موقع لأجلك محمد صلى الله عليه وسلم منتدى لأجلك محمد صلى الله عليه وسلم إذاعة لأجلك محمد صلى الله عليه وسلم مقياس معرفتنا بنبينا المجلة الفلاشية تواقيع دعوية تتجدد المحاضرات والدروس الصوتية لطلاب كلية الشريعة لألئ حول الرسول صلى الله عليه وسلم رياض الصالحين

Bookmark and Share 

عودة إلى  كتاب اللباس - رياض الصالحين

شرح العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله
شرح أحاديث رياض الصالحين كتاب اللباس


كتاب اللباس
باب استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود وجوازه من قطن وكتان وشعر وصوف وغيرها إلا الحرير
قال الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُّوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}

[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله: (كتاب اللباس) وهذا من أحسن الترتيب فإن الأكل والشرب لباس الباطن والثياب لباس الظاهر قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى فقال: {ألا تجوع فيها ولا تعرى} لأن الجوع عرى الباطن فخلو البطن من الطعام عري لها {ولا تعرى} من لباس الظاهر {وأنك لا تظمأ فيها} هذا حرارة الباطن {ولا تضحي} هذا حرارة الظاهر، ولهذا أشكل على بعض الناس قال: لماذا لم يقل إن لك ألا تجوع فيها ولا تظمأ وأنك لا تعرى فيها ولا تضحي؟ ولكن من تفطن للمعنى الذي أشرنا إليه تبين له بلاغة القرآن {ألا تجوع فيها} هذا

انتفاء العري في الباطن {ولا تعرى} انتفاؤه في الظاهر {لا تظمأ} هذا انتفاء الحرارة في الباطن {ولا تضحي} يعني لا تتعرض للشمس الحارة فيه انتفاء للحرارة في الظاهر كذلك المؤلف رحمه الله بدأ بآداب الأكل ثم بآداب الشرب ثم اللباس الذي هو كسوة الظاهر وافتتح هذا الكتاب بقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُّوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} فذكر الله تعالى نوعين من اللباس: نوعا ظاهرا ونوعا باطنا أو نوعا حسيا ونوعا معنويا وذكر أن الحسي قسمان: قسم ضروري تواري به العورة، وقسم كمالي وهو الريش لباس الزينة والله سبحانه وتعالى من حكمته أن جعل بني آدم محتاجين للباس لمواراة السوءة يعني لتغطية السوءة حتى يتستر الإنسان وكما أنه محتاج للباس يواري سوءته الحسية فهو محتاج للباس يواري سوءته المعنوية وهي المعاصي وهذا من حكمة الله تعالى ولهذا نجد غالب المخلوقات سوي الآدمي لها ما يستر جلدها من شعر أو صوف أو وبر أو ريش لأنها ليست بحاجة إلى أن تتذكر العري المعنوي بخلاف بني آدم فإنهم محتاجون إلي أن يتذكروا العورة المعنوية وهي عورة الذنوب حمانا الله منها

{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُّوَارِي سَوْءَاتِكُمْ} أي عوراتكم {وريشا} أي ثاب زينة وجمال زائدة عن اللباس الضروري {ولباس التقوى} هذا هو اللباس المعنوي {ذلك خير} أي خير من اللباس الظاهر سواء كان مما هو ضروري كالذي يواري السوءة أم من الكمالي وإذا كان لباس التقوى خيرا من لباس الظاهر فيجب على الإنسان أن يفكر حيث تجدنا نحرص على نظافة اللباس الظاهر فالإنسان إذا أصاب ثوبه بقعة أو وسخ هب يغسلها بالماء والصابون وبما يقدر عليه من المنظف لكن لباس التقوى كثير من الناس لا يهتم به يتنظف أو يتسخ لا يهتم به مع أن هذا كما قال الله عز وجل هو الخير وهو إشارة إلى أنه يحب الاعتناء بلباس التقوى أكثر مما يجب الاعتناء بلباس البدن الظاهر الحسي لأن لباس التقوى أهم وهنا قال: {ذلك خير} ولم يقل: ولباس التقوى هو خير لأن اسم إشارة وجيء بها للبعيد إشارة إلي علو مرتبة هذا اللباس كما قال تعالى: {آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه} ولم يقل هذا الكتاب إشارة إلى علو مرتبة القرآن كذلك قوله {ذلك خير} إشارة إلى علو مرتبة لباس التقوى

فينبغي للإنسان أن يعتني بهذا اللباس بأن يتقي الله عز وجل وأن يفكر دائما في سيئاته ومعاصيه وتنظيف السيئات والمعاصي أسهل من تنظيف الثياب الظاهرة الثياب الظاهرة تحتاج إلى عمل وتعب وأجرة وتحضير ماء ومنظف لكن الأمر سهل جدا {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} بالاستغفار والتوبة يمحي كل ما سلف نسأل الله تعالى أن يتوب علينا بمنه وكرمه
وقال تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ}
779 - وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح

780 - وعن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم رواه النسائي والحاكم وقال حديث صحيح
781 - وعن البراء رضى الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوعا ولقد رأيته في حلة حمراء ما رأيت شيئا قط أحسن منه متفق عليه

[الشَّرْحُ]
وذكر المؤلف رحمه الله آية أخرى وهي قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ السرابيل: هي الدروع يعني مثل لباسنا هذا يسمى سرابيل: القمص والدروع وشبهها {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} أما السرابيل التي تقينا البأس فهي سرابيل الحديد الدروع من الحديد كانوا في السابق يلبسونها عند الحرب والقتال لأنها تقي الإنسان السهام الواردة إليه فإنها عبارة عن حلق

من حديد منسوج كما قال الله تعالى وهو يعلم داود: {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} فيصفون هذه الدروع بأنها إذا لبسها الإنسان وجاءته السهام أو الرماح أو السيوف ضربت على هذا الحديث ورقته الشر أما قوله: {سرابيل تقيكم الحر} فهي الثياب من القطن وشبهها تقي الحر وقد يقول قائل: لماذا لم يقل تقيكم البرد؟ أجاب العلماء عن ذلك بأن هذا على تقدير شيء محذوف أي تقيكم الحر وتقيكم البرد لكنه ذكر الحر لأن السورة مكية نزلت في مكة وأهل مكة ليس عندهم برد فذكر الله منته عليهم بهذه السرابيل التي تقي الحر وقيل: إنه ليس في الآية شيء محذوف وأن الدروع التي تقي البأس تقي الإنسان حر السهام ونحوها والسرابيل الخفيفة تقي الحر الجوي وذلك أن الإنسان في الجو الحار لو لم يكن عليه سرابيل تقيه الحر للفحه الحر واسود جلده وتأذي وجف ولكن الله سبحانه وتعالى جعل السرابيل التي تقي الحر من نعمته تبارك وتعالى ثم ذكر حديث ابن عباس رضى الله عنهما وحديث سمرة في أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على لبس الثياب البيض وقال إنها من خير ثيابكم وقال: كفنوا فيها موتاكم وصدق النبي عليه الصلاة

والسلام فإن الثوب الأبيض خير من غيره من جهة الإضاءة والنور ومن جهة أنه إذا اتساخ أدنى اتساخ ظهر فيه فبادر الإنسان إلى غسله أما الثياب الأخرى فربما تتراكم فيها الأوساخ والإنسان لا يشعر بها ولا يغسلها وإذا غسلها فلا يدري هل تنظف أم لا؟ فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام إنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم وهو شامل للبس الثياب البيض القمص والأزر والسراويل كلها ينبغي أن تكون من البياض فإنه أفضل ولكن لو أنه لبس من لون آخر فلا بأس بشرط ألا يكون مما يختص لبسه بالنساء فإن كان مما يختص لبسه بالنساء فإنه لا يجوز أن يلبسه الرجل لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء وكذلك بشرط ألا يكون أحمر لأن الأحمر قد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان أحمر خالصا فإن كان أحمر وفيه أبيض فلا بأس وعلى هذا يحمل الحديث الثالث الذي ذكره المؤلف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مربوعا وأنه كان عليه حلة حمراء هذه الحلة الحمراء ليس معناها أنها كلها حمراء لكن معناها أن أعلامها حمر مثل ما تقول الشماغ أحمر وليس هو كله أحمر بل فيه بياض كثير لكن

نقطه ووشمه الذي فيه أحمر كذلك الحلة الحمراء يعني أن أعلامها حمر أما أن يلبس الرجل أحمرا خالصا ليس فيه شيء من البياض فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك
782 - وعن أبي جحيفة وهب بن عبد الله رضى الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم فخرج بلال بوضوئه فمن ناضح ونائل فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وعلية حلة حمراء كأني أنظر إلى بياض ساقيه فتوضأ وأذن بلال فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يقول يمينا وشمالا حي على الصلاة حي على الفلاح ثم ركزت له عنزة فتقدم فصلى يمر بين يديه الكلب والحمار لا يمنع متفق عليه العنزة بفتح النون نحو العكازة
783 - وعن أبي رمثة رفاعة التيمي رضى الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثوبان أخضران رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح
784 - وعن جابر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل يوم

فتح مكة وعليه عمامة سوداء رواه مسلم

[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث ذكرها النووي رحمه الله في رياض الصالحين في (كتاب اللباس) وقد سبق ذكر شيء من هذه الأحاديث وهنا حديث وهب بن عبد الله السوائي أبي جحيفة رضى الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في قبة له حمراء من أدم أو من أدم ولكن الصواب من أدم وذلك في الأبطح في حجة الوداع فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة في حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة قدمها ضحى يوم الأحد الرابع من ذي الحجة ونزل إلى المسجد الحرام فطاف وسعى ثم خرج إلى الأبطح فنزل فيه إلى اليوم الثامن وكان في هذه القبة التي ضربت له عليه الصلاة والسلام يقول فخرج يعني حين زالت الشمس فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وعليه حلة حمراء كأني أنظر إلى بياض ساقيه وهذه الحلة حمراء يعني أن أعلامها حمر ليست سودا ولا خضرا لأن الأحمر الخالص قد ثبت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لبسه فتحمل هذه على أن المراد أن أعلامها يعني خطوطها ونقشها حمر خرج بلال رضى الله عنه بوضوء النبي عليه الصلاة والسلام

يعني بما بقي من مائه الذي توضأ به فجعل الناس يأخذون منه من ناضح ونائل يعني بعضهم أخذ كثيرا وبعضهم أخذ قليلا يتبركون بفضل وضوئه وآله فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من هذه القبة وأذن بلال ثم ركزت العنزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والعنزة رمح في طرفه زج يعني رمح في طرفه حديدة محددة كان النبي صلى الله عليه وسلم يصحبها معه في السفر ركزت العنزة من أجل أن يصلي إليها لأن الإنسان إذا كان في السفر فإنه ينبغي أن يصلي إلى شيء قائم كعصا يركزها في الأرض أو ما أشبه ذلك يقول فتقدم فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وهذا يدل على جواز الجمع للمسافر وإن كان نازلا لكن الأفضل ألا يجمع إلا من حاجة كما لو كان سائرا يمشي أو كان نازلا ولكن يحتاج إلى راحة فيجمع جمع تأخيرا أو جمع تقديم وإلا فالأفضل للنازل ألا يجمع ثم ذكر وهب بن عبد الله السوائي أو جحيفة كيف كان أذان بلال يقول جعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يعني يمينا وشمالا يقول حي على الصلاة حي على الفلاح واختلف العلماء رحمهم الله: هل يقول حي على الصلاة على اليمين حي علي الصلاة على اليسار ثم حي على الفلاح علي

اليمين حي علي الفلاح على اليسار أم أنه يجعل حي على الصلاة كلها على اليمين وحي على الفلاح كلها على اليسار والأمر في هذا واسع وإن فعل هذا أو هذا فكله على خير ولا بأس به ثم ذكر حديثين آخرين أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عليه لباس أخضر والثاني: كان عليه عمامة سوداء وهذا يدل أيضا على جواز لباس الأخضر ولباس الأسود
785 - وعن أبي سعيد عمرو بن حريث رضى الله عنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه رواه مسلم وفي رواية له: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس وعليه عمامة سوداء
786 - وعن عائشة رضى الله عنها قالت: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة متفق عليه السحولية بفتح السين وضمها وضم الحاء المهملتين: ثياب

تنسب إلى سحول قرية باليمين والكرسف القطن
787 - وعنها قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه مرط مرحل منه شعر أسود رواه مسلم المرط بكسر الميم: وهو كساء والمرحل بالحاء المهملة: هو الذي فيه صورة رحال الإبل، وهي الأكوار
788 - وعن المغيرة بن شعبة رضى الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في مسير فقال لي: أمعك ماء؟ قلت نعم فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى في سواد الليل ثم جاء فأفرغت عليه من الإداوة فغسل وجهه وعليه جبة من صوف فلم يستطيع أن يخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة فغسل ذراعيه ومسح برأسه ثم أهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ومسح عليهما متفق عليه وفي رواية وعليه جبة شامية ضيقه الكمين وفي رواية: أن هذه القصة كانت في غزوة تبوك

[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله في (كتاب اللباس)

فيها الإشارة كما سبق إلى أنه يجوز للإنسان أن يلبس ما شاء من الثياب البيض والسود والخضر والصفر والحمر إلا أن الأحمر الخالص قد ثبت فيه النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا بأس الأحمر الخالص إلا مشوبا بلون آخر وفي حديث عمرو بن حريث أنه رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعليه عمامة سوداء وسبق أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه عمامة سوداء فهو يدل على جواز لبس العمامة السوداء وكذلك الشماغ الذي نقشه أسود أو أخضر أو أحمر كل هذا جائز وفيه: دليل على جواز لبس العمامة وأن من الأفضل أن يجعل الإنسان لها ذؤابة وأن يرخي طرفها من خلف كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم والعمامة التي ليس لها ذؤابة تسمى العمامة الصماء لأنه ليس لها طرف مرخي وكلاهما جائز وكلاهما أيضا يجوز المسح عليه على القول الراجح وفي حديث عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة ففيه دليل على أن الأفضل أن يكفن الأموات في الثياب البيض وهذا إن تيسر لكن لو فرض أنه لم يتيسر فيكفن الميت في مثل ما يلبسه الحي من أي لون كان إلا الأحمر الخالص

وفي حديث عائشة دليل على أن الميت لا يجعل عليه قميص ولا عمامة وإنما توضع القطع واحدة فوق الأخرى ثم يوضع عليها الميت ثم تلف القطع العليا عليه ثم الوسطى ثم السفلي ثم تثني من عند رأسه ومن عند الرجلين وتربط وتحزم حتى يدخل الميت القبر فإذا أدخل القبر فإنها تفك الحزائم قال العلماء: تفك الحزائم لأن الميت إذا مات ينتفخ فإذا انتفخ وقد ربط فربما يتفجر، فتفك الحزائم من أجل ألا يتفجر وفي حديث المغيرة بن شعبة رضى الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وعل آله وسلم في غزوة تبوك نزل من بعيره وأخذ الإداوة والإداوة إناء يوضع فيه الماء فأخذ الإداوة عليه الصلاة والسلام وانطلق حتى توارى في سواد الليل لأنه عليه الصلاة والسلام أشد الناس حياء، فلا يحب أن يراه أحد وهو جالس علي قضاء حاجته وإن لم تر عورته وهذا من كمال الأدب، أنك إذا أردت أن تقضي حاجتك فابعد عن الناس حتى تتوارى عنهم لا من أجل ألا يروا عورتك لأن ستر العورة واجب ولا يجوز أن تتكشف أمام الناس لكن هذا فوق ذلك يعني الأفضل ألا يرى الإنسان وهو على حاجته وهذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم لأن هديه أكمل الهدى ثم أراد أن يتوضأ وكان عليه جبة من صوف ضيقة الأكمام

لبسها عليه الصلاة والسلام لأن الوقت كان باردا لأن تبوك قريبة من الشام باردة فلذلك كان عليه هذه الجبة عليه الصلاة والسلام فلما توضأ وغسل وجهه وأراد أن يخرج ذراعيه من الكم وكان ضيقا صفيقا فلم تستطع يده أن نخرج فأخرجها من أسفل وغسلها عليه الصلاة والسلام ولما أراد أن يغسل قدميه أهوي المغيرة بن شعبة لينزع خفيه قياسا على أن الرسول لم يمسح على الكمين لما كان ضيقين وإنما أخرج يده من أسفل حتى غسلها فظن المغيرة بن شعبة أن الخفين مثل ذلك وأنها تنزع من أجل غسل الرجل غسل الرجل ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما وقوله: أدخلتهما طاهرتين أي لبستهما على طهارة فمسح عليهما ففي هذا الحديث عدة فوائد: منها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يناله ما ينال البشر من الأمور الطبيعية يبرد كما يبرد الناس ويحتر كما يحتر الناس ولهذا رآه مرة معاوية وقد فك أزرار القميص لأنه والله أعلم كان محترا ففك الأزرار فظن معاوية رضى الله عنه أن هذا من السنة وهو ليس من السنن المطلقة لكن من السنة إذا كان فيه تخفيف على البدن لأن

كل ما يخفف عن البدن فهو خير فإذا كان الإنسان محترا وأراد أن يفتح الأزرار الأعلى والذي يليه فلا بأس ويكون هذا من السنة أما بدون سبب فإنه ليس من السنة لأنه لو كان من السنة لكان وضع الأزرار عبثا لا فائدة منه والدين الإسلامي ليس فيه شيء عبث فكله جد ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا حرج على الإنسان أن يتوقى ما يؤذيه من حر أو برد كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بل الأفضل للإنسان أن يتوقى ما يؤذيه لأن هذا من تمام الرعاية للنفس حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: الكل إذا خفت أن يؤذيك صار حراما عليك الأكل الذي هو الغذاء إذا خفت أن يؤذيك إما بكثرته وإما بكونك أكلت قريبا فتخشى أن تتأذى بالأكل الجديد فإنه يحرم عليك بمعنى أنك تأثم إذا أكلته لأن الإنسان يجب أن يرعى نفسه حق الرعاية ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز أن يمسح على حائل سوى الخفين أو العمامة فلو كان على الإنسان ثوب ضيق الأكمام ولا تحرج اليد إلا بصعوبة وقال: أمسح على هذا الثوب كما أمسح على الخف قلنا: هذا لا يجوز لابد أن تحرج يدك حتى تغسلها حتى لو فرض أنها لم تخرج إلا بشق الكم فإنه يشق حتى يؤدي الإنسان ما

فرض الله عليه من غسل اليد فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ومن فوائد الحديث: بيان جهل بعض الناس الذين يظنون أن ما يسمى بالمانيكير مثل الخفين إذا وضعته المرأة على طهارة تغسلها يوما وليلة وهذا خطأ ليس بصحيح فالمانيكير يجب أن يزال عند الوضوء حتى يصل الماء إلى الأظافر وأطراف الأصابع ومن فوائد هذا الحديث: جواز استخدام الأحرار لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان المغيرة يخدمه ولكن لاشك أن خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم شرف كل يفخر بخدمة الرسول عليه الصلاة والسلام وكان للنبي صلى الله عليه وسلم خدم من الأحرار كعبد الله بن مسعود رضى الله عنه وأنس بن مالك وغيرهما فالمغيرة كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ومن فوائد الحديث: جواز إعانة المتوضئ على وضوءه يعني تصب عليه أو تقرب له الإناء وما أشبه ذلك وكذلك لو فرض أنه يستطيع أن يغسل أعضاءه فاغسلها أنت فلو فرض أن في يده كسرا أو شلالا أو ما أشبه ذلك فلا حرج أن تغسل أعضاءه أنت ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان إذا كان لابسا خفين أو جوارب على طهارة فإنه يمسح عليهما وأن المسح أفضل من

أن يخلعهما ويغسل قدميه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: دعهما أي اتركهما لا تخلعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما ومن فوائد هذا الحديث: ما ذهب إليه بعض العلماء من أن المسح على الخفين يكون مرة واحدة على القدمين إذ أن المغيرة لم يذكر أنه بدأ باليمني قبل اليسرى فاستنبط بعض العلماء من ذلك أن المسح على الخفين يكون باليدين جميعا مرة واحدة ولكن لا حرج أن الإنسان يفعل هذا أو يمسح على الرجل اليمنى قبل اليسرى لأن المسح بدل عن الغسل والغسل تقدم فيه اليمنى على اليسرى والبدل له حكم المبدل فإن فعل الإنسان هذا أو هذا فلا حرج والأمر في هذا واسع ومن فوائد الحديث: أنه لايجوز المسح على الخفين أو الجوربين إلا إذا كان لبسهما على طهارة فإن لبسهما على غير طهارة وجب عليه أن يخلعهما عند الوضوء ويغسل قدميه ومنه فوائد أخرى

باب استحباب القميص
789 - عن أم سلمة رضى الله عنها قالت: كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن

باب صفة طول القميص والكم والإزرار وطرف العمامة وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء وكراهته من غير خيلاء
790 - عن أسماء بنت يزيد الأنصارية رضى الله عنها قالت: كان كم قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن
791 - وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال له أبو بكر: يا رسول الله إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لست ممن يفعله خيلاء رواه البخاري، وروي مسلم بعضه
792 - وعن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا متفق عليه
793 - وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أسفل الكعبين من الإزار

ففي النار رواه البخاري
794 - وعن أبي ذر رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب رواه مسلم وفي رواية له: المسبل إزاره

[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ذكرها النووي رحمه الله في (كتاب اللباس) فيها أحاديث تدل على أن أحب الثياب إلى رسول الله القميص وذلك أن القميص أستر من الإزار والرداء وكانوا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام يلبسون الإزار والرداء أحيانا يلبسون القميص وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحب القميص لأنه أستر ولأنه قطعة واحدة يلبسها الإنسان مرة واحدة فهي أسهل من أن يلبس الإزار أولا الرداء ثانيا ولكن مع ذلك لو كنت في بلد يعتادون لباس الأزر والأردية ولبست مثلهم فلا حرج والمهم ألا تخالف لباس أهل بلدك فتقع في

الشهرة وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لباس الشهرة وفي هذه الأحاديث أيضا دليل على أن كم القميص يكون إلى الرسغ والرسغ هو الوسط بين الكوع والكرسوع لأن الإنسان له مرفق وهو المفصل الذي بين العضد والذراع وله كوع كرسوع ورسغ فالكوع هو طرف الذراع مما يلي الكف من جهة الإبهام والكرسوع: طرف عظم الذراع مما يلي الكف من جهة الخنصر وأما الرسغ فهو ما بينهما وعلي هذا قول الناظم:
وعظم يلي الإبهام كوع وما يلي ...
الخنصر الكرسوع والرسغ ما وسط
وعظم يلي إبهام رجل ملقب ببوع ...
فخذ بالعلم واحذر من الغلط
والعوام إذا أرادوا ضرب المثل بالإنسان الأبله قالوا هذا رجل لا يعرف كوعه من كرسوعه وأكثر الناس يظنون أن الكوع: هو المرفق الذي إليه منتهى الوضوء ولكن ليس كذلك فما عند مفصل الكف من الذراع مما يلي الخنصر هو الكرسوع وما يلي الإبهام فهو الكوع وما بينهما فهو الرسغ والنبي عليه الصلاة والسلام كان قميصه إلى الرسغ ثم ذكر المؤلف حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة رضي الله

عنهما في إسبال الثياب وإسبال الثياب يقع على وجهين الوجه الأول: أن يجر الثوب خيلاء الوجه الثاني: أن ينزل الثوب أسفل من الكعبين من غير خيلاء أما الأول: وهو الذي يجر ثوبه خيلاء فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له أربع عقوبات والعياذ بالله: لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه يعني نظر رحمة ولا يزكيه وله عذاب أليم أربع عقوبات بها المرء إذا جر ثوبه خيلاء ولما سمع أبو بكر بهذا الحديث قال: رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي علي إلا أن أتعاهده يعني فهل يشملني هذا الوعيد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنك لست ممن يضع هذا خيلاء فزكاه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه لا يصنع هذا خيلاء وإنما العقوبة على من فعله خيلاء أما من لم يفعله خيلاء فعقوبته أهون ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ما أسفل من الكعبين ففي النار ولم يذكر إلا عقوبة واحدة ثم هذه العقوبة أيضا لا تعم البدن كله إنما تختص بما فيه المخالفة وهو ما نزل من الكعب فإذا نزل ثوب الإنسان أو مشلحه أو سرواله إلى أسفل من الكعب فإنه

يعاقب على هذا النازل بالنار ولا يشمل النار كل الجسد إنما يكوي بالنار والعياذ بالله بقدر ما نزل ولا تستغرب أن يكون العذاب على بعض البدن الذي حصلت فيه المخالفة فإنه ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أصحابه توضؤا ولم يسبغوا الوضوء فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار فهنا جعل العقوبة على الأعقاب يعني العراقيب التي لم يسبغوا وضوءها فالعقاب بالنار يكون عاما كأن يحرق الإنسان كله بالنار والعياذ بالله ويكون في بعض البدن الذي حصلت فيه المخالفة ولا غرابة في ذلك وبهذا نعرف قول النووي رحمه الله بتحريم الإسبال خيلاء وكراهيته لغير الخيلاء والصحيح أنه حرام سواء أكان لخيلاء أم لغير خيلاء بل الصحيح أنه من كبائر الذنوب لأن كبائر الذنوب كل ذنب جعل الله عليه عقوبة خاصة به وهذا عليه عقوبة خاصة ففيه الوعيد بالنار إذا كان لغير الخيلاء وفيه وعيد بالعقوبات الأربع إذا كان خيلاء لا يكلمه الله يوم القيامة

ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم وختم المؤلف بحديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قرأها ثلاث مرات وإنما فعل النبي عليه الصلاة والسلام هذا من أجل أن ينتبه الإنسان لأن اللفظ إذا جاء مجملا ولا سيما مع التكرار ينتبه له الإنسان حتى إذا جاءه التفصيل والبيان ورد على نفس متشوقة تطلب البيان فقال أبو ذر يا رسول الله خابوا وخسروا من هؤلاء؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب الأول المسبل: يعني الذي يجر ثوبه خيلاء والثاني المنان: الذي يمن بما أعطى، إذا أحسن إلى أحد بشيء جعل يمن عليه: فعلت بك كذا وفعلت بك كذا والمن من كبائر الذنوب، لأن عليه هذا الوعيد، وهو مبطل الأجر لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى والثالث المنفق سلعته بالحلف الكاذب: يعني الذي يحلف وهو كاذب ليزيد ثمن السلعة فيقول: والله لقد اشتريتها بعشرة وهو لم يشترها إلا بثمانية أو يقول: أعطيت فيها عشرة وهو لم

يعط فيها إلا ثمانية فيحلف على هذا فهذا ممن يستحق هذه العقوبات الأربع لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم نسأل الله العافية
796 - وعن أبي جري جابر بن سليم رضي الله عنه قال: رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئا إلا صدروا عنه قلت من هذا؟ قالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: عليك السلام يا رسول الله مرتين قال: لا تقل عليك السلام، عليك السلام تحية الموتى قل السلام عليك قال: قلت: أنت رسول الله؟ قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك وإذا أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك قلت: اعهد لي قال: لا تسبن أحدا قال فما سببت بعده حرا ولا عبدا ولا بعيرا ولا شاة ولا تحقرن من المعروف شيئا وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، إن ذلك من المعروف وارفع إزارك إلى نصف الساق فإن أبيت فإلي الكعبين وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه فإنما وبال ذلك عليه رواه أبو داود والترمذي فإسناد

صحيح وقال الترمذي: حديث حسن صحيح

[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف رحمه الله في رياض الصالحين في (كتاب اللباس) عن جابر بن سليم رضي الله عنه أنه قدم المدينة فرأى رجلا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئا إلا صدورا عنه يعني أنهم يأخذون بما يقول وبما يوجه لأنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسأل من هذا؟ لأنه رجل لا يعرف النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: رسول الله فجاء إليه فقال: أنت رسول الله؟ قال: نعم ولكنه قال: عليك السلام فقدم الخبر فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا تقل عليك السلام عليك السلام تحية الموتى ولكن قل السلام عليك ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: عليك السلام تحية الموتى يعني أنهم كانوا في الجاهلية يسلمون على الأموات هكذا كما قال الشاعر
عليك سلام الله قيس بن عامر ... ورحمته ما شاء أن يترحم
فكانوا في الجاهلية إذا اسلموا على الأموات يقولون عليك

السلام لكن الإسلام نسخ هذا وصار السلام يقال لمن ابتدئ به السلام عليك حتى الموتى كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخرج إليهم إلى المقبرة يسلم فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين ولا يقول: عليكم السلام وفي قوله عليه الصلاة والسلام: قل السلام عليك دليل على أن الإنسان إذا سلم على الواحد يقول: السلام عليك وهكذا جاء أيضا في حديث الرجل الذي يسمى المسيء في صلاته أنه جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك بالإفراد وهذا هو الأفضل وقال بعض العلماء: تقول السلام عليكم، تريد بذلك أن تسلم على الإنسان الذي سلمت عليه ومن معه من الملائكة ولكن الذي وردت به السنة أولى واحسن أن تقول: السلام عليك إلا إذا كانوا جماعة فإنك تسلم عليهم بلفظ السلام عليكم ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بين له أنه رسول رب العالمين الذي يكشف الضر ويجلب النفع فإذا ضاعت البعير في فلاة من الأرض فدعوت الله سبحانه وتعالى ردها عليك يقول: وإذا أصابك سنة يعني جدبا في الأرض وعدم نبات فدعوت الله كشفه عنك أنبت الأرض لك وكذلك إذا أصابك الضر فدعوت الله كشفه

عنك كما قال الله تعالى: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ فبين له أنه أي الرب عز وجل يجلب لعباده الخير وأنه إذا دعاه عبده لم يخب وهكذا كل دعاء تدعو به ربك فإنك لا تخيب لو لم يأتك من هذا إلا أن الدعاء عبادة تؤجر عليه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لكفى وإذا لم يكن هناك موانع تمنع إجابة الدعاء فإن الله تعالى إما أن يعطيك ما سألت وتراه رأي العين تدعو الله بالشيء فيحصل وإما أن يكشف عنك من الضر ما هو أعظم وإما أن يدخر ذلك لك عنده وإلا فلن يخيب من دعا الله عز وجل أبدا ولكن إياك أن تستبطئ الإجابة فتقول دعوت ودعوت فلم يستجب لي فإن الشيطان قد يلقي في قلبك هذا ويقول: كم دعوت الله من مرة وما جاءك مطلوب؟ ثم يقنطك من رحمة الله والعياذ بالله وهذه من كبائر الذنوب القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب ولا تقنط من رحمة الله ولو تأخرت إجابة الدعاء فأنت لا تدري ما هو الخير؟ ما أمرك الله تعالى بالدعاء إلا وهو يريد أن يستجيب لك كما قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}

لكنك تستعجل انتظر وألح على الله بالدعاء فربما أن الله عز وجل يؤخر إجابتك لأجل أن تكثر من الدعاء فتزداد حسناتك وتعرف قدر نفسك وتعرف قدر حاجتك إلى الله عز وجل فهذا خير فإياك أن تستعجل وألح على الله في الدعاء والله سبحانه وتعالى يحب الملحين في الدعاء المبالغين فيه لأن الإنسان يدعو من إليه المنتهى عز وجل من بيده ملكوت كل شيء وسواء كان ذلك في صلاتك أو في خلواتك ادع الله بما شئت حتى وأنت تصلي ادع الله بما شئت لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أما السجود فأكثروا فيه من الدعاء وقال حين ذكر التشهد ثم ليتخذ من الدعاء ما شاء الله فليس للإنسان أحد سوى الله فليلجأ إليه في كل دقيقة وجليل حتى إنه جاء في الحديث ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع شراك النعل أدني شيء يسأله الله عز وجل لأن السؤال عبادة والتجاء إلى الله عز

وجل وإنابة إليه وارتباط به سبحانه وتعالى يكون قلبك دائما مع الله سبحانه وتعالى فأكثر من الدعاء ثم إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر جابر بن سليم ألا يحقرن من المعروف شيئا كل معروف افعله سواء كان قولا أو فعلا أو جاها أو أي شيء لا تحقر شيئا من المعروف فإن المعروف من الإحسان والله سبحانه وتعالى يحب المحسنين فلو ساعدت إنسانا على تحميل متاعه في السيارة فهذا معروف لو أدنيت له شيئا يحتاج إليه فهذا من المعروف لو أعطيته القلم يكتب به فهذا من المعروف لو أعطيته حافظة من أجل أن يحفظ بها شيئا من الأشياء فهذا من المعروف أحسن فإن الله يحب المحسنين واعلم أن هناك قاعدة إذا ذكرها الإنسان سهل عليه الإحسان وهي ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من قوله: ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته وما ظنك إذا كان الله في حاجتك؟ هل تتعثر الأمور؟ الجواب: لا إذا كان الله في حاجتك يساعدك على حاجتك ويعينك عليها فلا شك أنها سوف تسهل فأنت كلما

كنت في حاجة أخيك كان الله في حاجتك فأكثر من المعروف أكثر من الإحسان ولا تحقرن شيئا ولو كان قليلا قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة أي لا تحقر ولو هذا الشيء القليل ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن سليم: وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك إن ذلك من المعروف لما قال: لا تحقرن من المعروف شيئا بين أن من المعروف أن تلقي أخاك بوجه طلق لا معبس ولا مكفهر بل يكون منبسطا وذلك لأن هذا يدخل السرور على أخيك وكل أدخل السرور على أخيك فإنه معروف وإحسان والله يحب المحسنين وهذا لا شك أنه خير إلا أنه في بعض الأحيان قد يكون المرء الذي يخاطبك من المصلحة ألا تلقاه بوجه منبسط كأن يكون قد فعل شيئا لا يحمد عليه فلا تلقه بوجه منبسط تعزيزا له لأجل أن يرتدع ويتأدب ولكل مقام مقال ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يرفع إزاره إلي نصف الساق فإن أبي فإلى الكعبين وهذا يدل على أن رفع الإزار إلى نصف الساق أفضل ولكن لا حرج أن ينزل إلى الكعبين وذلك لأن هذا من باب

الرخصة وليس بلازم أن يرفع الإنسان إزاره إلي نصف الساق أو يرى أن ذلك حتم عليه وأن الذي لا يرفع قد خالف السنة لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: فإن أبيت إلى الكعبين ولم يقل فإن أبيت فعليك كذا وكذا من الوعيد فدل ذلك على أن الأمر في هذا واسع وقد مر علينا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن أحد شقي إزاري يسترخي علي إلا أن أتعاهده وقلنا إن هذا يدل على أن إزار أبي بكر رضي الله عنه كان نازلا عن نصف الساق وأن هذا لا بأس به فلا ينبغي للإنسان أن يشدد على نفسه أو على الناس بحيث يرى أنه لزام عليه أن يجعل سرواله أو ثوابه أو (مشلحه) إلى نصف الساق فالأمر في هذا واسع هو سنة ولكن مع ذلك الأمر فيه واسع ولله الحمد بترخيص النبي صلى الله عليه وسلم ثم حذر النبي صلى الله عليه وسلم جابر بن سليم من المخيلة يعني أن يختال في مشيته أو ثوبه أو عمامته أو (مشلحه) أو كلامه أو أي شيء يفعله خيلاء فإن الله لا يحب ذلك {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} فالإنسان ينبغي له أن يكون متواضعا دائما في لباسه ومشيته وهيئته وكل أحواله لأن من تواضع لله رفعه الله فهذه الآداب التي علمها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمته ينبغي للإنسان أن

يتأدب بها لأنه يحصل على أمرين أولا: امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} ثانيا: التحلي بحسن الخلق من خلال التأدب بهذه الآداب الراقية التي لا يستطيع أحد من البشر أن يوجه الناس إلى آداب مثلها أبدا لأن الآداب التي جاء بها الشرع هي خير الآداب ثم إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فإنما وبال ذلك عليه وذلك أن الإنسان ينبغي له أن يعفو ويصفح ولا يجعل كل كلمة يسمعها مقياسا له في الحكم على الناس تغاض عن الشيء واعف واصفح فإن الله تعالى يحب العافين عن الناس ويثيبهم على ذلك وأنت إذا عيرته أو سببته بما تعلم فيه طال النزاع وربما حصل بذلك العداوة والبغضاء فإذا كففت وسكت هدأت الأمور وهذا شيء مجرب أن الإنسان إذا ساب أحدا قد سبه طال السباب بينهما وحصل تفرق وتباغض وإذا سكت فإنه قد يكون أنفع كما قال الله تبارك وتعالى في وصف عباد الرحمن {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا} يعني قالوا قولا يسلمون به إما

أن يقولوا مثلا: جزاك الله خيرا أعرض عن هذا اترك الكلام وما أشبه ذلك وال الله عز وجل: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} {خذ العفو} يعني ما عفى وسهل من أخلاق الناس ولا ترد من الناس أن يكونوا على أكمل حال بالنسبة لك الناس ليسوا على هواك لكن خذ منهم ما عفى وما سهل وما صعب فلا تطلبه ولهذا قال: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الجاهل إذا سابك أو شتمك أو ما أشبه ذلك فأعرض عنه فإن هذا هو الخير وهو المصلحة والمنفعة
797 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما رجل يصلي مسبل إزاره قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب فتوضأ فذهب وتوضأ ثم جاء، فقال اذهب وتوضأ فقال له رجل: يا رسول الله مالك أمرته أن يتوضأ ثم سكت عنه؟ قال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم


[الشَّرْحُ]
في الأحاديث السابقة بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه ولا يكلمه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم وأن ما أسفل من الكعبين ففي النار وبينا أن هذا من كبائر الذنوب وأنه لا يحل للإنسان أن يلبس ثوبا نازلا عن الكعب وأما ما كان على حذاء الكعب يعني على وزن الكعب فلا بأس به وكذلك ما ارتفع إلى نصف الساق فما بين نصف الساق إلى الكعب كله من الألبسة المرخص فيها والإنسان في حل وفي سعة إذا لبس إزارا أو سروالا أو قميصا أو (مشلحا) يكون فيما بين ذلك وأما ما نزل عن الكعب فحرام بكل حال بل هو من كبائر الذنوب ثم اختلف العلماء رحمهم الله فيما لو صلى الإنسان وهو مسبل يعني قد نزل ثوبه أو سرواله أو إزاره أو (مشلحه) الذي يستر ولا يشف اختلف في هذا أهل العلم هل تصح صلاته أو لا تصح؟ فمن العلماء من قال إنها لا تصح صلاته لأنه لبس ثوبا محرما والله سبحانه وتعالى إنما أباح لنا أن نلبس ما أحل لنا فإن قوله: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ

يعني ثيابكم يريد بها ما أباح لنا وما أحله لنا وأما ما حرمه علينا فلسنا مأمورين به بل نحن منهيون عنه واستدل الذين يقولون: إن الله لا يقبل صلاته إذا أسبل بهذا الحديث الذي ذكره المؤلف عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى مسبلا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب فتوضأ فذهب فتوضأ ثم رجع فقال: اذهب فتوضأ ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله مالك أمرته أن يتوضأ؟ قال: إنه يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله لا يقبل صلاة مسبل وهذا نص صريح في أن الله لا يقبل صلاة المسبل يعني فتكون صلاته فاسدة ويلزم بإعادتها والمؤلف يقول رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم ولكن هذا فيه نظر فإن الحديث ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والصحيح من أقوال العلماء أن صلاة المسبل صحيحة ولكنه آثم ومثل ذلك أيضا من لبس ثوبا محرما عليه كثوب سرقه الإنسان فصلى به أو ثوب فيه تصاوير فيه صليب مثلا أو فيه صور حيوان فكل هذا يحرم لبسه في الصلاة وفي خارج الصلاة فإذا صلى الإنسان في مثل هذا فالصلاة صحيحة لكنه آثم بلبسه هذا هو القول الراجح في هذه المسألة لأن النهي هنا ليس نهيا خاصا بالصلاة فلبس الثوب المحرم عام في الصلاة وغيرها فلا

يختص بها فلا يبطلها هذه هي القاعدة التي أخذ بها جمهور العلماء رحمهم الله وهي القاعدة الصحيحة وهذا الحديث لو صح لكان فاصلا للنزاع لكنه ضعيف فمن ضعفه قال صلاة المسبل صحيحة ومن صححه قال صلاة المسبل غير صحيحة وعلى كل حال فإن الإنسان يجب عليه أن يتقي الله عز وجل وألا يتخذ من نعمته وسيلة لغضبه والعياذ بالله فإن من بارز الله بالعصيان وقيل له: إن الثواب النازل عن الكعب حرام ومن كبائر الذنوب ولكنه لم يبال بهذا فهذا استعان بنعمة الله على معصية الله نسأل الله العافية
798 - وعن قيس بن بشر التغلبي قال أخبرني أبي وكان جليسا لأبي الدرداء قال كان بدمشق رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له سهل ابن الحنظلية وكان رجلا متوحدا قلما يجالس الناس إنما هو صلاة فإذا فرغ هو تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله فمر بنا ونحن عند أبي الدرداء فقال له أبو الدرداء كلمة تنفعنا ولا تضرك قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فقدمت فجاء رجل منهم فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل إلى جنبه لو رأيتنا حين التقينا نحن

والعدو فحمل فلان فطعن فقال: خذها مني وأنا الغلام الغفاري كيف ترى في قوله؟ قال: ما أراه إلا قد بطل أجره فسمع بذلك آخر فقال: ما أرى بذلك بأسا، فتنازعا حتى سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سبحان الله؟ لا بأس أن يؤجر ويحمد فرأيت أبا الدرداء سر بذلك وجعل يرفع رأسه إليه ويقول: أأنت سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: نعم فما زال يعيد عليه حتى إني لأقول ليبركن على ركبتيه قال فمر بنا يوما آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك قال قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: المنفق على الخيل كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها ثم مر بنا يوما آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره فبلغ ذلك خريما فعجل فأخذ شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه ثم مر بنا يوما آخر فقال له أبو الدرداء كلمة تنفعنا ولا تضرك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش

رواه أبو داود بإسناد حسن إلا قيس بن بشر فاختلفوا في توثيقه وتضعيفه وقد روي له مسلم

[الشَّرْحُ]
في هذا الحديث الذي ذكره المؤلف في قصة ابن الحنظلة رضي الله عنه عبر وفوائد حيث كان رجلا يحب التفرد ما هو إلا صلاة ثم تسبيح ثم في شأن أهله يعني أنه لا يحب أن يذهب عمره سدي مع الناس في القيل والقال والكلام الفارغ الذي ليس فيه فائدة يصلي ويسبح ويكون في أهله فمر ذات يوم بأبي الدرداء رضي الله عنه وهو جالس مع أصحابه فقال له أبو الدرداء رضي الله عنه كلمة تنفعنا ولا تضرك يعني أعطنا كلمة أو قل لنا كلمة تنفعنا ولا تضرك فذكر ابن الحنظلية أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث سرية ثم قدمت السرية والسرية يعني الجيش القليل أقل من أربعمائة نفر، يذهبون يقاتلون الكفار إذا لم يسلموا فقدموا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فجلس أحدهم في المكان الذي يجلس فيه الرسول عليه الصلاة والسلام، وجعل يتحدث عن السرية وما صنعته وذكر رجلا راميا يرمي ويقول: خذها وأنا الغلام الغفاري يفتخر

والحرب لا بأس أن الإنسان يفتخر فيها أمام العدو ولهذا جاز للإنسان في مقابلة الأعداء أن يمشي الخيلاء وأن يتبختر في مشيته وأن يضع على عمامته ريش النعام وما أشبه ذلك مما يعد مفخرة لأن هذا يغيظ الأعداء وكل شيء يغيظ الكفار فلك فيه أجر عند الله حتى الكلام الذي يغيظ الكافر ويذله هو عز لك عند الله عز وجل وأجر هذا الغلام الغفاري كان يفتخر ويقول خذها يعني خذ الرمية وأنا الغلام الغفاري فقال بعض الحاضرين بطل أجره لأنه افتخر إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وهذا صحيح أن الله لا يحب كل مختال فخور إلا في الحرب فقال الآخر لا بأس في ذلك فصار بينهم كلام فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم يتنازعون فقال: سبحان الله يعني تنزيها لله عز وجل عن كل عيب ونقص لأن الله تعالى كامل الصفات من كل وجه ليس في علمه قصور ولا في قدرته قصور ولا في حكمته قصور ولا في عزته قصور كل صفاته جل وعلا كاملة من جميع الوجوه قال: سبحان الله يعني كيف تتنازعون في هذا؟ لا بأس أن يحمد ويؤجر يعني يجمع الله له بين خيري الدين والدنيا يحمد بأنه رجل شجاع رام وأنه يؤجر عند الله عز وجل فلا بأس في هذا

وكان عامر بن الأكوع رضي الله عنه لما لحق القوم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقول خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع فلا بأس أن يفتخر الإنسان في حال الحرب بنفسه وقوته وعشيرته وما أشبه ذلك ومر ابن الحنظلية بأبي الدرداء يوما آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك يعني كلمة تنفعنا ولا تضرك فأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المنفق على الخيل كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها لأن الخيل في ذلك الوقت هي المركوب الذي يركب به في الجهاد في سبيل الله والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها فيكون الإنفاق على الخيل من الصدقات لأنها تستعمل في الجهاد في سبيل الله ثم مر به مرة آخرى فقال: كلمة تنفعنا ولا تضرك فأخبره أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أثنى على رجل إلا أنه قال: لولا طول جمته وإسبال إزاره الجمة: الشعر يعني أنه عنده شيء من الخيلاء هذا الرجل قد أطال شعره وأطال ثوبه، فسمع الرجل بذلك فقص جمته حتى صارت إلى كتفه وقصر ثوبه

وفي هذا: دليل على أن طول الجمة يعني الشعر للرجال من المخيلة وأن الشعر للرجل لا يتجاوز الكتف أو شحمة الأذن أو ما أشبه ذلك لأن الذي يحتاج إلى التجمل بالرأس هي المرأة فإن المرأة هي التي تحتاج إلى التجمل وفي هذا إشارة إلى أن الرجل لا يجوز لهم أن يتشبهوا بالنساء في الشعر أو غير الشعر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال والله سبحانه وتعالى جعل الذكور جنسا والإناث جنسا وأحل لكل واحد منهما ما يناسبه فلا يجوز أن يلحق الرجال بالنساء ولا أعلم أن أحدا من المسلمين ألحق النساء بالرجال في كل شيء لكن الكفار الذين انتكسوا ونكس الله فطرتهم وطبيعتهم هم اللذين يقدمون النساء ويقولون لابد أن تشارك المرأة الرجل حتى لا يحصل فرق ولا شك أن هذا خلاف الفطرة التي جبل الله عليها الخلق وخلاف الشريعة التي جاءت بها الرسل فالنساء لهن خصائص والرجال لهم خصائص ثم إن الرجل سمع ذلك فقص جمته وفيه دليل على امتثال

الصحابة رضي الله عنهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم واسترشادهم بإرشاده وأنهم كانوا يتسابقون إلي تنفيذ ما يقول وهذا علامة الإيمان أما المتباطئ في تنفيذ أمر الله ورسوله، فإن فيه شبها من المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، تجده مثلا يخبر عن حكم الله ورسوله في شيء، ثم يتباطأ ويتثاقل وكأنما وضع رأسه صخرة والعياذ بالله ثم يذهب إلى كل عالم لعله يجد رخصة مع أن العلماء قالوا إن تتبع الرخص من الفسق والعياذ بالله والمتتبع للرخص فاسق حتى إن بعضهم قال: إن من تتبع الرخص فقد تزندق أي صار زنديقا فعلى الإنسان إذا بلغه أمر الله ورسوله من شخص يثق به في علمه وفي دينه ألا يتردد، وأقول في علمه ودينه لأن من الناس من هو دين ملتزم متق لكن ليس عنده علم، تجده يحفظ حديثا من أحاديث الرسول ثم يقوم يتكلم في الناس وكأنه إمام من الأئمة، وهذا يجب الحذر منه ومن فتاواه، لأنه قد يخطئ كثيرا لقلة علمه ومن الناس من يكون عنده علم واسع لكن له هوى والعياذ بالله، يفتي الناس بما يرضى الناس لا بما يرضي الله، وهذا يسمى عالم الأمة.
فالعلماء ثلاثة أقسام: عالم دولة، وعالم أمة.

أما عالم الملة: فهو الذي ينشر دين الإسلام، ويفتي بدين الإسلام عن علم، ولا يبالي بما دل عليه الشرع أوافق أهواء الناس أم لم يوافق.
وأما عالم الدولة: فهو الذي ينظر ماذا تريد الدولة فيفتي بما تريد الدولة، ولو كان في ذلك تحريف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وأما عالم الأمة: فهو الذي ينظر ماذا يرضى الناس، إذا رأى الناس على شيء أفتي بما يرضيهم، ثم يحاول أن يحرف نصوص الكتاب والسنة من أجل موافقة أهواء الناس نسأل الله أن يجعلنا من علماء الملة العاملين بها فالمهم أن الإنسان يجب عليه ألا يغرر بدينه وألا يغتر، بل يكون مطمئنا حتى يجد من يثق به في علمه ودينه ويأخذ دينه منه كما قال أحد السلف: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
فهذا العلم دين وطريق إلى الله عز وجل، ثم إن هؤلاء المغرمين بالكفار، وتقليدهم والعياذ بالله تجدهم يقلدون الكفار في الملابس، فإذا جاءت هذه المجلات التي يسمونها البردة وغيرها اشتروها مباشرة وذهبوا بها إلى أهل البيت، وقالوا: انظروا إلى هذه الملابس، فتجد صورا خليعة وألبسه مخالفة للشريعة، والنساء

لقصرهن نظرا ونقصهن عقلا ودينا، إذا رأت شيئا يعجبها يمليه عليها هواها قالت لزوجها: أريد مثل هذا، أو ذهبت بنفسها إلى الخياط ليصنع لها مثل هذه الألبسة الفاضحة فيصبح الشعب المسلم في زيه كزي الشعب الكافر والعياذ بالله، وهذه مسألة خطيرة قال صلى الله عليه وسلم: من تشبه بقوم فهو منهم ومن ذلك الآن ما تفعله النساء برؤوسهن، كان النساء إلى عهد قريب تفرح المرأة إذا طال شعرها، والخاطب إذا خطب امرأة كان يسأل عن شعرها أطويل هو أم قصير؟ أما الآن فصار الأمر بالعكس المرأة تقص رأسها حتى يكون قريبا من رأس الرجل أو مثل رأس الرجل نسأل الله العافية.
ثم بدأن أيضا بستعملن ما يسمى بالخنفسة، تجد المرأة تقص سوالف رأسها مقدم الرأس والباقي يبقى مقصرا مشرفا، كل هذا تقليد، كل هذا بسبب الغفلة من الرجال عن النساء، والواجب أن تكون رجلا في بيتك، رجلا بمعنى الكلمة في تكون كأنك خشبة عند أهلك.
إذا رأيت أهلك مقصرين في واجب لله عز وجل مرهم به، وإذا كان الشرع يجيز لك أن تضرب فاضرب، إذا رأيتهم يخالفون الشرع في شيء من الأمور الأخرى فألزمهم بالشرع، لأنك مسئول أعطاك النبي صلى الله عليه وسلم إمارة على أهلك الرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته ما نصبك فلان وفلان ما نصبك أمير البلد ولا الوزير ولا الملك ولا غيره نصبك محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأنت أمير في بيتك الرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته، ولم يقل: راع وسكت، ولو كان كذلك لهان الأمر لكن قال: ومسئول عن رعيته فانظر ماذا يكون جوابك إذا وقفت يوم القيامة بين يدي الله فعلينا أن ننتبه إلى هذه الأمور قبل أن يجترفنا السيل الجرار الذي لا يبقى ولا يذر والعياذ بالله ثم تنقلب عاداتنا وأحوالنا كأحوال النصارى ثم ذكر في بقية الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى أن يخرج الرجل على وجه يرضي قال: إنكم قادمون على إخوانكم يعني فاصلحوا أحوالكم واصلحوا ثيابكم لأنه من المعروف فيما سبق أن المسافر تكون ثيابه رثة ويكون شعره شعثا ويكون عليه الغبار، ليس الأمر كاليوم فاليوم تسافر بالطائرات نظيفة ونزيهة وليس فيها شيء لكن فيما سبق كان الأمر على العكس من هذا فأمرهم أن يصلحوا أحوالهم يعني الشعر الشعث

يرجل ويصلح وكذلك يتنظف الإنسان ويلبس الثياب التي ليست ثياب سفر حتى لقي الناس دون أن يشمئزوا منه.
وفي هذا: إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يلاحظ نفسه في هذه الأمور ولا يكون غافلا حتى جمال الثياب فإنه لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة خردل من كبر قالوا: يا رسول الله كلنا يجب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله جميل يحب الجمال يعني يحب التجمل، ليكن ثوبك حسنا ونعلك حسنا وهيئتك حسنة إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس بطر الحق يعني رد الحق أن الإنسان يستكبر عن الحق يقال: هذا حق فيعرض والعياذ بالله وغمط الناس: احتقارهم وازدراؤهم وألا يراهم شيئا قال رجل لابنه يا بني كيف ترى الناس؟ قال: أراهم ملوكا قال هم يرونك كذلك وقال آخر لابنه: كيف ترى الناس قال: لا أراهم شيئا قال: هم كذلك يرونك يعني إذا رأيت الناس ملوكا فهم يجعلونك ملكا وإذا لم ترهم شيئا لا تكون أنت شيئا عندهم فالناس ينظرون إليك بقدر ما تنظر إليهم

799 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إزارة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج أو لا جناح فيما بينه وبين الكعبين فما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جر إزاره بطرا لم ينظر الله إليه رواه أبو داود بإسناد صحيح
800 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إزارى استرخاء فقال: يا عبد الله ارفع إزارك فرفعته ثم قال: زد فزدت، فما زلت أتحراها بعد فقال بعض القوم: إلى أين؟ فقال: إلى أنصاف الساقين رواه مسلم.
801 - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن، قال: يرخين شبرا قالت: إذن تنكشف أقدامهن قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.


[الشَّرْحُ]
هذه أحاديث ثلاثة ساقها النووي رحمه الله في رياض الصالحين في (كتاب اللباس) منها: حديث أبي سعيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إزارة المسلم إلى نصف الساق، ولا جناح، أو قال: لا حرج فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جر إزاره بطرا لم ينظر الله إليه فقسم النبي صلى الله عليه وسلم طول القميص إلى أربعة أقسام: القسم الأول: السنة إلى نصف الساق.
والقسم الثاني: الرخصة: وهو ما نزل من نصف الساق إلى الكعب والقسم الثالث: كبيرة من كبائر الذنوب وهو ما نزل عن الكعبين ولكنه لم يكن بطرا القسم الرابع: من جر ثوبه خيلاء أو بطرا وهو أشد من الذي قبله فصارت الأقسام أربعة: قسم هو السنة وقسم جائز وقسم محرم بل من كبائر الذنوب لكنه دون الذي بعده، والقسم الرابع من جره خيلاء، فإن الله تعالى لا ينظر إليه وفي هذا: دليل على أن من أنزل ثوبه إزارا أو قميصا أو سروالا

أو (مشلحا) إلى أسفل من الكعبين فإنه قد أتى كبيرة من كبائر الذنوب سواء فعل ذلك خيلاء أو لغير الخيلاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق في هذا الحديث بين ما كان خيلاء وما لم يكن كذلك فالذي جعله خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة وإذا ضممنا هذا الحديث إلى حديث أبي ذر السابق قلنا: لا ينظر الله إليه ولا يكلمه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم.
أما ما دون الكعبين، فإنه يعاقب عليه بالنار فقط، ولكن لا تحصل له العقوبات الأربع ثم ذكر حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمره أن يرفع إزاره، فرفعه ثم قال: زد ثم قال: زد: حتى قال رجل: إلى أين يا رسول الله؟ قال: إلى أنصاف الساقين يعني الزيادة إلى فوق لا تتجاوز نصف الساق من فوق، لكنها من نصف الساق إلى الكعب كل هذا جائز، وكلما ارتفع نصف الساق فهو أفضل.
وأما حيث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للنساء أن يرخين ذيولهن يعني أسفل ثيابهن إلى شبر، فقالت: إذا تنكشف أقدامهن، فقال عليه الصلاة والسلام: فيرخينه ذراعا لا يزدن لأن المرأة قدمها عورة، فإذا برز للناس ورأوه فإن ذلك قد

يكون فيه فتنة فإذا نزلت ثوبها وجعلت تمشي سترت قدمها وفي هذا: دليل على وجوب تغطية الوجه، لأنه إذا كانت القدم يجب سترها مع أن الفتنة فيها أقل من الفتنة في الوجه فستر الوجه من باب أولى، ولا يمكن للشريعة التي نزلت من لدن حكيم خبير أن تقول للنساء يغطين أقدامهن ولا يغطين وجوههن، لأن هذا تناقض، بل هذا إعطاء للحكم في شيء وحجب الحكم عن شيء أولى منه، وهذا لا يتصور في الشريعة العادلة هي الميزان، ولهذا جانب الصواب من قال من العلماء إنه يجب أن تستر القدمان ولا يجب أن يستر الوجه والعينان، هذا لا يمكن أبدا، والصواب الذي لا شك فيه عندنا فيه، أنه لا يحل للمرأة أن تكشف وجهها إلا لزوجها أو محارمها

باب استحباب ترك الترفع في اللباس تواضعا قد سبق في باب فضل الجوع وخشونة العيش تتعلق بهذا الباب
802 - وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ترك اللباس تواضعا لله، وهو يقدر عليه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخبره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها رواه الترمذي وقال: حديث حسن

باب استحباب التوسط في اللباس ولا يقتصر على ما يزري به لغير حاجة ولا مقصود شرعي
803 - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده رواه الترمذي وقال: حديث حسن

[الشَّرْحُ]
عقد المؤلف رحمه الله في (كتاب اللباس) هذين البابين الباب الأول: في استحباب ترك رفيع الثياب تواضعا لله عز وجل والثاني: في التوسط في اللباس.
أما الأول: فعن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من ترك اللباس يعني اللباس الجميل الطيب تواضعا لله عز وجل وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها وهذا يعني أن الإنسان إذا كان بين أناس متوسطي الحال لا يستطيعون اللباس الرفيع فتواضع وصار يلبس مثلهم، لئلا

تنكسر قلوبهم، ولئلا يفخر عليهم، فإنه ينال هذا الأجر العظيم أما إذا كان بين أناس قد أنعم عليهم ويلبسون الثياب الرفيعة لكنها غير محرمة، فإن الأفضل أن يلبس مثلهم لأن الله تعالى جميل يحب الجمال ولاشك أن الإنسان إذا كان بين أناس رفيعي الحال يلبسون الثياب الجميلة ولبس دونهم فإن هذا يعد لباس شهرة فالإنسان ينظر ما تقتضيه الحال فإذا كان ترك رفيع الثياب تواضعا لله ومواساة لمن كان حوله من الناس فإن له هذا الأجر العظيم أما إذا كان بين أناس قد أغناهم الله ويلبسون الثياب الرفيعة فإنه يلبس مثلهم ثم ذكر المؤلف رحمه الله الاقتصاد في اللباس وأن الإنسان يقتصد في جميع أحواله في لباسه وطعامه وشرابه لكن لا يجحد النعمة فإن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده إذا أنعم على عبده نعمة فإنه يحب أن يري أثر هذه النعمة عليه فإن كانت مالا فإنه يحب سبحانه وتعالى أن يرى أثر هذا المال على من أنعم الله عليه به بالإنفاق والصدقات والمشاركة في الإحسان والثياب الجميلة اللائقة به وغير ذلك وإذا أنعم الله على عبده بعلم فإنه يحب أن يرى أثر هذه النعمة عليه بالعمل بهذا العلم في العبادة وحسن المعاملة ونشر

الدعوة وتعليم الناس وغير ذلك وكلما أنعم الله عليك نعمة فأر الله تعالى أثر هذه النعمة عليك فإن هذا من شكر النعمة وأما من أنعم الله عليه بالمال وصار لا يرى عليه أثر النعمة يخرج إلى الناس بلباس رث وكأنه أفقر عباد الله فهذا في الحقيقة قد جحد نعمة الله عليه كيف ينعم الله عليك بالمال والخير وتخرج إلى الناس بثياب كلباس الفقراء أو أقل وكذلك ينعم الله عليك بالمال ثم تمسك ولا تنفق لا فيما أوجب الله عليك ولا فيما ندب لك أن تنفق فيه ينعم الله عليك بالعلم فلا يرى أثر هذه النعمة عليك لا بزيادة عبادة أو خشوع أو حسن معاملة ولا بتعليم الناس ونشر العلم كل هذا النوع من كتمان النعمة التي ينعم الله بها على العبد والإنسان كلما أنعم الله عليه بنعمة فإنه ينبغي أن يظهر أثر هذه النعمة عليه حتى لا يجحد نعمة الله

باب تحريم لباس الحرير على الرجال وتحريم جلوسهم عليه واستنادهم إليه وجواز لبسه للنساء
804 - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة متفق عليه
805 - وعنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما يلبس الحرير من لا خلاق له متفق عليه وفي رواية للبخاري: من لا خلاق له في الآخرة قوله: من لا خلاق له أي: لا نصيب له.
806 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة متفق عليه
807 - وعن علي رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا فجعله في يمينه وذهبا فجعله في

شماله ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي رواه أبو داود بإسناد حسن
808 - وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
809 - وعن حذيفة رضي الله عنه قال: نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وعن لبس الحرير والديباج وأن تجلس عليه رواه البخاري

[الشَّرْحُ]
(باب تحريم الحرير على الرجال وافتراشه والاستناد إليه) هذه ثلاثة أمور: لباس الحرير وافتراشه والاستناد إليه وقد جزم المؤلف بأن هذا حرام على الرجال وذلك للأحاديث التي أوردها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأنس بن مالك وأبي موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم وكلها تدل على تحريم لباس الذهب وعلى تحريم لباس الحرير

للرجال وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة يعني إذا لبس الرجل حريرا في الدنيا فإنه لا يلبسه في الآخرة وهذا وعيد يدل على أن لباس الحرير للرجال من كبائر الذنوب لأن فيه الوعيد في الآخرة وكل ذنب فيه وعيد الآخرة فهو كبيرة من كبائر الذنوب عند أهل العلم، ولا فرق بين أن يكون قميصا أو سراويل أو غترة أو طاقية أو غير ذلك مما يلبس كل هذا حرام على الرجال إذا كان من الحرير ولا يجوز للرجال أن يلبسوا شيئا من الحرير لا قليلا ولا كثيرا وفي حديث على النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ذهبا وحريرا بيديه وقال: هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم والحكمة في ذلك أن المرأة محتاجة إلى التجمل لزوجها فأبيح لهذا الذهب والحرير وأما الرجل فليس في حاجة إلى ذلك فهذا حرم عليه لبس الذهب والحرير وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه: إنما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة يعني من لا نصيب له في الآخرة ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن الإنسان إذا لبس الحرير في الدنيا فإنه لا يدخل الجنة والعياذ بالله لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لا خلاق له في الآخرة أي لا نصيب له

وقال أيضا: من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وهذا يعني أنه لا يدخل الجنة ولكن قال بعض العلماء: إنه يدخلها ولكن لا يتمتع بلباس الحرير مع أن أهل الجنة لباسهم فيها حرير وإنما يلبس شيئا آخر وهذا ما لم يتب فإن تاب من ذنوبه فإن التائب من الذنب يغفر الله له ذنبه كما قال تعالى قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا وهذا في الحرير الطبيعي الذي يخرج من دود القز وأما الحرير الصناعي فليس حراما لكن لا ينبغي للرجل أن يلبسه لما فيه من الميوعة والتنزل بحال الرجل الذي ينبغي أن يكون فيها خشنا يلبس ثياب الرجولة لا ثياب النعومة لكن الفائدة من قولنا: إن الحرير الصناعي ليس حراما يعني لو لبس طاقية من الحرير الصناعي أو سروالا لا يرى فهذا لا بأس به وأما القميص والغترة فلا ينبغي وإن كان حلالا لا ينبغي أن يلبسه الرجل لما فيه من الميوعة والتدني ولأن الجاهل إذا رآه يظنه حريرا طبيعيا فيظن أن ذلك سائغ للرجل وربما يقتدي به السلامة أسلم للإنسان وكذلك الذهب فإنه محرم على الرجال حلال للنساء لأنهن

يحتجن إلى التجمل لأزواجهن وأما الدبلة من الذهب فهي حرام على الرجل لاشك وأما المرأة فإن قارن ذلك عقيدة كاعتقادها أنها تحببها إلى زوجها فهي حرام وإن كان بدون عقيدة فهي خاتم من الخواتم

باب جواز لبس الحرير لمن به حكة
810 - عن أنس رضي الله عنه قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما في لبس الحرير لحكة بهما.
متفق عليه

باب النهي عن افتراش جلود النمور والركوب عليها
811 - عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تركبوا الخز ولا النمار حديث حسن رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن
812 - عن أبي المليح عن أبيه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود السباع رواه أبو داود، والترمذي والنسائي بأسانيد صحاح.

باب ما يقول إذا لبس ثوبا جديدا
813 - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا استجد ثوبا سماه عمامة أو قميصا أو رداء يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه أسألك خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن

[الشَّرْحُ]
هذه الأبواب التي ذكرها المؤلف هي آخر أبواب كتاب رياض الصالحين فالباب الأول: جواز لبس الحرير لمن به حكة وقد سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي الرجال عن لبس الحرير وقال: إنما يلبسه من لا خلاق له وقال: من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة لكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك فإنه لا بأس به مثل أن يكون في الإنسان حكة يعني حساسية واحتاج إلى لبس الحرير فإنه

يلبسه ويكون مما يلي الجسد لأن الحرير لين وناعم وبارد يناسب الحكة فيطفؤها ولهذا رخص النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف والزبير أن يلبسا الحرير من حكة كانت بهما كذلك أيضا إذا كان الحرير أربعة أصابع فأقل يعني عرضه أربعة أصابع فأقل فإنه لا بأس به لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رخص في ذلك يعني مثلا لو كان إنسان عنده جبة وفي فتحتها خيوط من الحرير أو تطريز من الحرير لا يتجاوز أربعة أصابع فإن ذلك لا بأس به وكذلك إذا كان الثوب مختلطا بين الحرير والقطن أو بين الحرير والصوف وكان الأكثر الصوف أو القطن يعني أكثر من الحرير فإنه لا بأس به فهذه ثلاثة أمور الأمر الرابع: إذا كان الحرب يعني التقى الصفان بين المسلمين والكفار فلا بأس أن يلبس الإنسان ثياب الحرير لأن ذلك يغيظ الكفار وكل شيء يغيظ الكفار فإنه مطلوب فهذه أربعة أشياء تستثنى: الأول: إذا كان لحاجة كالحكة ويكون مما يلي الجسد والحكمة في ذلك واضحة الثاني: إذا كان أربعة أصابع فأقل والثالث: إذا كان مختلطا والأكثر ظهورا سوى الحرير

والرابع: في الحرب من أجل إغاظة الكفار فهذه المواضع الأربعة لا بأس فيها من الحرير أما الباب الثاني: فهو لباس جلود النمار والنمار جمع نمر وهو حيوان معروف فلا يجوز للإنسان أن يلبس فروا من جلود النمار وكذلك لا يجوز الإنسان أن يلبس فروا من جلود السباع كما يدل عليه الحديث الآخر لأن جلود السباع نجسة كل السباع نجسة وأخبثها الكلب لأن نجاسة الكلب مغلظة لا يكفي فيها إلا الغسل سبع مرات إحداها بالتراب أما ما سواه من السباع فهو نجس، لكن ليس بهذه الغلظة وعلى كل حال فجلود الذئاب وجلود النمور وأي جلود أخرى حرام كجلد الأسد مثلا يحرم لبسها وكذلك ويحرم افتراشها لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهي عن ذلك يعنى لو جعلتها مقاعد تجلس عليها فإن ذلك حرام أما جلود الضأن وجلود ما تحله الزكاة، فلا بأس أن يفترشها الإنسان ولا بأس أن يلبسها أيضا لأنها طاهرة والطاهر لا بأس باستعماله.
وأما الباب الثالث: فهو ما يقوله الإنسان إذا لبس ثوبا جديدا ولا شك أن الإنسان لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولا

شك أن ما نأكله ونشربه ونلبسه من نعمة الله عز وجل وأنه هو الذي خلقه لنا ولولا أن الله يسره ما تيسر لو شاء تعالى لفقد المال من بين أيدينا فلم نستطيع أن نحصل شيئا ولو شاء الله لوجد المال بيننا لكن لا نجد شيئا نطعمه أو نلبسه ونشربه قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَّأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَّعِينٍ فكل ما بنا من نعمة الله وحده ومن ذلك اللباس فإذا من الله عليك بلباس جديد قميص أو سروال أو غترة أو مشلح أو نحوها ولبستها فقل: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه وتسميه باسمه اللهم لك الحمد أنت كسوتني هذا القميص أنت كسوتني هذا السروال أنت كسوتني هذه الغترة أنت كسوتني هذه الطاقية أنت كسوتني هذا المشلح أي شيء تلبسه وهو جديد فاحمد الله قل: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه أسألك خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له فربما يكون هذا سبب شر عليك ربما تأكل النار طرفه ثم تتقد حتى تشمل هذا اللباس وتقضي عليك أنت أيضا ربما تكون فيه أشياء سامة ما تعلم عنها شيئا فالمهم أنك تقول: اللهم إني أعوذ بك من شره وشر ما صنع له لأنه قد يصنع ويكون سببا للشر كأن يحمل صاحبه على الكبر والترفع على الناس أو قد يكون سببا للفتنة وهي من أعظم الشر والفساد كتلك الألبسة التي تتفنن النساء في صنعها مضاهاة لغيرهن

من نساء الغرب الكافرات




* * *



شرح كتاب اللباس  للشيخ  فَيْصَلْ آل مُبَارَك
شرح كتاب اللباس للشيخ   ابن علان الصديقى



أعلى صفحة
سكربت رياض الصالحين - لأجلك محمد صلى الله عليه وسلم
 
 

www.لأجلك.com

www.4muhammed.net

www.4muhammed.com

www.4muhammed.org