الصبي فقالت: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} فرده الله إلى أمه قبل أن يرضع من أي امرأة ما رضع من أحد سوى أمه مع أنها قد ألقته في البحر لكن رده الله عليها

فهاجر رضى الله عنها لما قال لها إبراهيم: إن الله أمرني بهذا قالت إذا لا يضيعنا ثم بقيت هي وطفلها في هذا المكان الذي ليس فيه أحد من بني آدم وجعلت تأكل من التمر وتشرب من الماء وتدر اللبن على الولد ويرضع حتى نفذ التمر والماء وجاعت الأم ومعلوم أن الأم إذا جاعت لا يكون فيها لبن وجعل الطفل يصيح ويبكي فبحثت بما ألهمها الله عن أقرب جبل لها تصعد عليه لعلها تسمع صوتا أو ترى أحدا فوجد أقرب مكان إليها الصفا والمشاهد الآن أن أقرب جبل للكعبة هو الصفا فصعدت عليه وتسمعت فما وجدت أحدا فنزلت وقالت: أذهب إلى الجهة الثانية وأقرب جبل إليها في الجهة الثانية وهو المروة فصعدت على المروة تسمع فلم تجد أحدا وكان بين الصفا والمروة شعيب واد مجرى سيل ومعروف أن الشعيب يكون نازلا عن الأرض فكانت إذا نزلت في الشعيب ركضت ركضا عظيما تركض من أجل أن تسمع الولد وتلتفت إليه وتراه فعلت هذا سبع مرات فلما أكملت سبع مرات إذا هي تسمع شيئا فقالت أغث إن كان عندك غواث سمعت حسا وإذا هو جبريل أمره به عز وجل أن ينزل إلى الأرض فيضرب بعقبه أو بجناحه مكان زمزم فضربه

مرة واحدة فخرج هذا الماء ينبع فجعلت تحوطه تحجر عليه خافت أن يسيح في الأرض وينقص وشربت من الماء وإذا الماء يكفي عن الطعام والشراب وهو ماء فجعلت تشرب من هذا الماء وترضع الولد وفرج الله عز وجل عنها وكان حولها أناس ولكنهم كانوا بعيدين عنها من جرهم قبيلة من العرب كانوا حولها فرأوا الطيور تهوى إلى هذا المكان مكان زمزم الذي فيه الماء والطير يري من بعيد فقالوا ما خبرنا أن هنا ماء حتى تأوي الطيور إليه لكنهم قالوا لا يمكن للطيور أن تأوي إلا إلى الماء فتبعوا هذه الطيور حتى وصلوا إلى المكان وإذا المكان عين تنبع فنزلوا حول المرأة وأنست بهم وكبر إسماعيل وتزوج منهم بعد مدة جاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام فدخل على أهل إسماعيل وعلى هاجر وسأل زوجة إسماعيل كيف حالكم؟ فشكت الحال وتضجرت فقال لها إذا جاء زوجك فقولي له يغير عتبة بابه فجاء إسماعيل وأخبرته الذي حصل قال: هل جاءكم أحد؟ قالت: نعم جاء شيخ صفته كذا وكذا وإنه قال: أقريئه السلام وقولي له يغير عتبة بابه ماذا يريد إبراهيم بهذه الكلمة؟ يريد أن يطلقها لأن المرأة شكاية شكت زوجها يعني أن ما عندهم إلا كل بؤس

فقال: هذا أبي وأنت العتبة فالحقي بأهلك
ثم تزوج غيرها ثم جاء إبراهيم مرة أخرى بعد أن غاب عنه مدة ودخل على بيت ابنه إسماعيل ووجد الزوجة فسألها عن حالهم فأثنت على حالهم وقالت: نحن بخير وأثنت علي الحال فقال أقرئي زوجك مني السلام وقولي له يمسك بعتبة بابه فلما جاء إسماعيل كأنه سأل هل جاء أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ صفته كذا وكذا وانه يقرئك السلام ويقول يمسك عتبة بابه قال: ذاك أبي وأنت عتبة الباب وأمرني أن أمسكك فالحاصل أن زمزم ماء مبارك طعام وطعم وشفاء سقم وماء زمزم لما شرب له إن شربته لعطش رويت وإن شربته لجوع شبعت حتى إن بعض العلماء أخذ من عموم هذا الحديث أن الإنسان إذا كان مريضا وشربه للشفاء شفى وإذا كان كثير النسيان وشربه للحفظ صار حفظا وإذا شربه لأي غرض ينفعه فعلى كل حال هذا الماء ماء مبارك

فالحاصل أن الأكمل والأفضل أن يشرب الإنسان وهو قاعد ويجوز الشرب قائما وقد شرب علي بن أبي طالب رضى الله عنه قائما وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت فدل ذلك على أن الشرب قائما لا بأس به لكن الأفضل أن يشرب قاعدا بقي أن يقال إذا كانت البرادة في المسجد ودخل الإنسان المسجد فهل يجلس ويشرب أو يشرب قائما؟ لأنه إن جلس خالف قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين وإن شرب قائما ترك الأفضل فنقول الأفضل أن

يشرب قائما لأن الجلوس قبل صلاة الركعتين حرام عند بعض العلماء بخلاف الشرب قائما فهو أهون وعلى هذا فيشرب قائما ثم يذهب ويصلي تحية المسجد

باب استحباب كون ساقي القوم أخرهم شربا
773 - عن أبي قتادة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ساقي القوم آخرهم شربا رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح

[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله في كتاب أدب الطعام: (باب استحباب كون ساقي القوم أخرهم شربا) يعني الذي يسقي القوم ماء أو لبنا أو قهوة أو شايا ينبغي أن يكون هو آخرهم شربا من أجل أن يكون مؤثرا على نفسه ومن أجل أن يكون النقص إن كان على نفس الساقي وهذا لاشك أنه أحسن امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وأخذا بأدب النبي صلى الله عليه وسلم لكنه إذا كان لا يشتهي أن يشرب فليس بلازم أن يشرب بعدهم إن شاء شرب وإن شاء لا يشرب المهم أن يكون هو الأخير إذا أن يشرب لما في ذلك من الإيثار وامتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يخدم إخوانه بسقيهم وإذا كان صاحب البيت فليقدم

إليهم الشراب أو الأكل كما فعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ فصاحب البيت يقرب الأكل ويناول الشراب ويكون هو آخر القوم ثم هل الأفضل أن ينصرف ولا يشاركهم في الطعام سواء كان غداء أو عشاء أو فطور أو الأفضل أن ينصرف ولا يشاركهم؟ هذا يرجع إلى عادة الناس فإذا كانت مشاركته أطيب لقلوب الضيوف وأكثر إنياسا فليأكل معهم وإذا كان الأمر بالعكس وجرت العادة أنه لا يأكل الإنسان مع ضيوفه فلا يأكل وإن فهذا أمر يرجع إلى العرف إن كان العرف أن من إكرام الضيف ألا تأكل معه وأن تجعله حرا يأكل ما شاء فلا تأكل وإن كان الأمر بالعكس فكل ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ولم يبين نوع الإكرام فيرجع في ذلك إلى ما جرى به عرف الناس

باب جواز الشرب من جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضة وجواز الكرع وهو الشرب بالفم من النهر وغيره بغير إناء ولا يد وتحريم استعمال إناء الذهب والفضة في الشرب والأكل والطهارة وسائر وجوه الاستعمال
774 - عن أنس رضى الله عنه قال: حضرت الصلاة فقام من كان قريب الدار إلى أهله وبقى قوم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخضب من حجارة فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه فتوضأ القوم كلهم قالوا كم كنتم؟ قال: ثمانين وزيادة متفق عليه هذه رواية البخاري وفي رواية له ولمسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بإناء من ماء فأتى بقدح رحراح فيه شيء من ماء فوضع أصابعه فيه قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه فحزرت من توضأ ما بين السبعين إلى الثمانين
775 - وعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: أتانا النبي صلى الله عليه وسلم فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ رواه البخاري

الصفر بضم الصاد ويجوز كسرها وهو النحاس والتور كالقدح وهو بالتاء المثناه من فوق
776 - وعن جابر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل علي رجل من الأنصار ومعه صاحب له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شنة وإلا كرعنا رواه البخاري الشن: القربة
777 - وعن حذيفة رضى الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن الحرير والديباج والشرب في آنية الذهب والفضة وقال: هي لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة متفق عليه
778 - وعن أم سلمة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم متفق عليه وفي رواية لمسلم: إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب

وفي رواية له: من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نارا من جهنم

[الشَّرْحُ]
هذا الباب عقده المؤلف رحمه الله في كتابه لبيان حكم الأواني واستعمالها في الشرب ليعلم أن هناك قاعدة نافعة وهي أن الأصل في كل ما خلق الله في الأرض أنه حلال فالأصل أن حكمه الحل إلا ما قام الدليل على تحريمه ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا كل ما في الأرض فهو لنا حلال من حيوان وأشجار وأحجار وكل شيء كل الذي في الأرض حلال أحله الله لنا إلا ما قام الدليل على تحريمه وبناء على هذه القاعدة العظيمة التي بينها الله لنا في كتابه فإن كل من ادعى أن هذا حرام فعليه الدليل إذا قال مثلا: إن هذا الحيوان حرام نقول: هات الدليل وإلا فالأصل أنه حلال إذا قال: هذه الآنية حرام قلنا: هات الدليل وإلا فالأصل أنها حلال إذا قال: هذا الشجر حرام قلنا: هات الدليل وإلا فالأصل أنه حلال لأن الذي يقول: إنه حلال معه أصل من الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} وقال عز وجل

{وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه} فهذا هو الأصل ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (باب جواز الشرب من جميع الآنية) من خشب أو حجر أو غير ذلك إلا الذهب والفضة فإن الذهب والفضة لايجوز فيهما الأكل ولا الشرب ودليل هذا حديث حذيفة بن اليمان وأم سلمة رضى الله عنها أما حديث حذيفة بن اليمان فقد صرح رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة وكذلك حديث أم سلمة وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحكمة من ذلك فقال: هي لهم في الدنيا يعني الكفار وهي لكم في الآخرة فالكفار في الآخرة في نار جهنم والعياذ بالله إذا استغاثوا وهلكوا من العطش فقد قال الله تعالى: {وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} يؤتي إليهم بالماء كالمهل وهو كرديء الزيت المحمي والعياذ بالله إذا قربوه إلى وجوههم ليشربوا منه فإنه يشوي وجوههم {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} والعياذ بالله لكن أهل الجنة جعلنا الله منهم {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} يسقون بآنية الذهب

والفضة ولذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الأكل والشرب فيهما لأنهما آنية الجنة ونهي عن لبس الحرير للرجال لأن الحرير للمؤمنين في الجنة والرجال لا يليق بهم لبس الحرير في الدنيا وكذلك النساء لولا أن الله تعالى رخص لهن في لباس الحرير من أجل مصلحتهن ومصلحة أزواجهن حتى تتجمل المرأة لزوجها فيحص بذلك مصلحة للجميع ولولا هذا لكان الحرير حراما على النساء كما هو حرام على الرجال لأنه لباس أهل الجنة فالحاصل أن جميع الأواني من زجاج وخزف وخشب وأحجار وغير ذلك الأصل فيها الحل حتى لو كانت من أغلى المعادن فإنها حلال إلا الذهب والفضة والعلة في ذلك ليس كما قال بعض الفقهاء: إنها الخيلاء وكسر قلوب الفقراء وما أشبه ذلك لأنه لو كان هكذا لكان كل إناء يكسر قلوب الفقراء يحرم فيه الأكل والشرب لكن العلة بينها الرسول عليه الصلاة والسلام: هي لهم في الدنيا وهي لكم في الآخرة وهذا خاص بآنية الذهب والفضة ولو أن الإنسان شرب في آنية من معدن أغلى من الذهب والفضة لم يكن هذا حراما إذا لم يصل إلى حد السرف ولكن لو أكل أو شرب في الذهب والفضة كان ذلك حراما لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن

ذلك وبين السبب وفي حديث أم سلمة: دليل على أن الأكل في آنية الذهب والفضة من كبائر الذنوب لأن النبي صلى الله عليه وسلم توعد على ذلك بأن من فعله: فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم الجرجرة صوت الطعام والشراب وهو ينحدر في البلعوم فإذا أكل أو شرب في إناء الذهب والفضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم وهذا يدل على أنه من كبائر الذنوب لأن فيه الوعيد وكل ذنب فيه وعيد فإنه من كبائر الذنوب والمطلي بالذهب والفضة قال العلماء: إنه كالخالص لا يجوز أن يؤكل فيه ولا أن يشرب فيه




* * *



شرح كتاب أدب الطعام للشيخ   فَيْصَلْ آل مُبَارَك
شرح كتاب أدب الطعام للشيخ   ابن علان الصديقى



أعلى صفحة
سكربت رياض الصالحين - لأجلك محمد صلى الله عليه وسلم
 
 

www.لأجلك.com

www.4muhammed.net

www.4muhammed.com

www.4muhammed.org